مظفر النواب شاعر متمكن.. ليس في هذا شك.. عباراته عميقة وذات مدلول يأتي من أوساط المجتمع وهو ذو انتماءات عائلية عريقة وذات مساس بموروث طائفي له مكانته.. وفوق كل هذا تأتي كلماته من بلد نفطي، من بلد مرموق المكانة في مخزونه الاقتصادي ومتدني المكانة في أوضاعه الاجتماعية بسبب مرحلة صدام ومن قبله ثم من أتى بعده..
التقيت به قبل عشر سنوات في لندن فوجدته شخصياً يختلف تماماً عما هو عليه عراقياً.. بذاءة بعض العبارات في شعره تتضاد تماماً مع تلك الوداعة والذوق والهدوء واحترام الآخرين.. ليس مغروراً ولا طائشاً.. مع ذلك فعندما في شعره يريد أن يشكو من ضائقة وطنية لا يجد إلا النفط مبرراً لوجودها عندما يتحدث عن إهمال وتنصل من مسؤوليات اجتماعية فالمتهم هو النفط العربي.. أي الخليجي وليس العراقي.. ولأن شخصيته أكثر نضجاً واتزاناً من نزار قباني فإنني أستغرب هذا المنحى عنده.. نزار يهاجم أهل النفط رغم ترف حياته لأنه يتذاكى في الوطنية أمام سذاجة الشارع العربي الذي دفعته الشعارات والعبارات إلى هاويات سحيقة كانت كلمات نزار بعض محرضاتها..
هل النفط عقوبة؟.. بتحديد أدق هل النفط الخليجي الذي أشاد ثقافات ومجتمعات حضارية مدان، أم النفط غير الخليجي الذي أشاد أصناماً بذيئة ومد تصحرات اقتصادية مهينة؟..
لماذا العض في العضد الخليجي مزية ثقافية؟..
هل لو كتب عبدالرحمن منيف «مدن النفط الزاهرة» كان سيحقق شهرة عربية واسعة مثلما حدث له عندما كتب «مدن الملح» متجاوزاً رؤية الأسباخ التي أحاطت به في كل الدول التي هاجر إليها وما لقيه من تجاهل في العراق؟..
قرأت كتاباً عن ذاكرة القرن العشرين يتناول أهم أحداث القرن التاريخية بأسلوب جيد واستقصاء شبه شامل لكنه لم يتحدث أبداً عن أي مؤشر خليجي بقدر ما أعطى آخرين أهميات مفتعلة حتى وهو يتعرض للوفيات المؤثرة مروراً بوفاة الرئيس جمال عبدالناصر والملك الحسن الثاني والملك حسين - رحمهم الله - ولا أتصور أن في وفاتهم ارتباطاً بمؤثرات اجتماعية.. ربما نستثني عبدالناصر باعتباره مؤسساً لنظام جديد وطرفاً فاعلاً في الخلاف مع إسرائيل لكن ليس بالدرجة التي يجوز فيها تجاهل وفاة الملك عبدالعزيز وهو مؤسس دولة هامة وموحد قبائل استعصت طاعتها على الأمويين والعباسيين والعثمانيين.. أو تجاهل وفاة الملك فيصل الذي مات اغتيالاً بصورة بشعة وهو مؤثر فعال إيجابي أيضاً في العلاقة مع إسرائيل..
أخيراً خليجي نفطي كأنما عز عليه أن يكون التحامل على المملكة من غير منطقة الخليج.. أعني رئيس تحرير جريدة الوطن الكويتية السابق الذي هو الآن مذيع في قناة الحرة الأستاذ محمد عبدالقادر الجاسم الذي استضاف الدكتور العنقاوي وكان يحاوره بتحريض على خلق شقاق اجتماعي سعودي حيث أسألته تدور حول «التدخل الوهابي في حياتكم»، «أثر الانغلاق الوهابي ثقافياً واجتماعياً»، «انفراد التطرف الوهابي بالساحة الاجتماعية».. هذا الرجل يجهل دون شك أن صفة «وهابي» اخترعها العثمانيون لأن المصلح الداعية ألغى معالم بارزة من ممارساتهم التي تتناقض مع تجريد الإسلام ووصله للإنسان مباشرة مع ربه.. وأذكر منذ سنوات بعيدة حين عُقد في البحرين أول اجتماع لرؤساء تحرير الصحف الخليجية أن الرجل في جريدته عند تغطيته الاجتماع لم ينشر أي صورة لأي رئيس تحرير سعودي وكأننا لم نحضر.. وحين عقد الاجتماع الثاني في الرياض حاولت أن أكسبه وأن أوضح له عملياً أننا لسنا تجار عداوات فأعطيته ميزة أن يلقي كلمة رؤساء التحرير ليفاجئني بخطبة ثورية تستعيد شعارات «أمجاد ياعرب أمجاد» وقتها شكرت للوزير الصديق فؤاد الفارسي طاقة تحمله لما سمع..
لماذا هذا التطوع الطوعي في ترويج الكراهية؟..
وماذا فعلنا في خلق توعية اجتماعية لها حصانة الصمود ضد هذه البذاءات ولها قدرة الائتلاف الاجتماعي العام مهما اختلفت وجهات النظر والاجتهادات بيننا؟..