
بعد إرهاصات بدأت في العالم العربي منذ مطلع القرن العشرين، وتجربة توضحت نهاية خمسيناته، عقد أول مؤتمر حول قصيدة النثر في الجامعة الأميركية ببيروت من 19الى 21 ايار الجاري، وكان ضمن برنامج أنيس المقدسي للآداب. غاب عن المؤتمر الكثير من الشعراء والنقاد العرب، ولكنه كان أكبر من تظاهرة إحتفائية، فهو محاولة لتثبيت قيمة من قيم ثقافة الانفتاح والتجديد، تلك التي كانت قصيدة النثر على موعد معها ببيروت قبل غيرها من الأماكن.
بموت الماغوط قبل شهرين، بدا أنسي الحاج عراب قصيدة النثر وكأنه أول وآخر رعيل الرواد، مع ان الماغوط ما زاد عليه سوى بإطلاق هذه القصيدة إلى الجماهير وجعلها تنافس قصيدة التفعيلة، غير أن موته أعاد الاعتبار إلى الخوض بما انتهى الناس منه، وهو الاقرار بشرعيتها، بل كونها الأكثر حضورا اليوم من قصيدة التفعيلة.
عقد المؤتمر البيروتي لواء الرياسة لأنسي الحاج، وكانت كلمته التي قوطعت بالتصفيق غير مرة، بمثابة بيان عربي لقصيدة النثر، ولعل أجمل ما فيها شعريتها التي مزجت العام بالخاص. كان الحاج يتكلم عن الشعرية والنص الشعري، وهو يقف بينهما ناظرا ومتأملا وأبا شرعيا دون منافسين، ولكن نبرته خلت من الأنا المضخمة واللغة المتعالية او الاستاذية التي تعوّد فيها الرواد الحديث عن أنفسهم. كانت الاسئلة تتلاحق في مدخله، عن حق قصيدة النثر في اجتياز مفازة الاعتراف بها وبكونها ليست دخيلة وطارئة على الأجناس الأدبية، فهي قد وصفت بالتمرد والعقوق والاعتداء على اللغة والتراث، ولكن وبعد ان اضحت ظاهرة عادية، يقول الحاج، تُتهم بأنها جرت الشعر إلى عزلة مقيمة. هي انتصرت كما يستطرد، ولكن انتصارها دوّخ النقد وجعله متخلفا عن لحظتها، وبقيت في انتصارها وحيدة، كما في بدايتها اليتيمة.
حديث النقد استؤنف في أكثر من مدخل في اليوم الثاني حيث بدأ أحمد بزون الشاعر اللبناني بمقاربة استعرض فيها محددات الانطلاق والتطور مقارنا بين آراء الرواد، مستعرضا جهد ادونيس في اطلاق المصطلح المترجم ومقدمة أنسي الحاج لديوان «لن» التي كانت بمثابة البيان الاول للتجربة. الدعوة إلى صياغة نظرية عربية لهذا اللون الشعري، والشكوى من غياب المنهج الاكاديمي عند التعرض لقصيدة النثر، كانت في صلب مداخلة بزون، وفي تصور الكثير من الشعراء الحاضرين الذين شكوا من تخلف النقد العربي عن متابعة انجازات هذه القصيدة. ولكن الإقرار بأن صفة التمرد لم تعد مصاحبة لقصيدة النثر، وانها غدت مطية لمن لاموهبة له، كان من بين مواضع الاتفاق بين الحضور.ولعل المناداة بوجوب صياغة نظرية نقدية عربية لقصيدة النثر يدخل في باب المطالب التي شملت الانواع الأكثر انتشارا، ومنها الرواية اليوم، وهذا يدفعنا إلى الاعتقاد بأن الشعر العربي عموما لم يشتك من غياب النظرية والنقد مثلما اشتكى اليوم، وهذا ليس ببعيد عن مأزق تقعيد النوع، حيث قصيدة النثر اليوم تعيش ضياعا لم يشهده الشعر طوال تاريخه، فقد كان الشعر ملعب العرب منذ تشكل وعدهم الاول.
مداخلة عبد القادر الجنابي التي قرئت بالنيابة، كانت محاولة لتوجيه الأنظار إلى المفهوم، حيث رأى ان قصيدة النثر لاتقاس بالنثر أو النظم، وهذا خطأ النقاد العرب عند الحديث عنها، فهي كتابة بعيدة عن الصيغتين، وهي تتصف باللاغرضية، وناظمها سلك جمالي يؤدي إلى هدف غير محدود، وسمتها الحدة والاختصار، ولا ينبغي لهذه القصيدة الاحتفاء بالوجدانية والغنائية.
الجلسة الثانية كانت مخصصة لتكريم أدونيس، كما جرى الحال في جلسات كانت على شرف بعض رواد قصيدة النثر: الماغوط، شوقي أبي شقرا، فؤاد رفقة، توفيق صايغ ومحمود شريح.
قرأ في هذه الجلسة منير بشور مادة انطباعية عن علاقته بأدونيس، ثم عادت الجلسات إلى الاستئناف حيث أثارت الانتباه كلمة عقل العويط الذي هاجم المؤتمر وطرح السؤال الاستفزازي: هل من حاجة إلى مؤتمر حول قصيدة النثر؟ فهو يرى ان الدوران النقدي المستمر حول الموضوع لامعنى له، ويدل على خواء نقدي وتسطح أكاديمي، لأنه يحيا خارج الكتابة الشعرية وهمومها. وسأل ما الذي أتى به هذا المؤتمر، وهل تطرق إلى محاور تفيد النقاش الجدي؟.
تصدى له المؤتمرون، وخاصة عباس بيضون الذي رأى في الاجتماع محاولة للنظر في ملامح التجربة التي مر عليها زمن طويل. والحق ان إعتراض عقل عويط الذي انطوى على موقف نقدي حاد، هو جزء من آلية المؤتمر الذي يدور حول إشكالية الإعتراف بقصيدة النثر ذاتها، التي كما قال شربل داغر في مداخلته عنها: «الانكباب على كتابتها، أقرب إلى الخروج منه إلى الانتظام في نمط، أو قواعد، فكيف إذا كان بعض شعراء هذه القصيدة غير عارف بالقواعد التي انبنت عليها في تعبيراتها الفرنسية».
جمانة حداد الشاعرة اللبنانية تحدثت عن تحديات ترجمة قصيدة النثر إلى اللغات الاخرى، وهي ترى ان الترجمة تسعى إلى احتضان المعنى من دون الاعتداء على الروح، ولكن بدرجات متفاوتة من الحرية تمليها طبيعة النص نفسه.
كاظم جهاد الشاعر العراقي دارت مادته حول تعالق قصيدة النثر مع فلسفة النظر إلى العالم حيث بدأت مع روادها الفرنسيين كنمط من التعبير عن موقف نقدي من العالم والحياة واللغة والإيقاع والشكل والاستعارة والكناية، وخصائص الشعر المحض والنثر المحض وكيفيات امتزاجهما لاستيلاد هذا الشكل «الخلاسي» الجديد. وهو يرى ان الكثير من الممارسين لها من الشعراء العرب لاناقة ولا جمل لهم فيما تبغيه هذه القصيدة.محمد مظلوم الشاعر العراقي قال في ظل النزوع إلى التعدد والتنوع، في نموذج شعري غير مستقر، تبرز أهمية مضافة تتمثل في هجنة طبيعية بين الأشكال المتاحة، بهدف ترسيخ التعايش الفعال.
بعض المساهمين تحدث عن قصيدة النثر كتجربة عامة، وبعضهم تحدث عن تجارب لشعراء لبنانيين، وعلى هذه الصيغة كانت مداخلة يوسف بزي حول قصيدة النثر والفنون البصرية، فقد كانت قراءة في نتاج شعراء مثل شارل شهوان، يحيى جابر، وفادي أبو خليل واسكندر حبش. وهو يرى أن قصائدهم مشبعة بالثقافة السينمائية والذاكرة البصرية، حيث الكتابة عندهم تعتمد عين الكاميرا وحركتها، واسلوب المونتاج والكولاج والإيقاع التصويري.
الشاعر السوري منذر المصري، في معرض مداخلته عن مستقبل قصيدة النثر، تحدث عن «انتصارها» السريع، بعد ان اجتازت تجربة «الاعتراف»، وهذا الانتصار جعل من النتاج الشعري بمعظمه مقتصرا عليها، وبقدر ما شاعت قصيدة النثر بين الشعراء، قدر ما انحسرت شعبيتها بين الجمهور، فهي اليوم كما يقول، تعاني غربة حقيقية وعزلة لم يعانها الشعر سابقا.
مستقبل قصيدة النثر كان من بين المواضيع التي شملتها مداخلة أحد منظمي المؤتمر أسعد خيرالله، وهو ناقد وأكاديمي في الجامعة الأميركية، حيث رأى ان مستقبل الشعر عموما يرتبط بحركة تحول خطيرة في تأريخ العالم وهي ثورة الاتصالات التي لانعرف أين تؤدي بالعربية كلغة وأدب وتصورات عن العالم، وقصيدة النثر ربما تتخذ هيئات مختلفة في ظل تلك التطورات المتلاحقة.
حوى المؤتمر الكثير من الأوراق وجرت النقاشات بين الشعراء والمثقفين الحاضرين، والحق ان جمهور هذا المؤتمر جد محدود، وأغلبه من المدعوين في الوسط الثقافي، وبدا المؤتمر وكأنه في عزلة عن طلبة الجامعة، سواء كانوا من منتسبي الأميركية أو غيرها من الجامعات، والعادة أن معظم رواد مؤتمرات الثقافة من الطلبة وخاصة من دارسي الأدب. تساءل الحضور عن اسباب غياب الكثير من النقاد والشعراء العرب المهتمين بهذا اللون، فأعتذر المنظمون وهم هيئة محدودة من الاساتذة، بقلة مواردهم المالية، ومحدودية قدراتهم على الضيافة. بقي ان ننتبه إلى أمر طريف وهو أن معظم الحضور لهذا المؤتمر هم شعراء، ومعظم المداخلات النقدية كانت لهم، وتكاد كل تلك المداخلات تشكو من غياب النقد عن هذا النوع من الشعر، وانصراف النقاد عنه. مع ان المؤتمرين لم يتطلعوا إلى حضورهم.