المقولة التي لا يمكن الا ان تسلّم بها وتقطع كل نقاش هي ان لغة الارقام لا تكذب . مع ذلك فهذه اللغة يمكن ان تكون مضللة فعلا.
خذ مثلا ارقام التاشيرات التي تمكنت وزارة العمل من تخفيضها. الوزارة تقول في معرض حديثها عن توفير فرص العمل للسعوديين بانها نجحت في تخفيض اعداد التاشيرات المصدرة وهذا ما يخلق شواغر او فرصاً وظيفية للسعوديين والسعوديات بنفس نسبة الانخفاض. لكن الوزارة لم تشر الى انها قد ادرجت نسبة انخفاض تاشيرات خدم المنازل والسائقين في احصائياتها وهذه ليست فرصاً وظيفية للسعوديين. بالنتيجة فلغة الارقام بالنسبة للوزارة كانت صحيحة لكنها بالنهاية كانت مضللة.
الكثير من المنشات في القطاعين العام والخاص وكذلك حول العالم تنتهج مثل هذه الممارسات المضللة التي لا تستطيع ان تدينها فيها بالكذب لانها -فعلا- لم تكذب وان كانت قد ابلغتك جزء من الحقيقة او حاولت الايحاء لك بما هو مخالف للحقيقة. هذه المنشات وان كانت لا تكذب تفقد ثقة المتعاملين معها عندما يكتشف الجميع بان ما تحاول تسويقه عليهم ما هو الا تضليل.
الابداع يتجلى في استخدام - او اساءة استخدام - هذه اللغة في الاعلانات التجارية والحملات الترويجية. فالادعاء بان ذلك الدواء مثلا استفاد منه مليون انسان حول العالم ليس الا لان الشركة قد باعت مليون عبوة رغم ان الشخص الواحد اشترى اكثر من عبوة. وصناعة الاعلان بكاملها قائمة على الايحاء. و ان كان من المفهوم قيام القطاع الخاص بمحاولة تضليل المستهلكين بالارقام والايحاء لهم بما هو ليس صحيحا خدمة لاعمالهم التجارية الا ان ما يستعصي على الفهم هو قيام الجهات الخدمية وذات النفع العام غير الساعية للربح بممارسة خدعة الارقام. هذه النوعية من الجهات تحاول تغطية جوانب القصور في ادائها او فشلها في احراز نتائج وعدت بتحقيقها.
في المرة القادمة عندما يظن شخص ما بانه قد افحمك بتقديم احصائية تدعم وجهة نظره في نقاش ما لا تاخذ تلك الاحصائية كمسلّمة بل حاول ان تدرسها لايجاد الثغرات فيها ولا اظن الا انك واجد فيها ما تريد.