بلاغوفششينسك، وخاباروفسك، وفلاديفوستك «روسيا» - بيرتيل لينتر:
تحمل صحف الإثارة الروسية عناوين مثل «الصينيون قادمون»، «إنهم يغزون المناطق الشرقية من روسيا». ولعل هذا هو الواقع الذي تعبر عنه هذه العناوين المثيرة في الصحف الروسية، التي تتحدث عن زحف أعداد كبيرة من الصينيين على سيبيريا وشرق روسيا، جعلت المناطق الشرقية من البلاد يغلب عليها اللون الأصفر.
ولكن في مدن مثل فلاديفوستك وخاباروفسك وبلاغوفششينسك لا يوجد الصينيون بصورة لافتة للنظر. إنهم نادراً ما يظهرون خارج فنادقهم ومطاعمهم، أو في الكازينوهات والأسواق الصينية التي تنتشر بكثرة في تلك المدن. كما أن التجار الصينيين في الوقت الراهن يسيطرون على النشاط التجاري هناك. وأصبحت المناطق الشرقية من روسيا منفصلة اقتصادياً عن روسيا الأوربية.
قبل تفكك الاتحاد السوفياتي في عام 1991م كانت المناطق الشرقية تمد القسم الأوربي من روسيا والجمهوريات الغربية الأخرى بالأسماك والمنتجات البحرية التي يتم صيدها من بحر أوخوتسك. بالإضافة إلى أن المنطقة كانت موطناً للصناعات الثقيلة مثل إنتاج الصلب وصناعة الطائرات والسفن، وكانت السلع الأجنبية المعروضة للبيع قليلة.
أما اليوم فإن السلع الاستهلاكية المنتجة في الصين، والتي تتميز بأنها أرخص وأجود من السلع المنتجة في الجانب الأوربي من روسيا تغمر أسواق المنطقة، بينما تتجه منتجاتها من أخشاب ومواد خام إلى الصين. وقد فككت مصانع بكاملها وبيعت في شكل حديد خردة للصين. كما أخذت المنتجات البحرية تتجه نحو كوريا واليابان.
وقد يقود هذا الواقع إلى تغييرات ديمغرافية على المدى البعيد، حيث يقصد المنطقة عشرات الآلاف من التجار والعمال الموسميين الصينيين الذين يعبرون الحدود جيئة وذهابا، والذين قد يستقرون في المنطقة في يوم ما.
ويعيش في مقاطعة روسيا الشرقية التي تبلغ مساحتها 6,215,900 كيلومتر مربع حوالي (7) ملايين شخص فقط، وقد كان عدد سكان المنطقة في عام 1991 (9) ملايين. وينخفض عدد السكان بسرعة بعد إغلاق المصانع وسحب المرافق العسكرية.
وعلى الجانب الآخر من الحدود في مقاطعات هيلونجيانغ وجيلين ولياونينغ في شمال شرق الصين يعيش 100 مليون شخص، ومعدلات البطالة كبيرة حتى لو قسناها بالمعايير الصينية. ويعني ذلك حسب ما قال أحد المحللين الغربيين «إذا استمر الروس في النزوح عن المنطقة، فإن الصينيين مستعدون لملء الفراغ السكاني الذي سيحدث فيها». وسيؤدي ذلك إلى مزيد من التغيير الديمغرافي.
وتقول الإحصاءات الرسمية أن 40,000 صيني يقيمون بصورة دائمة في شرق روسيا في المنطقة الممتدة من حوض نهر لينا إلى بحر بيرينغ، ولكن العدد الحقيقي قد يكون أعلى من ذلك بكثير. ويتركز الوجود الصيني بصورة أكبر في المدن الرئيسة الثلاث بالمنطقة، كما أن سيطرتهم الاقتصادية أكثر وضوحا في مدينة بلاغوفيششينسك، التي يعتبر اقتصادها أقل تطورا وتنوعا من مدينتي خاباروفسك وفلاديفوستك. بالإضافة إلى أن بلاغوفششينسك تقع على ضفاف نهر أمور قبالة مدينة هيهي الصينية التي تقع على الضفة الأخرى للنهر. وتعج المدينة بالتجار الصينيين الذين يجلبون السلع الصينية في القوارب التي تعبر النهر بين المدينتين كل نصف ساعة. ويوجد أيضا بعض التجار الروس، إلا أنهم بدورهم يبيعون السلع الصينية أيضا.
ولا يقتصر الأمر على السلع الاستهلاكية، حيث تسيطر شركة هوا فو الصينية أيضا على قطاع البناء في مدينة بلاغوفششينسك، وقد بدأت للتو العمل في بناء ما سيكون أعلى مبنى في شرق روسيا. ولا يقتصر احتفاء الصينيين في شرق روسيا بالسنة الصينية الجديدة على جعل المناسبة عطلة رسمية فحسب، بل هي مناسبة تقام فيها الاحتفالات على الطريقة الصينية، ويحضرها كل من عمدة المدينة وحاكم المنطقة في الاحتفالات كضيوف شرف.
قد لا يزيد عدد الصينيين الذين يعيشون في شرق روسيا على 40,000 أو 50,000 ومع ذلك فهم اليوم أكثر عددا مما كانوا عليه في عام 1991. كما أنه مع استمرار نزوح الروس من المنطقة، فقد يتحرك الصينيون كما يقول أحد الباحثين «نحو سيبيريا الخالية من السكان ما يؤدي إلى فصلها وضمها إلى الصين».
وقد لا يكون الوضع مختلفا عما تصوره صحف الإثارة، ولكن التوسع الصيني في المنطقة أصبح إحدى حقائق الحياة في شرق روسيا، وليس للروس حيلة في تغيير هذا الواقع.
(لوس انجلوس تايمز)