مثلما يستحيل أن تقلب عادات الصينيين باحتفالاتهم وتقاليد طعامهم، ولغتهم، فالمستحيل الآخر أن تستورد نظاماً جاهزاً لبلد مثقل بالتاريخ، ومع أن الثقافات عامل أساسي في تفاعل الحضارات والشعوب مع بعضها، فإن الأثر والتأثر لا يصلان الى المعمار الأساسي في حياة الإنسان الذي توارثه، وأصبح يجسّد هويته، إلا بتغيير حقيقي ينبع من نفس الأرض والإنسان معاً..
أمريكا تقول إنها تريد نشر الديموقراطية بالمنطقة مثلما فعلت في أوروبا الشرقية، ولا أحد يعترض أن تساهم الدولة العظمى في نقل مثل هذه التجربة وتشجيعها، لكن العوم في بحيرة آسنة يمكن أن يقتل، وأمريكا إذا أرادت أن تختار الطريق الموصل الى عقلية المواطن العربي وتفكيك الحاجز المعنوي والسياسي معها، فعليها أن تعطينا اليقين أولاً بحل المشكلة الفلسطينية، لا أن تعتقد أن هذا الأمر يمر بالتدريب الديموقراطي والذي يولد السلوك الحضاري للتعايش ومن ثم ينمي الثقة بين طرفي الصراع ليأتي الحل لمثل هذه القضية من خلال سياسة المراحل..
مثل هذا الموقف لا يمكن أن تحسمه دورات لسفراء أمريكا بالمنطقة بكيفية التعامل مع مجتمعات لديها رصيد هائل من التقاليد، والمطالب، وعوامل القبول والرفض خاصة في المسائل الاجتماعية والسياسية، بل بتلمس الواقع والحكم من خلاله على نسج الحلول، ونحن هنا لا نقول باستحالة تنفيذ هذا المشروع، لكن بالصورة التي سوف ينشأ عنها الصدام بين المجتمع العربي، وليس السلطات، وبين أمريكا، لأن الحديث عن ديموقراطية تتبناها دولة مكروهة، ومصنفة بالعداء، ليس بقدرتها تحسين صورتها من خلال بث فضائي، أو تقديم فتات من المعونات، أو تصوير نفسها بعالم سحري يقدم فضائله للعالم بما تراه رسالتها الإنسانية والأخلاقية، وهي التي لا تنظر إلا بعين متفوقة لكل قضايا المنطقة، بل وتتعمد السخرية منها، وتصويرها بالبدائية، التي لم تساهم في حضارة الإنسان..
الوطن العربي يحتاج الى مشاريع، وليس مشروعاً واحداً، أولها أن تعطينا أمريكا الثقة بنواياها، وأن لا تسلبنا إرادتنا من أجل بناء إسرائيل وهيمنتها، وأن لا تجعل من قضية أحداث 11سبتمبر وسيلة ابتزاز وتهديد، ثم أن تختار بين صراع أزلي مع ثلاثمائة مليون عربي وخلفهم ثمانمائة مليون مسلم، وضعتهم على قائمة الإرهاب، والتفسير النمطي، أو أن تسمع لهم وترى ما يريدون بما يُفهم بالعلاقات المتماثلة..
ثانياً، وثالثاً وعاشراً، أن تكون من الوضوح بأهدافها بما يعزز التعاون في خلق بيئة إصلاحية شاملة، لأن تاريخها بالمنطقة لا يعطي الثقة بدور قادم طالما تعاونت مع سلطات وهمشت شعوباً، بل وساعدت على قفل أبواب التنمية والتغييرات الجذرية التي رأت فيها صورة المواطن المستقل، وبالتالي المعارض لجعل أمريكا السيد المطلق، والأهم أن يكون مشروعها من الوضوح بما يكفل العمل على قراءته بدون مسلّمات مطلقة، أو عموميات لا تصل الى الأهداف الوطنية والقومية، والعراق الراهن هو المحك، أي أن رهانها عليه، يتصل برهان مقابل من الأمة العربية، إذ لو نجحت بوضع ما تراه مثلها العليا لأمكن تعميمها بشكل سليم أما أن تكون الديموقراطية شعاراً فقط فالحكم بنجاحه مشكوك فيه.
1
I do not believe that US administration is serious about democracy howver I wonder why the writer of this article is so scared.
Mohammed Saad Al-Ghamdi - زائر
03:10 مساءً 2004/02/10