الرئيسية > الرأي

جدتي.. في القلب أنت


ريم فهد الدوس

وقفت على أعتاب باب مغسلة الأموات (بالشفا) ونظرت إلى أعين أناس قد غرقت بالدموع على فراق أم الجميع.. الحبيبة أم فهد..لحظتها احسست بأن الروح الطيبة قد رحلت إلى بارئها.. حينها انتابني شعور غريب لم أكن اعلم بأن فراقها سيغرقني في بحر من الحزن والألم..

كانت آخر صورة لها في عيني وهي مسجاة في كفن أبيض مثل بياض قلبها.

حدقت فيها ونسيت نفسي في لحظة فهمست في اذنها: «يمه» والله أحبك.. والله وربي أحبك.. رحت «يمه» وتركتيني.. في لوعة وحرقة.. ذهبت ولن أسمع ماكنت تناديني به دوما!

«ياشيخه البنات»

وكنت أفرح يوم اسمعها تتردد على شفتيها الطيبتين.

فأنا اعلم أن هذه الخواطر سطرتها أنامل طفلة في الخامسة عشرة من عمرها..

طفلة قد اشتاقت إلى حضن جدتها الحنون.. وما زلت أتذكر تلك العيون الطيبة.. والأيادي الناعمة تهتز على السرير الأبيض داخل المستشفى لتوصي بشيء قد مر عليها في دنياها ولاتريد أن يتكرر ذلك مع أبنائها وأحفادها:

أبنائها الذين يتألمون.. في كل يوم تمر عليهم مشكلة من مشاكل الدنيا وتصفعهم لتلقنهم دروساً في الحياة مهما كان ذلك الدرس قاسيا..

أحفادها الذين لا يملكون سوى الدعاء الصادق لوالديهم ولك أمي..

حينها أحسست بمعنى كلمة (الموت) كنت أرددها ولم أكن أتدبر معناها..

ولم أكن أعلم أن الموت يسرق أعز ما لدينا في هذه الحياة..

يأخذ الغالي ويترك الوحوش التي تريد أن تنهش وتستمتع بالدنيا..

الموت يسلب منا أحلامنا الوردية وإن كان مصيرها الزوال ولابد من يوم وتتبعثر فيه الأوراق وتذبل الورود وتتبدد الأحلام وتنتهي هنا الحياة..

فالحياة ليست سوى اماني وأحلام.. مواقف وأحداث..

الأحلام: يغتالها الموت..

المواقف: مرت لنتعلم أكثر من درس..

الأحداث: مرة وقاسية إذا ارتبطت بالموت..

أماه:

إليك هذه الرسالة التي أكتبها وقد أغرقت الدموع عيني فلم أستطع أن أعبر عنها ألا بالورقة والقلم.. هكذا تعلمت أن الورقة والقلم هما الوحيدان اللذان يستطيعان فهمي...

أماه:

جربت حب الأخوة.. جربت حب الأطفال..حب الأصدقاء الأوفياء.. حب المطر والشمس والقمر.. حب النبات والزهر والبحر.. حب كل هواية أهواها. ولكن لم أجد بعد حب الله ورسوله أحداً غيرك..

كم كنت أتمنى في يوم من الأيام أن أرتمي في أحضانك..

فوجهك الوضاح عبر عن اشراقة وابتسامة اشرقت لكي تغمر الجميع بحبها وحنانها ولقد كان قلبك المملوء بالهم والحزن مفتوحا للجميع..

انت امي التي لم تلدني والتي اشعرتني بمعاني الأمومة..

لامستها واحسستها وعشتها سواء كانت مع والدتي (أطال الله في عمرها) أو معك جدتي (رحمك الله رحمة واسعة)..

أماه:

مهما كتب قلمي فلن أوفيك حقك..

لن ننسى من علمتنا التسامح والتواضع والاحترام فنحن افتقدناك ولكن لن تفقدي منا الدعاء.. وستبقى ذكراك محفورة في قلوبنا وعامرة بعقولنا جميعاً..

وفي نهاية حديثي عن الإنسانة الرائعة التي يشهد لها الجميع بطيبة قلبها.. وورعها وتقاها..

أسال الله جل وعلا أن يستجب دعائي لها:

«اللهم إني أسألك باسمك الطاهر الطيب المبارك الأحب إليك.. الذي إذا دعيت به أجبت.. وإذا سئلت به أعطيت.. وإذا استرحمت به رحمت.. واذا استفرجت به فرجت اللهم اني ادعوك الله وادعوك الرحمن وادعوك البر الرحيم وادعوك باسمائك الحسنى كلها ماعلمت به وما لم اعلم.. أن تغفر ل (أم فهد) وترحمها وتسكنها فسيح جناتك».

آمين يا أرحم الراحمين.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة