الرئيسية > مقالات اليوم

ملك رحيم كلتا يديه غياث


يوسف أبا الخيل

هناك الكثير من العظماء الذين خلدهم التاريخ بما أتوا به من أعمال عظيمة أسدت منافع للناس في مختلف ما يحتاجونه ويأملونه معنوياً كان أم مادياً، والقاسم المشترك بين أولئك العظماء مما يحسب على جانب العطاءات المعنوية قبل المادية، هوما جُبلوا عليه من محبة الناس والعطف عليهم والتلهف لتفريج كرباتهم.

لقد حفظ لنا التاريخ الكثير من القصص التي تؤكد مبادلة الناس لأولئك النوعية من الرجال الحب بالحب، تجلى ذلك في الكثير من المواقف التي أبانت عن عفوية سحرية تلبست تصرفات البسطاء من أولئك الناس قبل سادتهم و كبرائهم، من أبرز تلك القصص ما تواتر عما حصل للخليفة الأموي هشام بن عبدالملك من صدمة نفسية جراء لفظ الناس له في مشهد من مشاهد استعراض الهيبة والسلطان، واللهف الواسع في نفس المشهد للترحيب بشخصية أخرى ليست في مقام سلطانه ولا هيبة صولجانه، هذا الوالي الذي يعتبر واحداً من أكثر الخلفاء الأمويين بطشاً بخصومه ومعارضيه ومن أشدهم استبداداً بالرعية كان مرة يطوف بالكعبة في احدى سنوات حجه بالناس قبل أن يلي الخلافة، فحاول خلال طوافه لمس الحجر الأسود فلم يجد لذلك سبيلاً من كثرة زحام الحجاج، فحاول حراسه المرافقون له ازاحة الناس عن الحجر فما استطاعوا، ،وإزاء ذلك الوضع لم يجد حراسه بداً من وضع كرسي له في ناحية من نواحي الحرم، حيث جلس ينتظر أن يخف الزحام عن الحجر الأسود ليلمسه ويقبله ووقف حوله أهل الشام، وفيما كان ينظر الى الناس اذ أقبل رابع العترة النبوية الشريفة زين العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم أجمعين فطاف بالبيت فلما بلغ الحجر انفرج له الناس طواعية، ووقفوا له اجلالاً وتعظيماً حتى استلم الحجر وقبله والناس وقوف ينظرون اليه وكأنما على رؤوسهم الطير، فلما مضى عنه عادوا الى طوافهم، هذا وهشام بن عبدالملك ومن معه من وجوه الناس يرون كل ذلك، ولما كان من معه من أهل الشام لا يعرفون الرجل الذي هابه الناس وأفرجوا له عن الحجر، في الوقت الذي حاول فيه الخليفة وجنده أن يجدوا ممراً الى الحجر فلم تجدهم المحاولة، التفت أحدهم الى هشام وسأله: من هذا الذي هابه الناس هذه المهابة فقال: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشام عنه، وكان الشاعر الفرزدق حاضراً فقال: أنا أعرفه، فقال الشامي: ومن هو؟

فمضى على البديهة في وسط تلك الجموع المحتشدة يقول:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته

والبيت يعرفه والحل والحرم

هذا ابن خير عبادالله كلهم

هذا التقي النقي الطاهر العلم

وليس قولك من هذا بضائره

العرب تعرف من أنكرت والعجم

الى أن قال:

كلتا يديه غياث عم نفعهما

يستوكفان ولا يعروهما عدم

عم البرية بالإحسان فانقشعت

عنها الغياهب والإملاق والعدم

ما قال لا قط الا في تشهده

لولا التشهد كانت لاؤه نعم

وكان عليٌ هذا معروفاً بحبه للناس والعطف عليهم ، ولذا فقد بادله الناس اذ ذاك حباً بحب، ولم يكن بحاجة الى من يسوق الناس بين يديه لاخلاء المكان له، بل لقد كانت الناس تتصرف حيثما يريد عفوياً وكيفما يشتهي.

هذه الصورة التي رسمها الناس في ذلك الزمن الموغل في القدم عن زين العابدين لا أرى الناس اليوم الا وقد رسموها بقلوبهم قبل أيديهم للملك العادل الرحيم عبدالله بن عبدالعزيز - هكذا أقولها بلا أسبقية ألقاب - الذي لا أشك بأنه من أولئك العظماء الذين أحبوا الناس فبادلوا حبه بحب جارف، أحبوه لسجاياه النادرة وقلبه الرحيم ويداه اللتان لا تعرف منهما شماله ما تنفق يمينه، أصبحنا مصداقاً لتلك الصورة الزاهية التي له في قلوب الناس نرى جموعهم من مختلف الأعمار والمشارب وقد رفعوا صوره على خلفيات سياراتهم، وهو سلوك له دلالاته الرمزية منهم، اذ يريدون منه لفت النظر الى ماهو أكثر من حبهم له، انهم بذلك يريدون الإيحاء للآخرين أنهم اذ يحبونه بصدق فانهم لا يتأخرون عن ابراز فخرهم بهذا الحب ورفعه تاجاً على رأس كل منهم، ولم يأت هذا الحب منهم من فراغ، بل لأنه حفظه الله ورعاه أحبهم بعاطفة جياشة صادقة بسيطة لا تكلف فيها ولا تزيُّد، ولذا فاني في الوقت الذي أتخيل فيه مشهد الحجيج في تلك السنة من القرن الأول الهجري والواحد منهم يتلهف على السبق على إخلاء مكانه لرابع أئمة أهل البيت عليهم السلام لا أشك لحظة بأن جموع الشعب هنا على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم وفئاتهم العمرية لو أتيحت لكل منهم الفرصة لاخلاء مكانه أو ما يملكه لتقديمه عرفاناً رمزياً لهذا الملك الرحيم لما تردد لحظة في ذلك، وتلك لعمري سيرة جديدة نوعية يضيفها التاريخ لصفحاته الخاصة بالعظماء والنادرين من الناس الذين لا يتكررون، فلتزهُ يا خادم الحرمين الشريفين بهذا الحب الصادق من شعب يود أحدهم لو يعمَّر ألف سنة ليهديها لك عرفاناً بإسكانك إياهم سويداء قلبك.

abalkheiL@alriyadh.com

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 6

  • 1
    سلمت اخوي يوسف على هذا المقال الجميل
    والله يشهد ان كلامك كله هو الحق والصواب
    نعم نحن نحب مليكنا نعم لانه احب شعبه قبل ان يحبه
    وكان ملكا ً حقا بافعاله
    سلمت لنا ولمملكتناا ياامليكنا الغالي

    ابو عبدالله - زائر

    08:36 صباحاً 2006/05/09


  • 2
    ولاء وحب واخلاص متبادل بين شعب بايع (ال السعود) على الاخلاص والوفاء في السراء والضراء وبين ملك تجلت فيه كل الخصال الحميده احب شعبه فبادلوه الحب والولاء , دمت لنا ياسيدي ابا قائدا.
    luvsate@hotmail.com

    سعيد احمد القحطاني - زائر

    09:22 صباحاً 2006/05/09


  • 3
    وأرجو من الله عز وجل أن يسدد خطاه لما فيه خير للإسلام والمسلمين

    هلا - زائر

    05:03 مساءً 2006/05/09


  • 4
    لقد قرأت كلماتك الصادقة والمعبرة عن مكنون الحب الذى يملأ القلب ويفيض عرفاناً وتقديراً لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز حفظه الله ورعاه وسدد على درب الخير خطاه، واسمحوا لى أن أعبر عن خالص تحياتى وحبى واحترامى لهذا الرجل الحكيم صاحب القلب الرحيم والعطاء الجزيل، والمدافع عن قضايا دينه ووطنه وأمته، فمن مصر التى يوليها اهتماماً خاصاً وتربطه بزعيمها وقائدها وشعبها علاقات وطيدة، أنقل لسموه ولأشقائنا الأوفياء بالمملكة العربية السعودية خالص التحية والعرفان والتقدير لمواقفهم المشهودة فى جميع المواقف، ودمتم جميعاً بألف خير، ودامت وشائج الحب التى تجمعنا إلى الأبد.

    مجدى شلبى منية النصر ـ الدقهلية ـ مصر - زائر

    05:38 مساءً 2006/05/09


  • 5
    ابو متعب الله يوفقك ويسدد خطاك لما فية عزة الاسلام والمسلمين الله ينصرك على من عادك نعم المليك ( اسرت العقول والقلوب يا بومتعب ) نعم الصور التي توضع على السيارات في السعودية فقط تعبير بسيط على ما يكنة الشعب للقائد الوالد ابو متعب من حب وتقدير ( صقرالعروبة ) وللة انة حرا اشقر تحية حب وتقدبر للقائد الوالد ابو متعب ( نحن عصاك الي متعصاك ) في طاعة للة بسم الشعب اقول وفقك الله ونصرك _ سلمتي يا بلاد الحرمين نحن الشعب ذخيرتك يا بومتعب في وجة من عادكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاتة

    ابوشوق - زائر

    11:09 مساءً 2006/05/09


  • 6
    حبنا لمليكنا له اسباب كثيره لعل ابرزها (شفافيته) حفظه الله.. ولعل كلمته التي قالها أبان زيارته للهند عندما سأله الصحفي في اللقاء عن همومه تجاه الشعب السعودي فقال : ((أنا أحب شعبي)) الى اخر رده -حفظه الله-
    واتذكر عبارة ((انا احب شعبي)) دائماً عندما ارى صوره على السيارات واقول : ((ونحن أيضاً يا أبا متعب))
    حفظك الله يامليكنا ورعاك وسدد على طريق الهدى خطاك

    الطرقي - زائر

    04:00 مساءً 2006/06/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة