في كلمة الملك عبدالله بن عبدالعزيز في حفل اهالي القصيم مساء الخميس قال ان اهلكم هم من أوائل من غادر القصيم بحثاً عن الرزق سافروا إلى بلاد بعيدة بحثاً عن الرزق الحلال. وكان يشير خادم الحرمين الشريفين إلى رحلات العقيلات وهي رحلات تجارية كانت تنطلق بانتظام من القصيم وتأخذ ثلاثة مسارات: الأول الشمالي الشرقي إلى العراق والخليج وما وراءهما من شرق العالم الإسلامي، ايران وافغانستان والقارة الهندية.. والثاني الشمالي الأوسط وهو بلاد الشام: الأردن، سورية، فلسطين، لبنان. والثالث الشمالي الغربي إلى مصر وشمال افريقيا والمغرب العربي.
وهذه الرحلات كانت لغرضين: تجاري وآخر أمني، فالتجاري يتم عبر تبادل تجارة الابل من مراعي القصيم واقليم نجد مقابل معظم انواع الاحتياجات التي لا توفرها الصناعات المحلية، اما الامني فهو تحول تلك البلدان، العراق والشام ومصر إلى ملاذ آمن لأبناء القصيم عندما تحدث الاضطرابات الامنية.. وما بين التجاري والامني نشأت ثقافة مدنية وعسكرية وفكر حضاري استفاد منه مؤسس هذه البلاد الملك عبدالعزيز - طيب الله ثراه - وقد اشار الملك عبدالله إلى ذلك وهو القريب من والده الملك عبدالعزيز ومن تاريخه عندما قال الملك عبدالله: وعندما انطلقت دعوة التوحيد والوحدة بقيادة المؤسس الملك عبدالعزيز (تغمده الله برحمته) هب رجال القصيم مع رجال للوطن خلف قائدهم لبناء الدولة الفتية.
ولو عدنا تاريخياً فإن القصيم ادى هذا الدور في زمن الممالك العربية قبل الإسلام كان آخرها دولتي المناذرة والغساسنة ودولة كندة حيث مدهم بالمقاتلين ورجالات الدولة واستمر الدور الذي يؤديه القصيم بمد الدولة الإسلامية بالمقاتلين وبالتجار والاداريين ممن تعرفوا على النظام الاداري والسياسي في العراق والشام ومصر ونتيجة لذلك تحول عدد من قبائل القصيم في زمن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى مؤسسين لمعسكرات جند ومدن مثل الكوفة والبصرة. واستمر الدور في عهد الخلافة الاموية والعباسية والسلجوقية حتى تحولوا في الزمن العثماني إلى جيش مستقل لحماية مناطق شمال شرقي نجد وفرق نظامية في الجيش العثماني في البصرة وبغداد. لذا عندما جاء المؤسس الملك عبدالعزيز بفكرة توحيد معظم اجزاء الجزيرة العربية كانوا على اطلاع الجند المؤسسين.
هذا التاريخ السياسي للعقيلات تأسس داخله فكر حضاري ومدني كان اساسه التجارة والادارة حيث تحولت قوافل العقيلات الى الجسر الأرضي الذي يربط نجد في تاريخها القديم مع العراق والشام ومصر وداخل هذا الجسر تشكلت ثقافة مدنية بوعي حضاري وسياسي جعلهم - أي العقيلات - ينقلون الخبرات الادارية التنظيمية منذ ان كانوا فرقاً في الجيش العثماني وتجاراً في العواصم العربية في: بغداد، ودمشق وعمان وبيروت والقاهرة - ينقلون - تلك الخبرات إلى الداخل حيث مدنهم الاصلية في القصيم فتحولوا مع ظهور المؤسس الملك عبدالعزيز إلى جنود واداريين ساهموا في تأسيس الدولة الحديثة هذا الكيان العظيم الذي نفتخر به وبولاة الامر الذين استوعبوا تلك الطاقات واستفادوا من خبرات التجمعات السكانية والدويلات سواءٌ في مكة وجدة والمدينة المنورة أو عسير والاحساء وجازان وحائل والقصيم والجوف لدمجها في توليفة واحدة لتصبح المملكة العربية السعودية الكل ساهم في بناء هذا الكيان لينضوي تحت مظلة دولة واحدة عاصمتها الرياض في نسيج وطني متداخل، فلولا ارادة الله وحده وقدرته ثم ارادة الملك عبدالعزيز الذي آمن بفكرة التوحيد وتحمل الكثير لتحقيق هذه الوحدة - اقول لولا الله ثم عبدالعزيز - لأصبحنا دويلات وفرقاً عسكرية تتنازعنا الدول نعيش على هامش وحضارة الآخرين لكن الله اراد لنا ان نكون دولة يستظل بنا الآخرون ويطلب حمايتنا السياسية والمعيشية.
لا أحب أن أفاخر واتباها فهذا تاريخ الامم لكن الحقيقة التاريخية تتطلب ذلك، فالعواصم العربية التي كان يرحل إليها عقيلات القصيم في رحلات شاقة هي رحلات العذاب والموت وأبناء تلك العواصم التي كانت في يوم من الايام ملاذاً وتطلعاً تجارياً وادارياً صاروا يهاجرون إلينا في هجرة عكسية بحثاً عن الرزق الحلال وبحثاً عن الاستقرار والعيش الكريم فمن كنا نرحل اليهم على ظهور الابل يأتون اليوم الينا على ظهور الطائرات والسفن والسيارات بحثاً عما كنا نسعى إليه عندهم في زمن مضى فالحياة تبادل أدوار وأصبحنا الآن نحن دار هجرة لإخواننا العرب.
Jarallh@alriyadh.com
1
مع الأسف الشديد أن رواد هذه الرحلات في بعض الكتابات التاريخية نجدهم محصورون في فئة معينة يرجعون إلى مدينة معينة بالقصيم لكن عند سبر أغوار التاريخ السحيق لهذه الرحلات نجد أسماءً قد نسيت أو غيبت عمداً لسبب أو لدون سبب لذلك أرجو من الكاتب الكريم إطلاعنا أكثر عن هذه الرحلات التي تستحق أن تكتب قصصها بماء الذهب تكريماً للذين كانوا يبحثون عن الرزق ويتقبلون ثقافة الآخر التي نجد أبناء القصيم ممن غيبت أسماء أجدادهم في هذه الرحلات مازالوا يسيرون على نهجهم حتى وجدناهم يتاجرون في "وول ستريت".
hesham - زائر
03:33 مساءً 2006/06/17