الرئيسية > مقالات اليوم

عن الفيدرالية في العراق


محمد محفوظ

عديدة هي المشروعات والتصورات السياسية والإدارية المطروحة اليوم في الساحة العراقية. إذ كل طرف سياسي في العراق له رؤيته السياسية لواقع العراق ومستقبله.

وتتباين هذه التصورات والمشروعات، باختلاف المواقع السياسية لكل طرف. وما نود طرحه في هذا المقال هو مناقشة مشروع الفيدرالية في العراق. وهو المشروع الذي لا زال محل استقطاب سياسي شديد بين قوى ومكونات عديدة للشعب العراقي.. وبعيدا عن المضاربات الأيدلوجية والسياسية نستطيع القول: إن الأوضاع السياسية والاقتصادية المزرية التي وصل إليها العراق وهو البلد العريق والثري، هي من جراء نظام الاستبداد والمركزية الشديدة التي كان يمارسها نظام صدام حسين في حكمه وإدارته للعراق. فاختزلت كل مكونات العراق وامكاناته في دائرة بشرية وسياسية ضيقة.. فتراكمت الأخطاء، واستفحلت ممارسات النبذ والإقصاء والتهميش بدعاوى ومسوغات مختلفة.

فالاستبداد السياسي وما يتبعه من إدارة مركزية شديدة، هو الذي أوصل العراق اليوم إلى ما وصل إليه، من احتلال أجنبي، وأوضاع سياسية واقتصادية مهترئة وسيئة على مختلف الصعد والمستويات.

وبطبيعة الحال فإن استقرار العراق الجديد وخروجه من محنه وأزماته المزمنة، مرهون إلى حد بعيد على قدرة العراقيين الجدد على بناء نظام سياسي وإداري جديد، يعطي لكل مكونات العراق المذهبية والقومية والدينية والعرقية دورها وحقوقها.. بحيث يكون العراق كدولة وسياسة واقتصاد وثقافة، هو تعبير عميق لكل أطياف الشعب العراقي ومكوناته المتعددة. والفيدرالية هي أحد المشروعات السياسية والإدارية المطروحة اليوم، لتجاوز مخاطر وسيئات الاستبداد والإدارة المركزية.. وانطلقت أطراف ومكونات سياسية عديدة في الساحة العراقية للتبشير بالحكم الفيدرالي والدعوة إلى هذا النظام، الذي ينهي كل تجارب الاستبداد التي عانى منها الشعب العراقي لعقود طويلة.

ونود في هذا الإطار أن نوضح رأينا ورؤيتنا حول مشروع الفيدرالية في العراق من خلال النقاط التالية:

1 - نحن مع كل نظام إداري يعطي للناس حقوقهم، ويوسع من مشاركة الناس في إدارة شؤونهم وتسيير أحوالهم وأمورهم المختلفة. وصحيح أن الاستبداد السياسي الذي خلقه نظام صدام حسين هو المسؤول الأول عن أوضاع العراق الحالية. فالشعب العراقي بكل قواه ومكوناته الأساسية، مع نظام سياسي وإداري جديد، يفسح المجال لكل مكونات الشعب العراقي لتحمل مسؤولياتها الوطنية. وهذا بطبيعة الحال ليس هو محل الخلاف في الساحة العراقية اليوم.. ونقطة الخلاف الأساسية كما يبدو لي في الساحة العراقية اليوم، هي في الأسس التي يقوم عليها نظام الفيدرالية. ونحن نقول: إن الخطورة الحقيقية التي تواجه الشعب العراقي اليوم، تتجسد في بناء نظام الفيدرالية على أسس طائفية أو قومية. فلا يمكن أن يقسم العراق على هذه الأسس. لأن هذا التقسيم لا يقود إلى الوحدة وبقاء العراق موحداً.. فنحن وببساطة شديدة مع نظام الفيدرالية الإدارية وضد الفيدراليات الطائفية أو القومية..

فمن حق المحافظات في العراق، أن تتوسع صلاحياتها الإدارية والاقتصادية. ولكن من الخطورة بمكان حينما تترسم الفيدرالية على أسس طائفية أو قومية.. فمن حق الأكراد أن ينعموا بنظام سياسي وإداري ينهي وإلى الأبد مخاطر عودة الاستبداد والاستئصال القومي والعرقي.. ولكن الوصول إلى هذا الهدف النبيل، ليس بتفجير العراق وتفتيته على أسس طائفية وقومية. كما أنه من حق الشيعة في العراق، أن تتطور مناطقهم على مختلف الصعد والمستويات ويزداد مستوى الاهتمام التنموي والسياسي بمناطقهم.. ولكن هذا لا يتأتى إلا بنظام فيدرالي يقوم على أسس إدارية وليس طائفية أو قومية.

فالفيدرالية الإدارية هي أقرب الصيغ لتحقيق مفهوم العدالة السياسية والتنموية في العراق.. وهي الصيغة التي تحافظ على وحدة العراق وتلاحمه الداخلي. أما الفيدرالية القائمة على أسس طائفية أو قومية، فهي حقيقة تهدد نسيج العراق الاجتماعي ووحدته الداخلية. لذلك فإننا ندعو كل القوى السياسية العراقية إلى الوقوف عن تسويق فيدراليات الطوائف والقوميات في العراق.. ويساهموا في بلورة خطاب سياسي حقيقي يتجه إلى تأسيس فيدرالية إدارية تحول دون عودة الحكم الاستبدادي للعراق، وتشجع كل المكونات والتعبيرات للمساهمة الفعالة في العملية السياسية القائمة اليوم في العراق.. فنحن نعتقد أن وحدة العراق اليوم، لا يمكن صيانتها إلا بفيدرالية إدارية، لا تهميش فيها لأحد، ولا إقصاء لأي طائفة أو قومية في العراق. فالعراق لكل أبنائه ومكوناته، ولن تقوم له قائمة إلا بمشاركة الجميع في بنائه وتعميره.

2 - تحاول بعض الأطراف السياسية في العراق، رفض مشروع الفيدرالية بكل مستوياته في العراق، بدعوى أن هذا المشروع يهدد وحدة وعروبة العراق.. وفي تقديرنا أن الذي يهدد وحدة وعروبة العراق هو الاستبداد السياسي، الذي يلغي حقائق التعددية الموجودة في الساحة العراقية.. إننا نعتقد بأهمية أن تقوم كل الأطراف العراقية بإعادة صياغة رؤيتها وفهمها للوحدة الوطنية في العراق.. فالوحدة في العراق لا تعني ممارسة القمع والإقصاء بحق بعض التعبيرات والمكونات. وعروبة العراق لا تتلاشى إذا ساهم غير العرب من العراقيين في إدارة شؤون بلدهم.

فالوحدة في العراق لن تتعزز، إلا بإفساح المجال القانوني والسياسي لكل الأطراف للمساهمة في بناء العراق وإدارته. فالوحدة في العراق هي مطلب وهدف الجميع، ولا أعتقد أن وجود نظام إداري وسياسي لا مركزي سيضر بالوحدة الوطنية، بل قد يوفر لها معطيات جديدة تعزز من قوتها وصلابتها.

فالوحدة الوطنية اليوم في العراق، لا تحمى بمقاطعة العملية السياسية بل بالمشاركة فيها والتفكير المشترك لبناء رؤية إدارية وسياسية جديدة، تستوعب كل الأطراف والمكونات وتتعامل معهم بعيدا عن عقلية الاستئثار والاستفراد بالسياسة والثروة.. فالعراق الجديد الذي يحفظ استقرار نفسه، ويساهم في حفظ الاستقرار الإقليمي، هو ذلك العراق الذي يشترك جميع أبنائه ومكوناته وتعبيراته في الحكم والإدارة وتسيير شؤونه العامة.. فقد ولى زمن الاستفراد والاستبداد والاستئثار في العراق.. ولا يمكن لأي طرف أن يحكم العراق بوحده. فهو (أي العراق) بلد الجميع واستقراره وأمنه بحاجة إلى مشاركة الجميع على مختلف الصعد والمستويات. فالوحدة لا تعني أن تتمركز الإدارات والقرارات والمشاريع في بقعة جغرافية أو اجتماعية واحدة، فهذه السياسة هي التي أضعفت العراق وأهدرت ثرواته، وأضاعت فرص تقدمه الحقيقية.

فالعراق اليوم بحاجة إلى رؤية جديدة لحماية وحدته وتصليب تضامنه الداخلي. هذه الرؤية لا تقوم على الاختزال أو النبذ والإقصاء بل على المشاركة واحترام التعددية وصيانة حقوق الإنسان.

3 - إن النخب السياسية العراقية اليوم، معنية بشكل مباشر لممارسة القطيعة مع ثقافة العنف وفض الاختلافات والصراعات السياسية بوسائل الاغتيال والتفخيخ والتفجير. فالقوة الحقيقية اليوم في العراق لا تحمى بالاغتيال والتفجيرات، بل بالتوافقات السياسية العميقة بين مختلف الأطياف والمكونات.

وفي تقديرنا أن المدخل الحقيقي اليوم لاستقرار العراق وصيانة أمنه، هو في أن تنبذ كل النخب السياسية لغة القوة واستخدام السلاح في حسم الصراعات والاختلافات السياسية.. وبدون ذلك ستتراكم المشاكل، وتستفحل الأزمات، وسيضيق أفق الحل السياسي في العراق.. والفيدرالية اليوم لا تعني فرض الأمر الواقع، أو استخدام لغة التهديد والتخويف للقبول بهذا النظام الإداري - السياسي.. وإنما هي تعني وبشكل مباشر المزيد من التوافقات السياسية وخلق أجواء من الثقة المتبادلة بين مختلف الأطراف والمكونات.. وهذا يقودنا أيضاً إلى ضرورة القول: إن كل النخب السياسية العراقية اليوم، بحاجة إلى رفع الغطاء السياسي عن كل العمليات الإرهابية التي تجري اليوم باسم مقاومة المحتل.

فقتل الأبرياء في العراق ليس مقاومة، وتخريب البنية التحتية للعراق، ليس وسيلة لخروج المحتل. بل هي عمليات إرهابية تزيد من عمر الاحتلال للعراق وتفاقم من محن وأزمات الشعب العراقي.

والنخب السياسية العراقية بكل أطيافها وعناوينها بحاجة أن تقف اليوم وقفة شجاعة وتاريخية تجاه هذه العمليات التي تستهدف الأبرياء والبنية التحتية للعراق.. فقتل الأبرياء ليس مقاومة ولا يخرج الاحتلال، وتفجير دور العبادة لا يفضي إلى الحفاظ على وحدة وهوية العراق.. فكل العمليات التي تستهدف أبناء الشعب العراقي، تطيل من عمر الأزمة وتزيد من التوترات والتناقضات الداخلية. ولعل الخطوة الأولى لإيقاف نزيف الدم العراقي، أن تعلن كل القوى السياسية وبلغة لا لبس فيها عن إدانتها واستنكارها وتحريمها لهذه العمليات الإرهابية.

وجماع القول: إن استقرار العراق اليوم، بحاجة إلى نظام سياسي - ديمقراطي. وإننا مع الفيدرالية الإدارية، ولا نرى في الفيدرالية القومية أو الطائفية قدرة على صيانة وحدة واستقرار العراق.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    سيعود العراق حرا قويا ابيا منارة للحرية والديموقراطيه في الشرق الاوسط مهما حاولت قوى الجهل والضلام عرقلة مسيرته ومسيرة الحريه في المنطقه.

    سعيد احمد القحطاني - زائر

    12:40 مساءً 2006/05/09



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة