الرئيسية > مقالات اليوم

أصوات

هكذا كنا نقضي الصيف!


محمد رضا نصر الله

في صبانا كنا نقضي فصل الصيف لاعبين في الأندية الرياضية.. تارة.. ومترددين على المكتبة العامة تارة أخرى.. وبينهما كان البحر يخطفنا بزرقته اللازوردية قبل الغروب.. أما المزارع والبساتين وعيونها النّبّاعة الفوَّارة، فهي جنتنا الوارفة دوماً آناء الصيف وأطراف الشتاء.. نكاد لا ننقطع عنها.. تضمنا بخبائها الأخضر، وتحنو على طفولتنا برقة طبيعتها غير الملوثة حينئذ بعدُ.

لم ننشأ على ملاعب أطفال ومتنزهات.. إلا ان الحيَّ الدافئ بالحب كان مسرحنا.. نخرج من البيت إلى الزقاق في طريقنا إلى براحة الحليب أو براحة الخيل!.. هناك نلهو بألعابنا الشعبية لا يردنا عن شقاوتنا البريئة رادّ.. بل إن بعض الآباء قد لا يجد حرجاً في ملاطفتنا مشتركاً معنا في لعبة من الألعاب، وكأنه يحاول استرداد طفولته الهاربة من عمره مع مضي السنين!

في المكتبة نقرأ القصص ونطالع الصحف ،مقتربين من عالم الكتاب المليء بالمعاني، والمفتوح الآفاق.. فإذا بنا على أبواب نهاية المرحلة الابتدائية.. نعم الابتدائية! نترنم بأشعار المتنبي والشريف الرضي.. المعري وأبي فراس.. مروراً بأحمد شوقي وإيليا أبي ماضي والأخطل الصغير.. وفي المرحلة المتوسطة كنا ننافس مدرسينا العرب. في قراءة شعر الموجة الجديدة.. المتحدرة من رومانسية جبران ومحمود حسن إسماعيل وعلي محمود طه،صوب واقعية بدر شاكر السياب، وثورية فدوى طوقان، وجمالية نزار قباني..

كنا ننقسم فريقين.. هذا يحفظ عن تذوق وإدراك قصائد المتنبي.. وذاك يغامر باكتشاف التماعات الشريف الرضي الابداعية، مواجهاً بها سطوة أحمد الجعفي على هامات الشعراء، وحساسيات المتذوقين.

لم يكن هذا بطبيعة الحال منقطعاً عن سياق ثقافي متتابع في المجتمع، من مكتبة الوالد، إلى حوارات الأدب والفكر في مجالس أصدقائه.. من هنا انغرس حب المعرفة في نفوسنا، إذ لم تكن الفضائيات ببرامجها الغنائية الخليعة التافهة موجودة..

بل إن التلفزيون - وقتها - كان عامل تثقيف.. فقد ولد جيل مع وصول البث التلفزيوني إلى العالم العربي.. حيث سبق تليفزيون أرامكو تجارب معظم الدول العربية في هذا الحقل المعلوماتي الجديد.. وعبر شاشته الفضية، أخذنا بابا حطاب.. جميل حطاب الأردني إلى برنامج الأطفال بطربوشه العثماني المميز.. وشدّت روائع الأفلام المصرية بالأبيض والأسود عيوننا، المتطلعة نحو معرفة المزيد من عالم العصر الجديد.

لكن هذا لم يصرفنا عن التعلق بعناصر الثقافة الجادة في الكتاب ومن ثم المجلة، فالجريدة.. ففيها دائماً ما نبحث عن قصيدة فيها من الروعة والجمال ما يأخذنا على التملي في أسرارها الفنية، وإلا فذائقتنا النقدية قادرة على تمييز رديء الشعر من جيده.

.. ومع تقدمنا في الدراسة، تجد الواحد منا يوفر مصروفه اليومي لشراء كتاب.. وهكذا ما أن وصلت إلى الصف الثالث من المرحلة الثانوية، حتى كنت أمتلك مكتبة لا بأس بها ، تراوحت بين اقتناء الكتب التراثية والمعاصرة، حيث أقضي فصل الصيف في قراءتها موصولاً مع فصول السنة الأخرى

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة