أول من أفقدني ثقتي بالتاريخ هم المؤرخون أنفسهم. وقد حصل ذلك منذ وقت مبكر. فعندما كنت طالباً بالجامعة، ضمني يوماً مجلس روى فيه المؤرخ اللبناني الكبير الراحل الدكتور أسد رستم بعض معاناته مع التاريخ. قال ان أحد رؤساء الجمهورية اللبنانية إبان الانتداب الفرنسي على لبنان استدعاه يوماً وقال له بالحرف الواحد «كما كتبت لصبحي بركات (رئيس دولة حلب السورية وقتها) دراسة أثبتّ فيها عروبة لواء الاسكندرون، أريد منك أن تكتب دراسة عن تاريخ لبنان تثبت فيها لا عروبته».
قال أسد رستم إنه فوجئ بالطلب ووقع في حيرة.. ذلك أنه مؤرخ جدي أولاً، ثم إنه لم يكن مارونياً منغلقاً، مستعداً لأن يكتب روايات غير تاريخية، وإنما هو أرثوذكسي عروبي أو منفتح على العروبة. إلا أنه لم يجرؤ على رفض طلب رئيس الجمهورية فتعاون لاحقاً مع ماروني كامل المارونية ومنفتح كل الانفتاح على فرنسا ومستعد لأن يكتب، وبحماسة، مثل هذه الدراسة التاريخية عن لا عروبة لبنان، هو فؤاد أفرام البستاني.
وعندما وصل حديث أسد رستم إلى هذه النقطة، قال له أحد الحاضرين: ولكن هذه الدراسة التي اشتركت فيها مع فؤاد البستاني كانت من أردأ ما كُتب في باب الدراسات التاريخية، وهي في الواقع عين ما طلبه منك رئيس الجمهورية.
عندها أُحرج أسد رستم فقال حرفياً: وما حيلتي إذا كنت أكتب الفصل تلو الفصل فيأخذه مني فؤاد ويتصرف به ثم يرسله بعد ذلك إلى المطبعة.
أما المرة الثانية التي فقدت فيها كل ثقة بالتاريخ كعلم، فكانت عندما التقيت قبل فترة بمؤرخ لبناني كبير حدثني عن تجربته في كتابة التاريخ. وقد فهمت مما قاله ان التاريخ هو محض استنتاجات. فالمؤرخ يجد أمامه مادة واسعة يتأملها ويسائلها ثم يستنتج ما يستنتج منها. وقد يستنتج مؤرخ آخر من هذه المادة نفسها من الأخبار والوقائع والوثائق غير ما استنتجه المؤرخ الأول أو عكسه.. وعندما كان هذا المؤرخ يستفيض في سرد طريقته أو منهجه في كتابة التاريخ، كنت أُهيل التراب على صديق قديم لي طالما لجأت إليه في الملمات، اسمه التاريخ.
والواقع أن كثيرين، ومنذ زمن بعيد شكّوا بالتاريخ كله، وألحقوه بباب الثقافة العامة، أو بأبواب أخرى، أو رشّحوه لزعامة باب جديد يكون حلقة وسطى بين الأخبار غير الموثوقة وبين الحقيقة المطلقة الصعبة المنال.
قال هؤلاء ان الدعوى بأن التاريخ يكشف ماضي الإنسان، حتى منذ الفترة المحددة القريبة إلى اليوم، ليست دعوى عريضة فقط، ولكنها أيضاً دعوى نظرية. فالتاريخ الذي يحيط بالماضي الإنساني كله، بكل نواحيه وتفاصيله، هو تاريخ نظري لم يُكتب قط، ونكاد نؤمن أنه في الأحوال الحاضرة للفكر وللقوى العلمية على الأقل، لن يُكتب قط.
فالمعرفة في التاريخ ليست أولاً معرفة مباشرة. وأي مؤرخ يجرؤ على القول ان معرفته بالماضي هي معرفة مباشرة؟ ان الذين سجلوا ما شهدوه من الأحداث كانوا دوماً «شهوداً» لا مؤرخين. والمعرفة التاريخية هي دوماً، وبصورة أساسية، معرفة بالواسطة، أو هي تصور وجود من خلال معطيات لغوية وأثرية. وإذا نحن تجاوزنا الحاضر المشهود، قبل أن يتحول إلى ماض، فإننا لا نستطيع أبداً الحديث عن «معرفة» مباشرة للماضي ضمن الشروط التجريبية والمنطقية.. إنما هنالك فقط بالضرورة تصور من خلال شهادة الغير، ومن خلال الوثيقة والأثر لما كان.