الرئيسية > تقنية المعلومات

مسار

التطرف ملّة واحدة: الإنترنت نموذجاً


د. فايز بن عبدالله الشهري

في عام 1996م وصلتني رسالة الكترونية مثيرة على بريد الجامعة (الغربية) يدعوني مرسلها لزيارة موقع إلكتروني جديد وإبداء الرأي حول صفحاته شكلا ومضمونا. وحين اتّبعت الرابط وجدته يقود إلى موقع صاخب يبدو أنه صُمِّم لترويج حزمة من المعتقدات والقناعات لجماعة (ميليشيا) أمريكية دينية عنصرية خصّصت معظم محتويات موقعها للهجوم على الحكومة (الأمريكية) الاتحادية والأمم المتحدة، مع كم واضح من رسائل التحريض التي تحاول أن تستنهض همّة الأمريكيين «البيض» وتحضّهم على الاتحاد من أجل طرد اليهود والمكسيكيين والسود «للحفاظ على أمريكا البيضاء» نقية من هذه الأعراق الملوثة.

لم يكن محتوى الموقع مفاجأة كبيرة فقد سنحت لي الفرصة لمشاهدة عدد من المواقع الأمريكية والأوروبية القريبة الصلة من أفكار هذه الجماعات، وهي في مجملها مواقع ترفع شعارات شوفينيّة تصل حد البذاءة أحيانا مع الخصوم مثل شعار «أخرجوا الملونين من أمريكا التي اختارها الرب موطنا للإخوة المسيحيين البيض». وقد اشتهر فيما بعد احد تلك المواقع المتطرّفة جراء نشره الخطب والمحاضرات (السمعية) التحريضية خاصة تلك التي كان يلقيها الأمريكي Pierce William Dr. (توفي عام 2002م) وهو بروفيسور سابق في الفيزياء بجامعة «اوريغون» الحكومية ويعدّ ابرز منظري ومؤسسي جماعات التطرف الأمريكية ذات الميول النازية، بل يقال أن روايته « Diaries Turner The» كانت بمثابة «الفتوى» التي ألهمت منفذي تفجيرات المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما سنة 1995م مخلّفة 168 قتيلا وتدمير كامل المبنى.

ومنذ ذلك التاريخ - بل ومن قبله - بات واضحا أن إمكانيات شبكة الانترنت ستفتح الباب على مصراعيه للمزيد من الحضور المدوّي لجماعات الجريمة والعنف من كل مذهب وجنس. وهذا ما حصل بالفعل حيث قدّمت وتقدم تطبيقات الشبكة خدمات لا يمكن أن توفرها وسيلة أخرى لهذه التنظيمات خاصة لجهة توظيف وتطويع الخدمات الاتصالية للشبكة في التدريب والاتصال والتنسيق وتوجيه الأعضاء والمتعاطفين مع هذه الجماعات.

و مما يلاحظ في بداية الظهور الالكتروني لبعض هذه التنظيمات (الغربية خصوصا) أن سمة الحذر والتحفظ كانت واضحة على خطابها وكأنها كانت تختبر إمكانيات هذه الوسيلة الجديدة، مكتفية بتسجيل حضورها في هذا المنتدى العالمي وتحفيز الأعضاء على بث أفكارهم بهدوء تحت شعارات حرية التعبير والحق في الكلام. ومن هذه الزاوية -تحديدا- نجد أنه منذ منتصف التسعينيات و الأصوات والنداءات في أمريكا وأوروبا تحذّر من تحويل شبكة الانترنت لتصبح أكثر وسائل الاتصال إثارة للقلق الاجتماعي والأمني. بل إن هناك من صنّف الانترنت حينها بأنها أكبر من مجرد تقنية اتصالية حديثة باعتبارها «ظاهرة أمنية» في المقام الأول تتطلب مجهودا مضاعفا، ودراسات معمقة من قبل العلماء لرصد اتجاهاتها السلبية والتوعية بمخاطرها المحتملة.

وتأسيسا على ما تقدم فلم يكن مفاجئا - بل كان متوقعا- كل ما نراه من صنوف التوظيف المكثف لخدمات الانترنت ومواقعها من قبل جماعات العنف العربية التي «تمترست» عناصرها أمام الشاشات ولوحات المفاتيح لضخ مئات الملفات والوثائق وبث التسجيلات الصوتية والفلمية لرموزها ومنظريها. وبرصد وتحليل مجمل الخطاب الدعائي لهذه الجماعات (العربية والغربية)، ومن فحص تكتيكات عملها في بيئة الاتصال الالكتروني نجد أن هناك تشابها قويا في طرق تأصيل المنطلقات العقدية وأساليب التوظيف الفنية بل وحتى في تصميم الرسائل الاقناعية الجماهيرية.

ولعل أهم ما يميز خطاب العنف على شبكة الانترنت هو تأصيل ثقافة نفي «الآخر» ومحاولة تشريع إيذاءه فبعض جماعات التطرف الديني الغربية ترى أن الشخصية الكاملة التي تستحق العيش هي الشخصية المسيحية البيضاء (الجنس الآري)، وهو تقريباً نفس الخطاب العنصري الذي تبثه الجماعات اليهودية المتشددة التي تفتي بقتل العرب (الأفاعي)، وقد استوردت بعض جماعات العنف العربية هذه المفاهيم و حاولت (أسلمتها) على طريقتها في توظيف النصوص الشرعية التي تجيز طرد «المشركين» بل وذبحهم من قبل آحاد الناس كما تذبح الشاة بوصفه عملا بطوليا يوصل إلى الجنة.

(مسارات)

قال لمن يسأل عن مشروعية (انتهاز) (فرصة) في (غيبة النظام):

دعنا نعترف أولا أن (الأنظمة) (لا تصنع الأخلاق) ولكنها تذكّر بها (من يملكونها)... ثم افعل ما بدا لك.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    الدكتور / عبدالله فايز الشهري
    قرأت ما تفضلت به في مساراتك الجميلة وكم أسعدني هذا التوجه.. وسأتحدث على مستوى اقليمي
    يجب أن نعترف بأن التقدم التقني لدينا سبق التقدم الأمني بمراحل كبيرة وبحسب وجهة نظري لازال ذلك قائما ولعل هذا أحد الأسباب التي ساعدت التطرف على استغلال هذه النقطة.. ويجب أن نعترف أيضا بأن الوعي الأمني لازال بحاجة لجهود أكبر فمثلا المنتديات العربية المفتوحة عموما يخترقها محترفون من أولئك المتطرفون وهم يرتدون عباءة النصح والإرشاد والوسطية في البداية دون اشارة لتطرف ثم شيئا فشيئا يبدأون باختراق فكر الأعضاء حتى إذا وثقوا بهم واطمأنوا لتوجههم أخذوا باستدراجهم صوب التطرف وهنا تقع المسؤولية على ملاك تلك المواقع ومن يشرف عليها ومن صرّح لهم وبمعنى آخر لارقابة أمنية حقيقية حتى في المواقع المفتوحة
    دمت أستاذي بكل خير وشكر الله جهودكم

    عبدالرحمن الجبابرة - زائر

    11:54 مساءً 2007/12/08



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة