الرئيسية > مقالات اليوم

الاستقلال والتعاون العربي


منح الصلح

لم يجتمع اللبنانون بطوائفهم ومشاربهم الفكرية الاعلى مبادئ الاستقلال والتعاون العربي والديموقراطية، وهي قواعد نهائية لحياتهم العامة. اما ما يسمى اليوم بالنظام الأمني العربي، الذي يكثر فيه الاعتماد على الأجهزة الأمنية، فقد كان ولا يزال مرفوضاً من غالبية المواطنين الساحقة.

ولأن الرئيس فؤاد شهاب كان متأثراً بنظام حليفه الكبير الرئيس جمال عبدالناصر، فقد عمل على توسيع سلطة الأمن والمخابرات على حساب المفهوم الليبرالي للحكم. وقد واجهته لذلك حملات شديدة منعته من التجديد لعهده وكان أفتك سلاح في وجهه .. تلك التي شُنت عليه في الصحف اثر استشهاد المناضل الفلسطيني جلال كعوش بفعل التعذيب أثناء التحقيق معه.

الى ذلك اليوم وتلك الحادثة تعود ذاكرة اللبناني الآن وهم يواجهون شبح عودة النظام الأمني المعتمد على المخابرات الى لبنان بعد أن قاومته الحركة الشعبية اللبنانية والأحزاب والصحف في واحدة من أروع صفحات الديموقراطية. لقد كان التشخيص الفكري لمحاولة المخابرات الشهابية قمع المعارضة للتجديد بالقوة للرئيس العسكري، انها عملية استيراد لنظام مخابراتي إلى لبنان تحت وهج شعبية الرئيس عبدالناصر وامتداداتها ومن هنا كان وصف المحاولة المخابراتية آنذاك التي سقط جلال كعوش فيها قتيلا بالانعزالية الجديدة في لبنان أي تلك المحاولة لتشويه صورة الحركة الشعبية اللبنانية وصمود المخيمات الفلسطينية بقوة الوهج الشعبي لتيار الرئيس عبدالناصر المستغل من الجهاز الأمني اللبناني آنذاك.

ولكن الرأي العام اللبناني والفكر اللبناني والديمقراطية اللبنانية، كانت أقوى من أن تنهزم في هذه المعركة أو أن تتراجع فظهرت الديموقراطية أقوى مما كان يحاك لها وخرجت اللبنانية والعروبة والفلسطينية الصادقة منتصرة جميعاً بقوة الديموقراطية اللبنانية والفكر اللبناني - العربي الأمين للثوابت.

أما وصف الشهابية بالانعزالية فقد قام على أن ما كان يسمى في الماضي أو في عهد الانتداب الفرنسي بالانعزالية أي الدعوة إلى الابتعاد عن العروبة عبر تحريك غرائز الخوف المسيحي من الكثرة العددية الإسلامية، كان على علاقة أسهل من الانعزالية الجديدة التي جاءت إلى الحكم مع القائد العسكري فؤاد شهاب وأجهزته حيث عمدت هذه الى تبني النظام الأمني المخابراتي السائد في بعض الأنظمة العربية، نظاماً في لبنان. أي أنها تحالف عروبة الأجهزة الأمنية بصورة خاصة بدلاً من عروبة العفوية الشعبية،فينشغل لبنان الفكري والسياسي والثقافي، وللمرة الأولى بمثل هذا الدأب في استحضار الأحداث والوقائع التي سبقت حادثة اغتيال الرئيس الحريري وباسل فليحان فكانت بذلك مقدمة له وما مضى أسبوع أو يوم إلا استعيد اسم جديد الى أسماء كبداية لمسلسل متشابه من ضحايا الريح المسمومة نفسها.فبعد أن كان الظن أن المسلسل بدأ بمحاولة اغتيال مروان حمادة، إذا بالبعض يقدم أسماء أخرى كجورج حاوي وسمير قصير وجبران تويني ومحاولة اغتيال الياس المر والإعلامية مي شدياق، بل رجوعاً إلى اسم سليم اللوزي ونسيب المتني وكامل مروة ورياض طه وصولاً في الاستعادة للماضي إلى رجل الاستقلال رياض الصلح.

فالاغتيالات كما ثبت شجرة كاملة من الأسماء، احدى القراءات لها أن المسلسل بدأ في عهد الرئيس فؤاد شهاب وبحادثة هي مقتل كعوش، ف 14 آذار ليست مقطوعة بضحايا عما قبلها. فلبنان كثيراً ما كان في نظر القريب والبعيد أرضاً مستباحة رغم أن الاستشهاد الأهم في تاريخه هو مصرع رياض الصلح في عهد الاستقلال الأول وأخيراً لا آخراً رفيق الحريري.

إن مراجعة لمسلسل القتل على كونها يجب أن تبقى في الأذهان، لا يجوز أن تدخل كعنصر تأجيج يحول دون قراءة موضوعية باردة لحالة التوتر القائمة بين دمشق وبيروت.

ويتراشق السوريون واللبنانيون حاليا وعلى التحديد أهل الحكم في البلدين بصورة الآخر البشع. يبتدعها بحماسة هواة ومحترفون مشدودون بهوس متصاعد إلى اعادة تظهير مستمرة لصورة الخصم الكامل مستحق الكراهية في إنسان الضفة المقابلة فأنت سوري جيد بقدر ما أنت ترى اللبناني سيئاً وبالعكس أنت هنا لبناني جيد بقدر ما ترى السوري سيئاً.

غلو متصاعد على الضفتين لم تفعل الأيام إلا أن تزيده كثافة كالحة حتى ليكاد من هو خارج هذا الغلو يتهم نفسه بنقص الولاء لهويته بالمعنيين ذاتاً وإنسانية، وبطاقة انتساب لدولة ووطن.لحسن الحظ عجزت هذه الحلقة الثنائية المصدر أن تؤذي بشكل كامل مشاعر العلاقة الطبيعية الأخوية بين البلدين والدولتين وخصوصاً بين الشعبين ورحم الله من قال:

اذا احتدمت يوماً فسالت دماؤها

تذكرتع القربي فسالت دموعها

إن كثرةً من هنا وهناك تقف في موقف العجز عن تبرئة أي جهة ضالعة في مثل هذه الحلقة المصنوعة صنعاً لخدمة مصالح من المؤكد أنها خاصة لا تتفق مع مصالح الشعبين والوطنيين والدولتين ولا روابط العروبة الجامعة بينهما ..والفضل للعروبة المسؤولة عند بعض الحكام العرب وخاصة الملك عبدالله بن عبدالعزيز والرئيس حسني مبارك التي جعلتهما يتصرفان منذ انفجار الخلاف بين لبنان وسوريا من منطلق مصلحة العروبة العليا المفترض أن تكون الراعية الأمنية لمصالح الجميع وما حكم العروبة في مثل هذه الحالات إلا شبيهاً بالضرورة بسلوك تلك الأم في قصيدة الشاعر الفرنسي القديم سوللي برودوم، التي احتكم اليها أبناؤها الستة في خلاف وقع بينهم فقبلت الأم المهمة وأقدمت كما تقول القصيدة على قسمة قلبها بينهم، فإذا حصة كل ابن قلب كامل.

وقد سبق المأثور الأدبي العربي الأدب الفرنسي بوضوح ودقة أكثر عندما سئلت اعرابية أي الأبناء أحب إليك، فقالت: «الغائب حتى يعود والمريض حتى يشفي والصغير حتى يكبر».

لكأنه من هذا المنطلق كان موقف المراجع العربية منذ زمن مساعدة لبنان الغائب حتى يعود من غير أن تقتر بالعاطفة والعون على شقيقته سوريا ذات الحصة أيضاً في قلوب المراجع العربية السمحة.

المهم أن دنيا العروبة كانت دائماً بحاجة إلى القلوب والعقول الكبيرة لتنصف وتهدي بالسياسة إلى سواء السبيل ولعل رئيس الحكومة اللبنانية الحالي فؤاد السنيورة كان ومازال في طليعة الحكام الذين تولوا الحكم في لبنان تمسكاً بالعروبة كمرجعية يحتاجها لبنان وغيره للاستقواء بها على مشكلاته الداخلية والخارجية.

لقد كان هناك يوم في مسيرة الأمة العربية كثر فيه الحديث عن اليمين واليسار كمقياس معتمد ولاسيما في بعض المجتمعات الأسبق إلى التنظير حتى المغالاة في خياراتها السياسية كالأمة الفرنسية، حيث نادراً ما كان يتوقف جدل اليمين واليسار في صبح أو مساء عند محروم أو متخوم. وظل ذلك مستأثراً بالألسنة والأقلام في فرنسا عند الكبير والصغير الى ان جاء قائد فرنسا الملهم الجنرال ديغول وكأنه مرسل من العناية الإلهية لينقذ فرنسا من جدليات النظرة الأحادية الضيقة.

فقد فاجأه مرة أحد الصحافيين الكارهين لإجماع الأمة الفرنسية على قائد واحد بالسؤال: سيدي الجنرال هل أنت من اليمين أو من اليسار؟ فما كان من الجنرال ديغول إلا أن اجاب لا لست من اليمين ولا من اليسار أنا من فوق!

كان (لهذا) الكلام الآتي في وقته من قائد غير اعتيادي نجح فعلاً في أن يضع نفسه فوق تقسيمات فرنسا المعتادة لصفوفها، فعل السحر في سامعيه إذ كشف جانب الغلو المفرط والشذوذ في نغمة اليمين واليسار الطاغية في كل مكان وكل حين على لغة السياسة الجامعة لفرنسا محدثاً في نفوس الناس صدمة إيجابية خففت على الأقل ان لم تطرد من التداول تماماً معزوفة اليسار واليمين محتكرة السوق السياسي والصحفي في فرنسا عشرات السنين.

فبدئاً من تلك العبارة الديغولية التي انتقدها البعض في زمانها تراجع في شكل ملحوظ حديث اليسار واليمين لكل المنتديات والصحف والكتب بدون استئذان. حتى أصبح المراقبون يأخذون القفشة الديغولية وأثرها في الناس دليلاً قاطعاً على مصداقية قائلها من جهة، وتشوق الناس العاديين إلى الخلاص من أنشودة اليسار واليمين محتكرة الصحافة والسياسة عشرات السنين وكأنه لا بُعد في العالم ولا عمق إلا في ترداد هاتين الكلمتين.

لم يبلغ التطور الأيديولوجي في لبنان الحد الذي يدعو الى التبشير بالديغولية كوسيلة وحيدة لتقارب اللبنانيين الى نقطة جامعة.ولكن الذهاب في التطرف الى حد اعتبار سوريا نموذجاً فريداً للنظام الأمني، بات يشكل إضراراً لا بسوريا فقط بل لبنان ايضاً، ومن شأنه أن يؤدي بلبنان الى حالة من العزلة تشبه تلك التي يعاني منها السوريون اليوم وكثيرا ما كانا متراشقين في سجال، متضررين كليهما من استمراره.

إن اللبناني المندفع في شجاره مع السوري مهدد بأن يصبح شبيهاً له في نظرته الأمنية الضيقة. فقد بتنا كلبنانيين خائفين على أن نخسر الكثير من مزايا الحياة السياسية التي أحببناها لأنفسنا، نتيجة للتجييش العاطفي العصبوي المتصاعد في لبنان الذي هو الأب والأم لكل نظام أمني - مخابراتي.

وقديماً قيل: «ما أشدكم في خصومة فلان حتى لكأنكم إياه بارادة أو غير إرادة».

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة