الرئيسية > الرأي

معلمة في طي النسيان


بدرية البليطيح

تنطلق القافلة بموعدها المحدد كل يوم الساعة الخامسة فجراً عندما تطلق أبواقها المزعجة امام المنزل طووووووط وعندما نتأخر في الخروج لا يسمع إلا صرير عجلات الحافلة وهي تنطلق مودعة، فالطريق طويل والعدد كثير والدوران في أحياء مدينة مترامية الأطراف كالرياض يحتاج وقتاً طويلاً، والحافلة يجب ان تخرج من المدينة قبل شروق الشمس لحضور الطوابير الصباحية في تلك القرية البعيدة، بعد جهد وصراع مع إغراءات الفراش الدافئ في برودة الشتاء القارس والذي يعتبر انتصاراً على رغباتها، تحمل جسدها المنهك بقدمين مثقلتين بالإحباط والخيبة بعد مرور خمسة أعوام بلا أي بارقة أمل بتقريبها أو نقلها، تستمع باستماتة لصوت العجلات وهي تلتهم الطريق بنهم والصمت يخيم على المكان فلا ترى إلا الرؤوس وهي تتمايل مع الحافلة عندما يداهم النعاس سائقها، فتكتم صرخة مدوية بداخلها ثم تضع يدها على قلبها الذي يكاد أن يتوقف خوفاً من مواجهة الموت، فقد ودعت صغيرها وترجو أن تعود إليه كي لا يتجرع اليتم وهو في شهوره الأولى، تستدني اللحاف وتعض عليه لتحد من اصطكاك اسنانها خوفاً ممزوجاً ببرودة الجو، لم تستطع السيطرة على الخوف بداخلها منذ سنوات بل إن السنوات ولدت الخوف مضاعفاً بنفسها وتنظر لزميلاتها عندما يرتفع شخير بعضهن بغبطة وتردد بحسرة آآآآه ليتني استطيع النوم، تراقب الطريق الأسود والخطوط البيضاء تخترقه بسرعة وهي تقاوم رغبة ملحة بتقيؤ كل ما بداخلها يفور ويريد أن يعبر عن الرفض فهي كل عام تؤكد هذه السنة الحاسمة لن أستمر بتلك المهزلة لم أعد أحتمل، يقطع سلسلة أفكارها انحراف الحافلة تجاه القرية قرية تنام بأمان وسط الرمال تغتصب أحلامها وتقتل روح الحماس بأعماقها والعام يجر بأذياله أعواماً وأعواماً ولسان حالها يقول بعد هذا الصبر تلعنين الهزيمة ما بعد الصبر إلا الفرج، القرية صغيرة منازلها معدودة والمدرسة صغيرة عدد الطالبات المنضمات إليها لا يتعدى الخمسين طالبة، الحياة بها بسيطة وأهلها أكثر بساطة وسماحة، بعد ساعات تيبست بها قدماها تستعد لجمع حاجياتها وهي تراقب حركة زميلاتها وهن يستيقظن فزعات أين كتاب أين الكيس أين الأوراق؟؟ قبل انطلاق مسيرتها اليومية بالتنقل بين الفصول فهي تحمل رسالة سامية لا يجب التهاون بأدائها مهما كانت الظروف الجوية والنفسية فلا يحق لها أن تتخيل خلال شرحها للدرس ذلك الجمل وهو يتمدد بغرور وتحد على الطريق في رحلة عودتهم بالأمس، وعليها أن تطمس منظر العربة وصاحبها يحاول السيطرة عليها بوضع قدمه بقوة على الفرامل وبحركة بهلوانية منه يكتب لهن بفضل الله عمر جديد، عليها ان تحتفظ بتفاصيل ذلك الفلم المرعب لتراه بوقت خلوتها أو فراغها أو بيع فكرته وتفاصيله لصناع الخيال وعشاقه ليكون فيلماً مميزاً، عليها أن تستمتع بمنظر الكثبان الرملية وهي تحتضن حرارة الشمس فترسلها سهاماً مصوبة تجاه الإطارات المتهالكة وتهدد بتفجيرها بأية لحظة ثم تعد بجوفها حفرة يتوارى بها الجسد بعد أن تفارقه الروح، لم تكن بتلك النظرة التشاؤمية من قبل بل كانت ينبوعاً من التفاؤل والابتسامة من أهم مزاياها، وقد يكون للأمومة والإحساس بالمسؤولية الدور الأكبر بذلك والروتين القاتل وقيود الظروف المملة الذي اصبح كالسم يسري بالجسد فيمتص رحيق الحياة وأريجها، ويحيلها لصورة قاتمة تخلو من الألوان والبهجة، تلك هي حياة المعلمة التي قذف بها القدر بعيداً عن مقر سكنها وأصبحت في طي النسيان لسنوات طويلة بل فريسة للظروف والحاجة النفسية والمادية دون أن يدرك الناس معاناتها فقد يتفاعلون مع قضيتها أيام إثر سماع أخبار حوادث المعلمات وضياعهن بالصحراء ولكنهم بعد فترة ينشغلون بأخبار أخرى وقضايا أخرى فلا تجد من يشاركها همها إلا الله الذي يستمع لشكواها، أعانهن الله وفك كربتهن.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    سيدتي بدرية، أبدعتي،
    كان الله في عون المعلمات، وأثابهن في فقدهن لأرواحهن مقابل النسيان !
    ذات دل ٍ بختريه - الرياض
    n_amal_omry@yahoo.com

    ~نورا عبد الرحمن ~ - زائر

    08:21 صباحاً 2006/07/18


  • 2
    اين الوعود اللتي سمعناها من وزير التربيه والتعليم بتحسن آداء النقل لدى المعلمات ؛؛ كان الله في عون اخواتنا المعلمات

    ابوعبدالله - زائر

    11:23 صباحاً 2006/07/18


  • 3
    الاخت / بدريه... السلام عليكم...
    الطرح جيد لكوني أعتبره أحد المداخل لنساهم مع وزارة التربيه كمواطنين في ايجاد الحلو المثلى أن شاء الله لمثل هذا الامر...
    بناتنا وأخواتنا يجب أن يتعلمن... وتعليمهن بمعلمات الوطن الجميع بحاجه اليه... الكل يعاني ولكن بدرجات مختلفه... اذاً لنبحث عن حلول... مثل :
    تغيير ساعة الدوام الصباحيه حسب بعد الموقع... تقليل عدد الحصص اليوميه... استخدام التقنية المتوفره حالياً في التعليم... تحديد عدد المعلمات في سيارات النقل الخاصة... نقل الطالبات لموقع قريب... استخدام وسيله اخرى للنقل مثل القطار، الطائرات الصغيره... الاقامة في موقع المدرسه...
    وفق الله الجميع وسدد خطاكم وحفظكم بعنايته... لخدمة الدين والوطن...
    أخوكم/ سعود بن عبدالعزيز...

    سعود بن عبدالعزيز - زائر

    02:01 مساءً 2006/07/18


  • 4
    اروع وصف واجمل عبارات صيغت عن مشكلة المعلمات، اختي بدريه تملكين القدرة على التعبير والوصف والاقناع،كم اتمنى ان تستمري بالكتابة عن مواضيع اجتماعية اخرى، مع تمنياتي لك على الدوام بالتوفيق والابداع.

    فيصل المستور - زائر

    08:17 مساءً 2006/07/18



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة