الرئيسية > ثقافة الخميس

حضور المرأة المثقفة في الرواية المحلية


طامي السميري

صبا، هند، منيرة الساهي. هذه الاسماء الروائية، ربما هي أبرز الشخصيات النسائية المثقفة في الرواية المحلية. هذا النموذج للمثقفة كيف تم صياغته روائياً، كيف تم تقديمه في الرواية؟ هذه الاسئلة تبدو شائكة في ظل السؤال الأهم من من هي المرأة المثقفة!! والتي تقول عنها الناقدة خلود الحارثي: هي المرأة المهتمة بالشأن الثقافي وحتى لا تأخذنا الاسئلة عن ما هو الشأن الثقافي؟ سأعتبرها المرأة الاكثر من متعلمة والتي تفكر بوعي، وعلى هذا فإن حضورها في الرواية المحلية يأتي على أكثر من مستوى.

وتعتبر الحارثي ان ملامح حضور المثقفة يأتي على عدة مستويات: فقد يأتي من خلال الطرح المباشر كشخصية (منيرة الساهي) في قارورة المحيميد فقد ظهرت في الرواية كمثقفة تطرح بعضاً من المشكلات التي تتعرض لها النساء من خلال وضعها وعملها في الاصلاحية وممارستها للكتابة. وأحياناً اخرى تحضر بشكل غير مباشر مثلما حدث مع نساء (وجهة البوصلة لنورة الغامدي) فلم تظهر لنا شخصية مثقفة بعينها لكن ملامح الوعي الثقافي أتت ممررة على ألسنة (ناريمان/فضة) في أكثر من موضوع لتثير قضايا عدة من خلال علاقة المرأة بمجتمعها وعلاقتها مع الرجل، وقد يأتي بشكل اكبر من مجرد طرح المشكلات الى الصدام مع المجتمع ك(صبا) في الفردوس

اليباب ليلى الجهني فقد آمنت صبا بأفكارها لدرجة ان ماتت في سبيلها ورغم الخديعة التي تعرضت لها وازدواج المجتمع المدني (جدة) فإن الرواية تقدم مثقفة لها قرار، وقد تحضر المرأة المثقفة في الرواية المحلية غير السعودية وهو ليس بتلك الكثرة ولا التأثير لكنه موجود مثل حضورها في (ابو شلاخ البرمائي) لغازي القصيبي وطبيعة الرواية الفنتازيا ساعدت على ذلك وسوغته. ونأمل ان نرى لها حضوراً أوسع وأشمل وأعمق تأثيراً في القادم من اعمال روائية محلية.

وتتساءل القاصة منى المديهش والحاصلة على ماجستير في النقد الادبي للرواية السعودية هل فعلاً، حضرت المرأة المثقفة في الرواية المحلية؟ ثم من هي المرأة المثقفة التي افترض هذا المحور وجودها؟ هل تعد صورة المرأة في الرواية السعودية التي هي في أحسن أحوالها طالبة جامعة أم خريجة تبحث عن وظيفة أم معلمة في قرية بعيدة.. صوراً للمثقفة؟

وتعتبر المديهش ان المشكلة الاهم هو التنميط لصورة المرأة بشكل عام في الرواية المحلية: لا أرى ان المثقفة قد حضرت في شخصيات روايتنا المحلية، ومشكلة عدم الحضور جزء من مشكلة اكبر هي صورة المرأة في الرواية السعودية بعموم: لقد خضعت صورة المرأة في روايتنا للتنميط، فالمرأة في روايتنا هي المرأة الجاهلة، المرأة الساذجة، المرأة الظل الهزيل للبطل الرجل، المرأة المراهقة ضحية غرام نظرة من ابن الجيران، وأعلى ما نجده ان تكون طالبة جامعة، او كاتبة خواطر!

وتؤكد المديهش ان حضور المثقفة روائياً يدخل في باب الكائنات المؤجلة: حتماً لست أطمح بصورة للمثقفة في رواياتنا المحلية تضارع ما رصده (رضا الظاهر) في كتابه عن شخصية المرأة في روايات امريكية، لكننا لا نعاني من ضعف الحضور فحسب، بل نعاني من عدم الوجود.. ان المثقفة في روايتنا كائن لا وجود له، (كائن مؤجل) على حد تعبير القاص فهد العتيق. لقد ظلمت روايتنا المحلية شخصية المثقفة، واننا نجد شخصاً ك(احمد بن طيفور الخراساني) قد صنع في كتابه (بلاغات النساء) قبل ألف ومئتي سنة، صورة للمثقفة في الجزيرة العربية أنصع بكثير مما تفعله رواياتنا الآن!

القاصة فاطمة العتيبي تؤكد على انشغال الروائي المحلي بالمرأة الجسد: الرواية السعودية مشغولة بالمرأة الجسد وانا لا أدين الروائيين فهم نتاج الثقافة وما زالوا في طور نفض الغبار المتراكم والذي تكاثر حتى كادوا يختنقون فيه لكنهم أخيراً وجدوا النوافذ التي يفتحونا للتهوية ستستغرقنا التهوية كمرحلة ضرورية لتفريغ شحنات المسكوت عنه حول قضايا الجسد وبعدها سيظهر ما هو شديد الانسانية..

وتدين القاصة فاطمة العتيبي كل النماذج الروائية النسائية المثقفة في الرواية المحلية فتقول: ثم من هي المثقفة هل هي الكاتبة منيرة الساهي في قارورية المحيميد أم هي هند في هند والعسكر للبشر، منيرة انساقت خلف الخدعة ليس لانها ساذجة بل لأن النسق الذي يريدها زوجة ولا يعترف بوجودها إلا عبر بطاقة الذكورة هي صورة هشة لامرأة مثقفة لكنها نموذج مقبول في سياقه الثقافي الخاص لكن كان ممكنا توظيف الحدس والعقل الباطن الذي يغيب الحقيقة كي يستمتع بالوهم تماماً مثل الحمل الكاذب.. كنت أتمنى ان أعتني السرد في هذه النقطة اما هند فقد كانت كاتبة ضعيفة تكتب من خلف الاقفال وعلى ضعف الشخصية في بنائها السردي الا انها تشير الى الارتباك الأنثوي والارتماء خلف حائط الرجولة كسبيل وحيد للأمان حتى لو أدى للانبهار بأول رجل يلوح في الافق وهي ضعيفة القرار لا تملك أي قدرة على التأثير فيما حولها على الرغم كونها متعلمة وكاتبة وعاملة في مجتمع مفتوح هو مجتمع المستشفى لكنها ظلت المرأة النسقية التي تعبرها الثقافة شكلاً لا جوهراً أمامها سقف الكفاية لعلوان فقد كانت قارئة نهمة وامرأة عاملة لكنها تستسلم لسطوة السائد وتخاتله بالخيانات المتكررة وهو نمط سادى للانتقام من جبروت النسق وقبضته وهو محاولة اولية وبدائية لمواجهة الواقع في بنات الرياض لرجاء الصانع تبدو سديم فتاة فاعلة تملك قرارها تختار وتكابد وتواجه تخذل لكنها تقرر في النهاية صبا اليباب لليلى الجهني كانت متعلمة لكنها أيضاً ضحية خديعة الرجل ونزوته وصبا مستسلمة وهي تداهن وتسخر من السائد.

وتشترط العتيبي تخلص الروائي السعودي من الصورة النمطية المكرسة في ذهنية الرجل عن السعودي عن المرأة بشكل ليكتب نموذج مثالي عن المرأة المثقفة: لا يوجد امرأة مستقلة وفاعلة ومثقفة ومؤثرة واعتقد ان ذلك سيأتي، ولكن في مرحلة لاحقة حين يتخلص الروائيين من العوائق الأولى لصورة المرأة الاولية المتمكنة من خلفياتهم الثقافية فهم في طور المنتج الثقافي وسيعملون بعد التخفف من هذا العبء الى انتاج ثقافة جديدة تعنى بالمرأة الجديدة المؤثرة التي نتمنى انها فعلاً موجودة في بنائنا الاجتماعي حتى تستحق ان تظهر في رواياتنا.

هذه الرؤية عن نموذج المرأة المثقفة في الرواية المحلية. تم اقتصارها على أصوات نسائية إبداعية. وتضامنت تلك الأصوات في رؤيتها بعدم رضاها على النماذج النسائية المثقفة. والاهتمام لا يوجه للروائي فقط في تقديم هذا النموذج الهش من الداخل بل ان الروائية السعودية ساهمت في تكريس هذه الصورة السلبية للمرأة المثقفة. وهذا ما نجده في روايات نسائية كهند والعسكر، الفردوس اليباب، وجهة البوصلة.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة