
وصف يحيى بن عبد العزيز الحقيل أخصائي صحة بيئة ظاهرة التصحر بانها أحد المشاكل البيئية الخطيرة، التي تواجه دول العالم حالياً، مشيراً الى ان نحو 18٪ من مساحة الاراضي الزراعية في العالم العربي اصبحت واقعة تحت تاثير التصحر، المدمر للطاقة الحيوية للأرض وان نسبة الأراضي المعرضة للتصحر 40٪ من مساحة اليابسة وهي موطن اكثر من 6 مليارات إنسان و التي يمكن أن تؤدي في النهاية إلى ظروف تشبه ظروف الصحراء، مؤكداً بانه مظهر من التدهور الواسع للأنظمة البيئية الذي يؤدي إلى تقلص الطاقة الحيوية للأرض المتمثلة في الإنتاج النباتي والحيواني ومن ثمة التأثير في إعالة الوجود البشري. وقال الحقيل بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للبيئة لعام 2006م تحت شعار «لا تهجروا الأراضي القاحلة» ان هذا الاحتفال يخضع لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر الذي أعلنت عنه عام 2000م في مدينة بون الألمانية في المؤتمر الدولي الرابع لمكافحة التصحر بحضور مندوبين عن 172 دولة وتهدف الاتفاقية إلى التوصل إلى قرارات عملية في مجال مكافحة التصحر وحماية البيئة والمصادر الطبيعية. واوضح أن احدث تعريف للتصحر وأقر في 1994م ضمن اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ينص على ان التصحر يعني تدهور الأرض في المناطق القاحلة و شبه القاحلة وفي المناطق الجافة و شبه الرطبة الذي ينتج من عوامل مختلفة تشمل التغيرات المناخية و النشاطات البشرية. واورد الحقيل عدداً من الأمثلة على فداحة التصحر منها ما يحدث في المناطق الواقعة على أطراف الصحراء الكبرى، في كل من مصر وليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا والأقطار المجاورة التي شهدت تحول 650,000كم2 من أراضيها إلى أراض متصحرة خلال 50 سنة فقط.
اسباب التصحر
وحول اسباب التصحر يقول الحقيل في هذا الصدد ان هناك جملة من العوامل الطبيعية و البشرية تتداخل وتتشابك لتخلق ظاهرة التصحر فبالنسبة للعوامل الطبيعية يلعب المناخ دورا هاما إذ تقع معظم البلاد العربية في النطاقات الجافة و شبه الجافة حيث ان 95٪ من الأراضي، تحصل على اقل من 400 ملم من الأمطار سنويا. في حين ان النسبة الباقية فقط يسقط فيها اكثر من 400 ملم سنويا. ففي حالة العراق يسود المناخ الصحراوي في 70٪ من الأراضي وبالأخص في السهل الرسوبي والهضبة الغربية حيث تتراوح الأمطار السنوية ما بين 50-200 ملم. وعمليا فكل البلاد العربية تعاني من الحساسية المفرطة تجاه التصحر، أضف إلى ذلك فان المواسم الجافة التي تحدث من سنة لأخرى، تساهم في إشاعة ظروف التصحر كما يحدث في المغرب منذ 1980 على وجه الخصوص، وحدث خلال السنوات القليلة الماضية في العراق. أما تعرية التربة التي يقصد بها إزالة الطبقة الخصبة منها الحاوية على المواد العضوية و المعدنية فهي نشطة لان معظم الأقطار العربية قاحلة لذا فهي معرضة بصورة دائمة لتأثير التعرية المائية والهوائية فمثلا ان تلف التربة الذي ينتج من التعرية الهوائية، يعرض للخطر تقريباً كل أراضي الرافدين المنخفضة. إذ باتت الكثبان الرملية تهدد العراق وأنهاره وأراضيه الزراعية بالطمر والدفن.
وللنباتات والحيوانات دورها بتفاعلها مع بيئتها فهي تساهم بصورة رئيسية إما بالحفاظ على توازن البيئة أو بتدهورها. فالإفراط الرعوي يؤدي إلى سرعة إزالة الغطاء النباتي وما ينتج عنه من اشتداد التعرية. أما فيما يخص العوامل البشرية التي يؤكد الباحثون بانها تلعب دورا رئيسيا في خلق التصحر فيتمثل دور الإنسان في مجالين: الأول الضغط السكاني فقد بلغ مجموع سكان البلاد العربية 307ملايين نسمة في 2003 ويتركز معظم هؤلاء في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعاني من التصحر وتعد المعدلات السنوية لنمو السكان في اغلب البلاد العربية من أعلى المعدلات في العالم كما في الصومال 4,2٪ والسلطة الفلسطينية 3,6٪ واليمن 3,5 ٪ والكويت 3,5٪ والسعودية 2,9٪ وعمان 2,9٪ في الفترة 2000- 2005. رغم الانخفاض الذي طرأ على هذه المعدلات في السنوات الأخيرة. وإذا أخذنا في الاعتبار توقع عدد سكان العالم العربي الذي سيزداد في السنوات القادمة فهذا يعني استمرار الضغط السكاني الذي ينتج عنه مزيد من التوسع الزراعي وزيادة أعداد الماشية، ومن ثمة زيادة الرعي وقطع الغابات والهجرة واستيطان أماكن غير ملائمة لاستغلال مواردها بشكل مستمر إضافة إلى توسع المدن وتضخمها الذي يكون في كثير من الحالات على حساب الأراضي الزراعية. كل هذه العوامل تساهم بتسريع التصحر. حيث ان نمو السكان والفقر والتدهور البيئي يعزز كل منهما الأخر.
المجال الثاني يتمثل فهو نمط استخدام الأرض الذي تختلف نوعيته وكثافته من مكان إلى آخر ومن اوجه استخدام الأرض قطع الأشجار ورغم محدودية مساحة الغابات في العالم العربي التي تقدر بحوالي 135 مليون هكتار او 9,6٪ من المساحة الكلية إلا ان استغلالها لايتسم بالتخطيط، إذ يسود القطع السيئ في أحيانا كثيرة.
وهناك عامل آخر يتمثل بالضغط الزراعي الذي يقصد به تكثيف استخدام الأرض بالزراعة أو تحميل التربة اكثر من طاقتها الحيوية حيث يؤدي ذلك إلى حدوث تدهور في التوازن البيئي و إشاعة التصحر.
أما أسباب التصحر في مناطق الزراعة المروية فتعود إلى سوء استغلال و إدارة الأراضي المروية والإسراف في ريها حيث يؤدي ذلك إلى تملح التربة وتغدقها وبالتالي يتدهور إنتاجها وتبرز هذه الظاهرة في التربة ذات التصريف السيئ أو عند الري بمياه ترتفع فيها نسبة الملوحة. فقد ارتفعت ملوحة مياه الري في بغداد بنسبة كبيرة 42٪ خلال 1967-1979 بينما في الموصل ارتفعت بنسبة 20٪ في نفس الفترة. والأمثلة على تملح التربة في البلدان العربية كثيرة.
نتائج التصحر
واشار الحقيل الى ان للتصحر في الأقطار العربية العديد من النتائج أبرزها: النتائج البيئية والاقتصادية والاجتماعية. فبالنسبة للأولى تتمثل في تدهور الحياة النباتية والحيوانية (بعض فصائل النباتات و الحيوانات انقرضت فعلا) وفي تدهور التربة والمراعي وتقلص مساحة الأراضي الزراعية ونقص في الثروة المائية وتدهور نوعيتها وبالأخص ارتفاع نسبة الملوحة فيها. كل ذلك يعود إلى الاستخدام غير السليم والجائر لهذه الموارد. وفي النهاية يمكن أن يكون تدهور البيئة عاملا رئيسيا في تغير المناخ. أما النتائج الاقتصادية المباشرة فتتمثل بما حددته الأمم المتحدة في مسحها لحالة البيئة في العالم للفترة 1972-1992 حيث ورد: يؤثر تدهور الأرض وتصحرها في قدرة البلدان على إنتاج الأغذية، وينطوي بالتالي على تخفيض الإمكانيات الإقليمية والعالمية لإنتاج الأغذية، كما انهما يسببان أيضا في إحداث العجز الغذائي في المناطق المهددة، مع ما لذلك من آثار على الاحتياطات الغذائية وتجارة الأغذية في العالم. ونظرا لان التصحر ينطوي على تدمير للحياة النباتية ونقصان مجموعات نباتية وحيوانية كثيرة، فهو أحد الأسباب الرئيسية لخسارة التنوع البيولوجي في المناطق القاحلة وشبه القاحلة مما يقلل من فرص إنتاج الأغذية. وهذه الاستنتاجات تنطبق على مناطق عالمنا العربي، والتصحر أحد العوامل الرئيسية التي تعيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية في البلدان العربية ويزيد بدوره من المشاكل الاقتصادية التي تواجه هذه البلدان وهذه المشاكل تعمل بدورها على تفاقم التدهور البيئي وهكذا تواجه هذه البلدان حلقة مفرغة. إذ ان حالة البيئة لايمكن فصلها عن حالة الاقتصاد. ومن هنا يتبين لنا ان التخلف الاقتصادي والتدهور البيئي يعزز كل منهما الآخر لتكريس التخلف في كثير من الأقطار العربية، أما النتائج الاجتماعية للتصحر فتتمثل في تزايد هجرة سكان الريف والرعاة نحو المدن طلبا للعمل ولحياة افضل. وينتج عن هذه الهجرة ضغوط متزايدة على إمكانيات المدن المحدودة وتساهم في زيادة معدل نمو سكانها أسرع من معدل نمو سكان الريف (بلغ المعدل السنوي لنمو سكان المدن 3,9٪ ولسكان الريف 1,3٪ في أقطار شمال افريقيا للفترة 1990-1995).
مكافحة التصحر
واكد الحقيل بقولة: بالرغم إدراك خطورة التصحر، إلا ان وسائل مكافحته في بلداننا العربية لم ترق بعد إلى مستوى التهديد، الذي يمثله على شتى الأصعدة البيئية والاقتصادية والاجتماعية والحضارية والسياسية والأمنية. لذا بات من الضروري إعطاءها مكان الصدارة في خطط التنمية. وتتطلب مكافحة التصحر وضع خطط واضحة المعالم تتضمن أهدافاً مباشرة تتمثل في وقف تقدم التصحر واستصلاح الأراضي المتصحرة واخرى تشمل إحياء خصوبة التربة وصيانتها في المناطق المعرضة للتصحر. ويتطلب الأمر تقويم ومراجعة الخطط بصورة مستمرة لتلافي ما هو غير صالح ونظرة بعيدة المدى وإدارة رشيدة لموارد البيئة الطبيعية على جميع المستويات وتعاون عربي وإقليمي ودولي فعال. مع الأخذ في الاعتبار عدم وجود حلول سريعة لهذه المشكلة. ويمكن ان تختلف وسائل مكافحة التصحر من قطر عربي إلى آخر باختلاف مسببات وسرعة التصحر والرؤية لهذه المشكلة ولكن هناك أوجه شبه فيما بينها يمكن إدراجها بصورة عامة تحت عن طريق المسح البيئي الهادف لتقدير الطاقة الحيوية للأرض الذي يعد المقدمة الضرورية لأي خطط تستهدف مكافحة التصحر إذ ان غياب قاعدة للمعلومات البيئية يضاعف من صعوبة التنبؤ بالأوضاع البيئية. ولإنجاز هذه المهمة يتطلب اعتماد العلم والتقنية في مراقبة التصحر وتطوير محطات الأرصاد الجوية وزيادة عددها ورفع مستوى التنسيق وتبادل المعلومات فيما بينها على الصعيد العربي والدولي لرصد التقلبات الجوية، وترشيد الزراعة البعلية (المعتمدة على الأمطار) بالحد من توسع هذا النوع من الزراعة تجاه الأراضي الأقل ملائمة من ناحية كمية الأمطار الساقطة. إذ ان هذا التوسع يؤدي إلى تدهور التربة والنظام البيئي، وترشيد الرعي عبر تحديد طاقة المراعي على إعالة إعداد معينة من الحيوانات لتلافي تعريضها للتلف والتدمير، وترشيد استخدام المياه من خلال اتباع وسائل ري وصرف اكثر فعالية مثل الري بالتنقيط والرش وتقنين المياه المستخدمة حتى لايؤدي الإفراط في استخدامها إلى تملح التربة، واستخدام وسائل اكثر فعالية لوقف تعرية التربة ومنع العوامل التي تسرع فيها وتثبيت الرمال المتحركة للوصول إلى استزراعها لتحويلها إلى عنصر منتج، ونشر وتعميق الوعي البيئي على مستوى الحكومات والشعوب.