ثمة مقاربة احيانا تدفعك لمحاولة اكتشاف وجه المثقف، وثمة حالات نادرة تسقط فيها تلك المقاربة بين وجهين ثقافيين في مكان واحد وربما في لحظة واحدة، لتشعل احداقك بين نوعين من المقاربات التي تمس وجه المثقف، احداهما تعتصر ذهنك في قراءات او اضاءات تحليلية لا تحتمل اللبس او الغموض أو المهادنة، واخرى تستفز الكامن في ضمير المثقف، لتصاب بخيبة اخرى، ترسلها زفرة أسى على واقع يبتلع هذا المثقف حتى ليفقد بقية ملامحه.
في عدد واحد من صحيفة الحياة وفي مقابلتين لا يفصلهما سوى صفحة واحدة.. طالعنا الدكتور طيب تيزيني في مراجعة فكرة عميقة، وفي الأخرى ثمة مقابلة من نوع آخر للشاعر والكاتب والمثقف محمد العلي. المهم في كلتا المقابلتين ما يتعلق باستعادة دور المثقف.
طيب تيزيني يحمل سمات ومشروع وتأهيل المفكر، ومحمد العلي يحمل الشاعر داخله، لكن الذي يجمع بينهما ان كلاهما مثقف.. ومن هنا تأتي هذا المقاربة، ليس بهدف ادانة وجه مثقف ولكنها محاولة اكتشاف تفرضها حالة مقاربة اولية بين نصين حواريين.
الدكتور طيب تيزيني، صاحب (من التراث الى الثورة)، يحاول ان يعيد صياغة مشروعه الفكري الى (من التراث إلى النهضة)، وهم يستلهم حالة تحول لا ترى ما كان يدعي في ادبيات الفكر العربي الاشتراكي سوى كذبة تاريخية تعاظمت في رؤوس مثقفي اليسار العربي حتى افضت الى ما افضت إليه، وهي الدولة الامنية العربية بامتياز، التي ابلعت المثقف حتى اصبح مسوغا لها في صمته اليوم... وهو يعيد صياغة مشروعه الفكري ليتحدث عن أي محاولة للنهضة لا الثورة، لن يكون الحامل الاجتماعي لها سوى ما يتمثل في الامة من اقصاها إلى اقصاها، فالحامل الاجتماعي كما يراه اليوم لأي مشروع مستقبلي يتمثل في مروحة تنطلق من اقصى اليمين القومي الديموقراطي الى اقصى اليسار الوطني.
لا يرى طيب تيزيني اليوم ان ثمة مشروعا قوميا عربيا اليوم، واذا كان ثمة مشروع من هذا النوع ظاهريا، فهو لا يعدو ان يكون تكريسا لوجه الدولة الأمنية التي غابت معها السياسة والديموقراطية والحراك السياسي الاجتماعي، لقد ابتلع المشروع القومي كما يقول كل هذا، لكن الاكثر أهمية في تلك المقاربة هو ما يطال المثقف العربي والسياسة، فالدولة الامنية التي توسلت المشروع القومي العربي، اجهضت العلاقة بين الثقافة والليبرالية، وبالتالي احدثت ذلك الشرخ العميق بين الثقافة والسياسة، وكان من نتائجه ان دخل المثقف بنية الدولة الأمنية بل وفي لحظة ما اصبح جزءا منها.
ولعل من اهم الاضاءات في ذلك الحوار، هو اعتراف طيب تيزيني باهمال النخب الثقافية - في لحظة صعود ما سمي بالافكار القومية واليسارية- المسألة الدينية او الفكر الديني، فهذه المرجعية- أي المرجعية الدينية- التي استعصت على ابتلاع الدولة الامنية كما حدث للمرجعية السياسية والمرجعية الثقافية ثم المجتمع ذاته، بما ينهي كل البدائل الممكنة، ظلت هي المرجعية الممانعة.. واليوم لن يقيض لأي مشروع نهضوي النجاح دون الاهتمام بهذا الحامل الاجتماعي، والدخول في قراءة عقلانية ومنطقية للفكر الديني، وهو الفكر الذي يتغذى منه المجتمع العربي.. وهو يرى من المستحيل الوصول الى فكر نهضوي تغييري حقيقي دون اعادة قراءة هذا الفكر واعادة الاعتبار لهذا الحامل الاجتماعي- الثقافي، الذي يمكنه وحده مساندة الفكر التغييري.
هذا بعض ما قاله الطيب تيزيني، فماذا قال محمد العلي؟
الشاعر والمثقف محمد العلي، يرى ان تعيينات وزارة الثقافة افضل من الانتخابات، وانه كتب عدة مقالات في مسألة الانتخابات فحواها انه لا يؤيدها في الوقت الحاضر، اما لماذا فإنه لا يرى شروطها متوفرة لا في الثقافة ولا في الحقول الاخرى، فالتعيين في هذه المرحلة أفضل من الانتخابات حتى في الاندية الادبية، والاسماء التي عينتها وزارة الثقافة هي اسماء المرحلة في الوقت الحاضر.
وفي سؤال آخر عن انسحاب بعض الشعراء والمثقفين عن المشهد الثقافي، يقول محمد العلي ان الانسان الذي لا يحمل قضية لا يمكن له الاستمرار، وان بعض الذين صمتوا او اعتزلوا المشهد الثقافي لا يحملون قضية!
انا هنا لا أحاول ان اقارن بين موقف وآراء وفكر طيب تيزيني وبين موقف وآراء محمد العلي.. فليس ثمة مجال للمقارنة، لكن ثمة مجالاً لتلمس رؤية المثقف في جانب له علاقة بالوعي بشروط وعلاقة المثقف بمهمته الثقافية.
محمد العلي يرى التعيين افضل من الانتخابات، سواء في الوقت الحاضر او المستقبل الذي لا نعلم متى يقرره محمد العلي ليصبح المجتمع او الحامل الاجتماعي على حد تعبير طيب تيزيني قادرا على الاستفادة من شروط اقتراع.
الصادم في هذه الرؤية، انها في تفسيرها النهائي ترى السلطة وهي هنا السلطة الثقافية هي الادرى بالمصلحة من خلال التعيين، فالاسماء المعينة في مؤسسة ثقافية صغيرة كالأندية الادبية هي اسماء المرحلة. وببساطة يقرر المثقف مرة اخرى من خلال وعيه بشروط المرحلة التي تفصل على مقاس نسق ذهني معين ورؤية خاصة انها فقط هي اسماء المرحلة. المرحلة في رأي لن تنجب اسماء اخرى، مادامت ذهنية المثقف تمانع أي محاولة لتحريك عجلة انتاج اسماء اخرى لهذه المرحلة ومراحل اخرى قادمة. وهنا اعود لاذكر بابتلاع السلطة للمثقف. الذي اصبح عليه فقط ان يبارك تعيين السلطة الثقافية هنا، ويمانع حق الاختيار، ولا يرى سوى اسماء المرحلة.
لست معنيا حقيقة بالاندية الادبية وأسماء التعيين، وليس ثمة موقف من أي اسم معين، لكن الاستشكال هنا يأتي من مسألة ابعد من قصة نادي ثقافي او ادبي، المسألة تتعلق بوعي المثقف الممانع للتحول لأن هذا التحول وفق تلك الرؤية التي ينطلق منها المثقف لا تحقق ما يراه تمثيلا او اقترابا من وعيه. هنا تبدأ تظهر الحقيقة العارية، فالخلل في الرؤية القصيرة لمثقف لا يرى ابعد من مرحلة. وبانتظار مرحلة اخرى لا يقول محمد العلي متى ستشرق علينا حتى نبدأ في ممارسة حق الاقتراع، سنظل نستهلك ونستعيد اسماء المرحلة كما يسميها. أؤكد للاستاذ العلي وسواه، أنه لا يمكن انتاج أي اسماء اخرى في أي مرحلة طالما نظل نؤكد ان المصلحة في التعيين التي تحدد شروطه سلطة من نوع ما، وهي هنا السلطة الثقافية الرسمية.
ان التجربة التي مرت بها المملكة العام الماضي في تجربة انتخابات المجالس البلدية، كشفت تهاوي الادعاء بأننا غير مهيئين لمرحلة الاقتراع، ولست بحاجة لاستعادة الشواهد هنا، فالمسألة- في هذه المرحلة- ليست في نتائج صندوق انتخاب او اقتراع، والتي نعرف مسبقا انها تقدم الاكثر تنظيما والاكثر اقترابا من الحامل الاجتماعي الثقافي، المسألة في مشروعية الاختيار لإدارة حياة. المسألة في انتصار المثقف لحق الانسان بالترشيح وحقه بالاختيار هذه هي القيمة الحقيقة... ما عداها حسابات صغيرة تمثل صراع تيارات ميدانه العمل الجاد للظفر بثقة ناخب، اما المثقف فهو ضمير ورؤية تنتصر للحق الطبيعي في التمثيل، لأنه حق الحرية او حق الانسان في الاختيار، سواء اتفقت النتائج او لم تتفق مع رغباته.. وللعلي وسواه ان يرون ان النتائج تحمل في داخلها نسقا ذهنيا غير قادر على التجاوب مع طموحات مثقف ليبرالي.. لكن الليبرالي الحر لا يمكن ان يصرح علنا ويدعو لثقافة التعيين عوضا عن ثقافة الاختيار بالانتخاب لأن الوقت ليس مناسبا. الذي لا يلتف إليه هؤلاء ان هذه الجنين الذي اظهرته نتائج اقتراع هو مجبر على العودة الى الصندوق في كل مره يحتاج فيه لصوت ناخب. ان التشكيك في قدرة الناخب- أياً كان- على الاختيار، هو تأكيد ضمني على بقاء الوصاية عليه الى امد طويل، وهو تشكيك في اهليته وهو ازدراء كبير لعقله، بحجة انه غير مهيأ حتى لاختيار من يعتقد انه الاصلح او من يمثله حتى في اضعف مستوى لا يتجاوز ادارة مشروع ثقافي صغير.
لن اعلق على مثل هذا الرأي لو انه لم يصدر من مثقف، وهنا لحظة الصدمة وهنا مجال المقاربة بين قراءتين، بين وعي كبير بحالة مؤسسة على اختلاف مستوياتها السلطوية قادرة على ابتلاع كل شيء بما فيه المثقف ذاته، وبين وعي مثقف مصر على ان مرحلة الانتخابات لم تحن بعد لأن المجتمع لن يختار اسماء المرحلة.
بين رؤية مثقف يؤمن بفكرة الحامل الاجتماعي على اختلاف تنوعاتها وتمظهراتها في الحياة الاجتماعية والثقافية لتحمل مشروع نهضة عوضا عن مشروع ثورة لم تكن سوى تهويما حالما في عقل مثقف كان ماركسيا يوما ما. وبين وعي مثقف وطني يمجد اسماء المرحلة التي أتت بالتعيين، والتي مهما كانت مؤهلاتها وخبراتها وقيمتها تبقى مشروعية ناقصة في عقل مثقف حر عليه ان ينتصر لحق الاقتراع لأنه حق انساني قبل ان يكون مشروعا ثقافيا لا أن يكيف تلك الرؤية على هاجس صراع تيارات هنا وهناك.
في تعليق محمد العلي حول انسحاب بعض الشعراء والمثقفين من المشهد الثقافي، وأن السبب يعود إلى كونهم بلا قضية، وان ذلك التوهج مرحلي لا يمكن له الاستمرار بلا مشروع وقضية يحملها المثقف، ربما يكون هذا صحيحا، لكن الاكثر صحة ايضا ان البقاء وحده لا يعني ان ثمة قضية، والانتاج الابداعي وحده لا يعني بحال ان ثمة مشروعاً في عقل مبدع او مثقف... والاعتزال احيانا او الصمت قد يعني ان ثمة قضية، وقضية كبرى ربما رأى ذلك المثقف انه لم يبق له سوى الاحتجاج عزوفا وعزلة عن الانهماك في مشهد ثقافي انتهازي.
1
للأستاذ القفالاي وافر التحية، ليس فقط على هذا المقال الجميل ولكن على الكثير من مقالاته، وأخص بالذكر مقاله عن البرنامج النووي الإيراني. وفقه الله ورعاه.
شريفة الشملان
شريفة إبراهيم الشملان - زائر
08:44 صباحاً 2006/04/24