
إذا كانت السينما الإيرانية قد أدهشت العالم وسادت الساحة منذ منتصف التسعينات فإن السنوات الأخيرة تشهد بتميز وتألق السينما الشرق آسيوية بجمالها البصري الخلاّب وبأفكارها العميقة ذات الأبعاد الفلسفية. فلا تكاد تخلو سنة من ظهور فيلم آسيوي مدهش بفكرته وأسلوبه ولغته وروحه. والعام 2003 شهد ظهور أكثر من فيلم آسيوي عظيم يبرز من بينها الفيلم الكوري (ربيع، صيف، خريف، شتاء.. وربيع)..
الفيلم يحكي قصة بسيطة في ظاهرها لكنها مشبعة بالحكمة وبالروح الفلسفية التأملية ذات الطابع الصوفي. الأحداث تجري في مكان واحد هو معبد بوذي يقع وسط بحيرة معزولة ويقطنه راهب عجوز وصبي صغير. في البدء نتابع الاثنين وهما يتنقلان وسط هذه الطبيعة الساحرة يلفهما الهدوء والسكينة. ثم ننتقل إلى زمن آخر يكبر فيه الصبي ويهرم العجوز. وإلى زمن ثالث تدهمهما فيه فتاة جميلة فتعيش معهما وتقضي على حس البراءة الذي كان عنوان حياتهما البكر الأولى. ثم في النهاية يأتي الزمن الأخير.. زمن التطهر من رجس الخطيئة.. وكل هذا يتم في نفس المكان الذي لا تغادره الكاميرا أبداً..
أحداث الفيلم قسمت إلى خمسة أقسام تمثل الدورة الكاملة لفصول السنة (الربيع)، (الصيف)، (الخريف)، (الشتاء) ثم (الربيع). وكل فصل تجاوز دلالته الوقتية الآنية ليعبر عن دلالتين الأولى هي وصف المرحلة العمرية للبطلين والثانية وهي الأهم والأجمل فرسمت ملامح التطور الروحي للطفل الصغير الذي كبر وتعرض للإغواء والخطيئة وتمرد ثم عاد ليتطهر ويحقق الصفاء الروحي المطلق وليبلغ قمة (النرفانا) والسعادة القصوى بحسب التعريف البوذي.
روعة الفيلم تكمن في صياغته للأفكار البوذية المجردة ومنحها شكلاً مرئياً غاية في البساطة والجمال والأناقة. فهنا ستجد تصويراً لفكرة تناسخ الأرواح ولفكرة الخلاص والتطهر. وإذا كانت الأسطورة تقول (أن بوذا أو الأمير (سيد هارثا) الذي ولد سنة 560 قبل الميلاد قد اعتزل حياة البذخ والترف التي كان ينعم بها في قصر والده ثم اتجه نحو حياة التأمل والزهد والتقشف وتعرض بسبب ذلك لغضب (مارا) الذي أرسل ببناته المتسلحات بكافة أسلحة الإغراء كي يغوين (سيد هارثا) ويرغمنه على العودة إلى حياته القديمة) فإن الفيلم أيضاً يصور هذا المعنى الذي تمثل بوضوح في مجيء (الفتاة/المرأة) إلى الأرض البكر وتسببها في زعزعة إيمان الشاب.
مخرج الفيلم هو الكوري (كيم كي دوك). بدأ حياته الإخراجية عام 1996 مع فيلم (التمساح - Crocodile). وشهد العامين 2001 و 2004 حضوره العالمي الأكبر عندما ترشح فيلميه (الفتاة ساماريا - Samaria) وَ(ولد سيئ - Bad Guy) لجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين السينمائي. وفي فيلمه (ربيع، صيف، خريف، شتاء.. وربيع) يقدم (كيم) سينما أصيلة ذات روح تأملية فلسفية خالصة رسمت عالماً ساحراً بطهره ونقائه..