يبدو المشهد الفلسطيني الحالي مؤلماً ومقلقاً. فالاقتتال الفلسطيني - الفلسطيني في فلسطين أمر خطير للغاية ويبدو أن الأمور ذاهبة في اتجاه مزيد من التصعيد والتعقيد والفوضى والفلتان هما مجدداً عنوان الحياة السياسية الفلسطينية . والسلاح الذي يتم شراؤه وتهريبه إلى المناطق الفلسطينية لمقاتلة اسرائيل ينحرف عن هدفه النبيل ليصبح أداة في التقاتل الداخلي وفي تصفية الحسابات وبالتالي لا يخدم القضية الفلسطينية بل يقدّم المتقاتلون بطريقة أو بأخرى مكاسب لاسرائيل. وصورة الشعب الفلسطيني المثقف المتعلم رغم كل ظروف الحصار والعدوان والاحتلال والارهاب والقتل والتجويع والتعطيش، والمناضل والمكافح والصابر والصامد والمقاوم والمنتفض في وجه كل ذلك هي اليوم صورة مختلفة . إنها صورة الشعب الذي لا يريد «الدولة» ولا يعرف كيف يبني «دولة»، والذي لا قيمة «للمؤسسات» عنده، ولا احترام للقوانين والدساتير هذا ما يحاول كثيرون في الداخل والخارج تكريسه وهو في الحقيقة مناف لجذور وتاريخ هذا الشعب لكن الواقع الحالي الذي يعيشه يعطي صورة من هذا النوع وللأسف . لا حماس بمثل هذه السياسة وبغض النظر عن نسبة مسؤوليتها عما يجري ولا فتح ولا غيرهما من الفصائل ومن القوى يمكنها الاستمرار على هذا المنوال . فالاسرائيليون يعتبرون اليوم أن لا شريك لهم . وهذا ما توقعناه منذ نجاح حماس ثم مع انتخاب اولمرت . وهذه معزوفة معروفة يكررها الاسرائيليون دائماً لكنهم يخلقون ذرائع أو يستفيدون من أخطاء غيرهم ويستخدمونها كذرائع لتكريس هذا الواقع وبالتالي للتهرب والتنصل من كل الاتفاقات ولاتخاذ اجراءات أحادية الجانب واستكمال مشروعهم الارهابي ضد الفلسطينيين . . ولذلك سمعنا رئيس الحكومة الجديدة يتحدث عن غياب الشريك الفلسطيني ويصر على خطة الفصل وعلى بناء جدار الفصل العنصري وترسيم حدود اسرائيل . وفي الوقت ذاته يمنع إدخال المساعدات والمال إلى الفلسطينيين.
وفي جانب آخر، مشكلة بين حركة حماس والحكومة الاردنية بسبب اتهام الحكومة للحركة بأنها تهرب سلاحاً من سوريا إلى الأردن . وهذا الاتهام أخذ ابعاداً كبيرة وهو موضع نقاش جدي في عدد من العواصم العربية إثر الزيارات والاتصالات التي قام بها المسؤولون الأردنيون اليها وهذا ليس في مصلحة حماس والشعب الفلسطيني ولا في مصلحة العلاقات العربية - الفلسطينية. وقد امتد النقاش حول هذا الموضوع ليصل إلى ايران التي تساعد حركة حماس قبل ان تستلم الحكومة الفلسطينية، وتساعدها كحكومة اليوم بعد الحصار الذي فرض عليها وهو غير مبرر !! لكن الخشية العربية من التمدد الايراني في المنطقة ولو تحت عنوان الوقوف إلى جانب المقاومة، والذي ترصد آثاره في عدد من الدول العربية من خلال الدخول على النسيج الاجتماعي والمذهبي لتكوين هذه الدولة أو تلك والتعامل مع قوى مختلفة، هذه الخشية بدراسة احتمالاتها ونتائجها تترك أثراً سلبياً أيضاً على الحكومة الفلسطينية الجديدة دون أن يعني ذلك تسليماً من قبل معظم العواصم العربية بالموقف الأميركي - الأوروبي الرافض تقديم مساعدات للشعب الفلسطيني وإفساح المجال أمام حكومة حماس لممارسة دورها . بالعكس الموقف هنا واضح . اتركوا حماس تتحمل المسؤولية . لكن ذلك لا يمنع إبقاء العين شاخصة على ايران ودورها وحساباتها.
وعلى المستوى المصري، فقد بذلت القيادة المصرية جهوداً كبيرة لوأد الفتنة بين «حماس» و«فتح» بعد انتصار حماس في الانتخابات . ورعت القاهرة الحوار بين مختلف الأطراف الفلسطينية قبل الانتصار . يبدو اليوم أن ثمة من يشير إلى تورط بعض الفلسطينيين في الأعمال الارهابية في منطقة «دهب» المصرية حسب ما نشر من معلومات وما يتم تداوله في الكواليس السياسية الضيقة . وهذا أمر لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني أيضاً لأن مصر دولة كبرى وجارة لفلسطين وقادرة على لعب دور اساسي، الفلسطينيون بحاجة اليه. وبالتالي ينبغي معالجة هذا الموضوع وفتح قنوات التفاهم مع القيادة المصرية والتفاعل معها لتتمكن من لعب دورها الايجابي وتحريك مصر، كل مصر، إلى جانب الشعب الفلسطيني وفي كل المحافل على قاعدة تأكيد أمن واستقرار وسيادة الشعب المصري على أرضه.
وفي موقع آخر، تستمر بعض الفصائل الفلسطينية في لبنان في افتعال المشاكل وممارسة الاعتداءات تارة على الجيش اللبناني كما حصل للمرة الثانية في منطقة البقاع مما أدى إلى سقوط شهيد جديد للجيش بعد أن سقط مساح طوبوغرافي متعاقد مع الجيش في الاعتداء الأول . ومرة على المواطنين كما حصل في بلدة الناعمة الساحلية حيث تقع على تلالها المواقع والأنفاق الفلسطينية التابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين القيادة العامة وأدى ذلك إلى سقوط جريحين والى خلق بلبلة بين الناس ومشاكل . وتعيد ممارسات الجبهة الشعبية - القيادة العامة، وحركة فتح الانتفاضة، وهما منظمتان يقيم المسؤولون المركزيون عنهما «أحمد جبريل» «وابو موسى» في دمشق، إلى الأذهان الممارسات الفلسطينية على الساحة اللبنانية قبل الحرب والتي كانت سبباً من اسباب اندلاع هذه الحرب . علماً أن اللبنانيين اتفقوا على طاولة الحوار وبالإجماع على ضرورة سحب السلاح الفلسطيني الموجود خارج المخيمات وخلال مدة 6 اشهر . وإذا كان ثمة في الماضي من يعتبر أن المقاومة الفلسطينية من أي جبهة ضرورية لاستعادة الأرض فإن الظروف كلها قد تغيرت بعد أن دفع لبنان وحيداً الثمن الأكبر للصراع العربي - الاسرائيلي وفي سياق دفاعه عن القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني وحقوقه . وأثبتت تجربة المقاومة اللبنانية على أرضها أنها التجربة الأفضل وقامت انتفاضتان في فلسطين والمواجهات لا تزال مستمرة وقد أدى ذلك إلى تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي، والى صمود الفلسطينيين على أرضهم ومنع اسرائيل من تحقيق أهدافها، الأمر الذي يكرس القناعة بأن لا مبرر لبقاء السلاح الفلسطيني خارج المخيمات في لبنان وبأن ضبط السلاح وتنظيمه داخل المخيمات لا بد من الشروع به لأن الوضع الحالي يعطي صورة سلبية أخرى عن الشعب الفلسطيني لأن بعض الفصائل والقوى وفي ظل الإدارة السورية للوضع في لبنان على مدى ثلاثة عقود من الزمن، حولت المخيمات إلى بؤر لتجميع الارهابيين والخارجين على القانون وهذا ألحق ضرراً كبيراً بالقضية الفلسطينية وبالشعب المناضل الذي يعيش أوضاعاً مأساوية من واجب الدولة اللبنانية أن تلتفت اليها وتعالجها وهذا ما بادرت اليه الحكومة الحالية للمرة الأولى في تاريخ الوجود الفلسطيني والمخيمات في لبنان . فالفلسطينيون ليسوا كلهم على شاكلة الذين يتصرفون تصرفات خاطئة لا داخل المخيمات ولا خارجها . لكن الصورة العامة عن الوضع الفلسطيني ليست ايجابية للأسف بعد هذه الممارسات . وإذا كان ثمة من يستقوي بالإرادة السورية اليوم بعد أن كان يستقوي بالإدارة السورية في المرحلة السابقة، وإذا كان ثمة من يريد تخريب الحوار ونتائجه، ومن يريد استخدام كل الوسائل لإبقاء الفلتان قائماً ووضع العراقيل أمام الحكومة فهو لن ينجح. اللبنانيون لن يستدرجوا إلى مواجهة . والكل مصر على تجنب هذا الأمر مهما بلغت الاستفزازات حدة وإحراجاً. ولكن الوضع لا يمكن ان يستمر هكذا لمصلحة الشعب الفلسطيني . فإذا كان هؤلاء الفلسطينيون يريدون مصلحة فلسطين فليتعاونوا مع الحكومة والجيش وقرارات الحوار التي اتخذت بالإجماع وإلا سينقلب الإجماع ضدهم بالكامل وضد سوريا إذا استمرت في تحريضهم وحماية ممارساتهم . وأي فريق في لبنان يخرج عن الإجماع في هذا المجال تسقط مصداقيته ويخرج نفسه من الدائرة المحتضنة له على طاولة الحوار . هذه حقيقة . لم يفرض أحد شيئاً على أحد. من وافق على قرارات الحوار وافق بملء إرادته وقناعاته فعليه أن يذهب إلى تنفيذها دون توفير اي نوع من الحماية لأي من الأطراف الفلسطينية المخالفة وهذا في مصلحة لبنان وفلسطين وشعبيهما .
باختصار. المشهد الفلسطيني المؤلم والمقلق اليوم يحتاج إلى قيادة واعية وحكيمة وعاقلة إلى مواقف شجاعة إذا كان العنوان مصلحة الفلسطينيين. أما إذا كان العنوان الفلتان للفلتان والسلاح للسلاح ولخدمة أغراض أخرى لتنفيس الأحقاد ولأن ثمة من اعتاد على تربية معينة فليقلع هؤلاء عن استغلال القضية والشعب الفلسطيني والمتاجرة بهما..
1
ليس من رد
ولكن هناك حقيقة ان الحاكم العادل والتفاهم والوفاق بين الفلسطينيين "وربما بين اللبنانيين ايضا"حاجة ملحة،وما يجري في فلسطين مقلق للغاية اذا لم يكن خطرا للغاية،وثمة مستفيد واحد مما يجري هو اسرائيل،ترى هل تدرك حماس ذلك ؟،طيب !! ما الجدوى من الانقسام الفلسطيني كيف يعقل ان يحدث ذلك ؟؟،الا يجب ان يلتقي الجميع في فلسطين على مبدا واحد، ان ما يجري في فلسطين المحتلة يدفع المرء الى القول ان النصر وتحقيق المراد "مراد حماس وفتح "امر محال.
حرام ما يحصل، وحرام ان تذهب دماء الشهداء في فلسطين هباء فالشهداء في فلسطين، شهداء قضية محقة غالية شريفة نبيلة...
محمد الحسن - زائر
12:23 مساءً 2006/05/29