الرئيسية > لقـــــاء

عبدالله نور.. في طريق المشاة


رحمه الله..

اختلطت فيه شخصية الرياضي وشخصية الموظف.. الغني الأبي.. والفقير الصامت..

كثيرون غيره.. قبله وبعده، يتمنون الحصول على أدوات الشهرة.. على مقومات الحظوة.. على مبررات الأثرة، لكنهم لا يملكونها..

عبدالله نور - رحمه الله - كانت تلك الأمنيات كلها مثل أوراق قديمة في سلة مهملات.. لم يكن يهمه من امتيازاتها شيء.. قد تعصف به ظروف فيحاول أن يبحث عنها لكن النسيان يضيعها في قاع السلة.. فيعاود الالتصاق بأي مسار عارض..

هو في حياته الخاصة والعامة مثل منتعل حذاءً جلدياً يواصل السير في طريق المشاة، دون أن يعني ذلك ممارسة رياضة المشي.. وتمر أمامه عربات كثيرة بعضهم يحاول أن يأخذه معه، لكنه لا يقبل.. وقد يقبل لكنه لا يلبث أن يعود إلى طريق المشاة.. هو لا يسير فيه وحده.. في ذاكرته أناس كثيرون، وهو موجود أيضاً في ذاكرة كثيرين منهم، لكن عدداً قليلاً هو من يصطفيه، أو بتعبير أدق، من تُلزمه الظروف أن يخرج معه من طريق المشاة إلى ميدان الأضواء والأصوات والسباقات والزحام وتنوع الأطعمة وتنوع المناخات.. كلما خيل له أنه وجد نفسه داخل هذا التنوع من الأجواء والبريق من مذاقات المتعة، لا يلبث أن يغادر ذلك كله ويعود إلى طريق المشاة وكأنه قد قرر أن يقضي مشوار العمر وحده في ذلك الطريق..

بهرني أول ما عرفته عندما قيل لي إنه كان لاعباً سابقاً في نادي أهلي الرياض.. لأن ما يقارب ال 99٪ من اللاعبين في ذلك الوقت من الأميين. وبينما كان هو ونحن نقطع زاوية ما بين شارع الخزان وشارع الوزير يتحدث عن مواضيع أدبية متخصصة - كلنا حوله لم نكن متخصصين في هذا المجال - أجدني استجوبه في اندهاش.. متى لعب.. وبأي مركز أشتهر، ولماذا ترك اللعب؟..

شاب أسمر طويل ضاحك، يقفز فجأة من ملعب الكرة المتخم بالأمية الكاسحة، إلى مسامرة فنجان الشاي مع الكتاب.. ولم أكن أتصور آنذاك أنه سيترك ذلك البريق الذي أحاط به وهو في مقدمة المثقفين الشباب والرواة البارزين والمتحدثين المؤثرين كي يحتويه صمت طريق المشاة، وكأنه مل مبكراً من روتين الحياة ورداءة قواميسها.. قربه أمراء كبار.. كرماء.. لكن كل ما فعله عملياً أنه يطل على «أنتريه» الصالة بين وقت وآخر ثم لا يلبث أن يعود إلى طريق المشاة.. يقرر هو متى يخرج منه مؤقتاً.. ومن يزور..

يخيل إلي أنه لو لم يغيبه الموت نهائياً وكان ما حدث مجرد إغماءة لطفق يضحك ساخراً، كيف يصدق من عرفوه أنه سيغادر طريقه الذي تعود أن يسير عليه معظم أيام العمر؟ وكيف فاتهم أنه أحياناً يخلط في ذاكرتهم بين الواقع والخيال، فيجدونه أكثر من حقيقة ووهم، فيتخيلون أنهم في كل فصل جديد من حياته يتعرفون على كائن متكرر تجدده ثقافته وأخباره، لكن لم يدر في خلدهم أنه سيموت بشكل خاطف...

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة