الديمقراطية ليست ديناً أو مذهباً أو فكراً أو تحرراً أو حرية، إن الديمقراطية تمثل مجموعة من الإجراءات لتنظيم سلطة الشعب بحيث لا تطغى سلطة على أخرى وتقيم التوازن بينهما، والديمقراطية أصلها كلمة يونانية وتعني سلطة الشعب أو حكم الشعب للشعب، وعرفت الشورى في الإسلام بأنها ولاية الأمة على نفسها، لذا فإن الشورى تعنى الديمقراطية وأهل الشورى هم السواد الأعظم من المسلمين، وابن خلدون وصف السلطة الرومانية القديمة في عصرها الجمهوري بأنها حكم شورى، مما حدا ببعض المفكرين بأن يفسر شوروي يعني دستوري ونيابي، وان سلطة الشعب في الدول الغربية مطلقة بينما في الاسلام مقيدة في الشريعة الاسلامية في أن يقوموا بالانتخاب العام فيرقبوا السلطة التنفيذية حسب المصلحة العامة حتى لا ينفرد الحاكم وتطغى سلطاته ولكن مع مرور الزمن أصبحت الشورى ومجالسها تعني فقط النصيحة في وقتنا الحاضر لذا تطرح الديمقراطية عوضا عن الشورى بحكم أن الديمقراطية تلاحظ وتشاهد تطبيقاتها على أرض الواقع في الدول الغربية كمفهوم ونظام وتجربة ومفهوم الديمقراطية تفضح مواطن الضعف والتخلف في الدول العربية وتستبدل الديمقراطية بمفهوم الاصلاح الذي يؤجل بطبيعة الحال البحث عن الديمقراطية التي تسعى الى ربط السلطة بالمجتمع التي تزيد من قوة وصلابة النظام السياسي، حيث أن اعلان الاصلاح ما زال شعارا عاما غير معرف من قبل الدول العربية يفتقر الى تحديد الهدف والاجراء حيث أن تركيز هذه الدول على ادارة الأزمة وليس الاصلاح وحل مشاكل قائمة بالفعل اصلا في مواجهة تحديات داخلية وخارجية، وهي تقوم بذلك تحت مسمى الاصلاح لاستعادة شرعيتها فقط، فقد كان التوجه العام محاولة في تخفيف قبضة الحكومات وقليل من التحرير الاقتصادي فهي تقوم بالمراجعة والتعديل في المسائل الاقتصادية ولكن تتجنب النظر في السياسة، فالديمقراطية هي مفتاح الترتيبات لمفهوم الاصلاح، بمعنى أن حرية التعبير هي إحدى أدوات الديمقراطية فاذا لم يكن هناك حرية للتعبير فكيف للحكومات ان تتعرف على الخلل لتقوم باصلاحه وكذلك الرقابة فالرقابة على أداء الحكومة من أدوات الديمقراطية، فاذا لم يكن هناك رقابة فكيف للحكومة ان تقوم بعملية التقييم والتقويم وتحاسب المقصرين فالديمقراطية أفضل آلية لتحرير المجالات والقدرات لتساعد المجتمع والدولة على التغيير للأفضل فالديمقراطية غاية وليست وسيلة كما في عبارات الاصلاح لترقية العمل السياسي في النظام الحاكم الذي يعد بمثابة القلب اذا صلح صلح الجسد كله واذا فسد فسد الجسد كله.
والديمقراطية تمثل ادارة كل فرد وفق مبادئ وقيم والحكم العادل المبني على الاستحقاق والجدارة، فالعملية الديمقراطية تطور العمل السياسي الذي يوسع الساحات المشتركة ويخلق التوافقات السياسية التي تعتبر محصنات ثقافة السلم والاستقرار فالتطرف «الارهاب» يأتي بسبب التهميش السياسي مما يولد الاحباط والمصادمات مع النظام نفسه الذي يتعامل معها على أنها قدر محتوم، والديمقراطية هنا هي التي تحدد اتجاه الأغلبية سواء نحو الحرب أم السلم، حيث أن الأغلبية التي تمثل السلطة التنفيذية تؤدي الى نشوء القوى الطاردة التي تهدد الدولة، ذلك أن هناك أصحاب الطاقات المنتجة المتمثلة في الدولة توفر المشاركة الفعلية لحل المشاكل والأزمات بدون تكاليف مالية وفي أسرع وقت حيث كرست الأنظمة مثلا على دراسة الفقر في بلدانها وأنشأت اللجان وتكلفت الدراسات الملايين من الدولارات واستغرقت الدراسات مدة سنوات، وبعد ذلك لم يتم حل مشكلة الفقر، بينما الديمقراطية تقوم بذلك بدون تكاليف مالية او انشاء اللجان حيث ان مبادئها كفيلة بحل هذه المشكلة من خلال أدواتها يحفظ حقوقهم التي تضمنها لهم الديمقراطية، فلهذا ما يخص النظام الاقتصادي في الدول العربية التي ترفع فيها شعار الاصلاح اما شعار الاصلاح السياسي فقهي تتجنبه بسبب أن الوصفة لذلك جاهزة لا تحتاج الى لجان ومال ولا يختلف عليها اثنان الا وهي تطبيق الديمقراطية، حيث ان الدول المتقدمة تقدمت وتوحدت بالديمقراطية وليس بالاصلاح فالاصلاح يأتي بعد الديمقراطية في تقويمه بعد التجربة.
فالديمقراطية معيار تقدم الدولة لأنها تنطوي على القدرة السريعة في التشكيل واستيعاب المصطلحات الجديدة لأنها تعتمد على آليتها ونظرياتها ووسائل انجازها، هي تتطور وتصحح لنفسها بعد التجربة وكل وهن يحصل لها في اطارها السياسي، فالديمقراطية تستمد قوتها من كل فرد في المجتمع التي تمثل ارادة كل مواطن وليست مثل الأنظمة الحالية المتخزلة في شخص واحد وسلطة واحدة، فهي الملاذ الآمن لمنع اختراق الدولة من دول أخرى تبعث بها لصالح مصالحها، حيث توصف منطقة الشرق الأوسط بأنها أكثر منظومة مخترقة على صعيد العلاقات الدولية في عالم اليوم.
والولايات المتحدة الامريكية ايدت الأنظمة الحالية خشية من ان يكون النظام الديمقراطي البديل المحتمل الذي يؤدي بدون شك الى وحدة عربية واتحادها مع الدول الإسلامية، مما قد يوقظ قوة نائمة منذ قرون، حيث اطلقت عبارات الاصلاح دون الوصول الى مرحلة الديمقراطية بعد احتلالها للعراق ثم هرعت الدول العربية لتردد هذه العبارة، حيث يهم امريكا ان تكون منطقة الشرق الأوسط، محصنة ضد الديمقراطية وان تكون منطقة الشرق الأوسط فقط اقل عرضة للتعصب والارهاب للحفاظ على مصالحها ولجعل الأنظمة العربية أكثر استقرارا وشرعية في عيون شعوبها، حيث ان الافتراض بان الاتجاه نحو الديمقراطية يمكن ان يساهم مساهمة كبيرة في توطيد السلم في منطقة الشرق الأوسط بل ان الدراسات اثبتت ذلك بان الدول الديمقراطية الى حد كبير لا تدخل في حروب مع بعضها ولا تتورط في حروب مع دول أخرى، وهذا ليس في صالح امريكا حيث ان امريكا تستفيد استفادة كبيرة من جعل منطقة الشرق الأوسط أكثر منطقة في العالم حروبا وتوترا وما يثبت صحة ذلك هو نتيجة لتوقف الحرب العراقية الإيرانية ونتيجة الى تراجع التهديدات الامريكية والعراقية نتيجة اشغالهما مع بعضهما اثناء حرب تحرير الكويت والاحتلال الامريكي للعراق ادى الى استقرار ايران مؤقتا في ان تتاح له الفرصة ان يدخل في النشاط الديمقراطي مما اتاح للمشاركة السياسية بوجود نظام سياسي دستوري يتضمن رئيسا وبرلماناً منتخبا مؤلفا من 270 نائبا ومجلس وزراء معين من قبل الرئيس وبموافقة المجلس. فإيران استمدت قوتها من تطبيق الديمقراطية الذي أهلها الى وفاق مع شعبها مما ادى في نهاية المشاركة السياسية إلى تقوية جيوشها وقيامها بصنع الأسلحة التقليدية والطائرات واستئناف نشاطاتها النووية لإنتاج الأسلحة النووية. لن يكون هناك تقدم للدول العربية ولا لتحسن اوضاعهم الداخلية ولا حيال مقاومة التحديات الأمريكية والإسرائيلية الا بعمليات الاصلاح الجذرية ضمن العملية الديمقراطية الشاملة لأوضاعهم، وتأخر ذلك يؤدي الى انفجار الأوضاع العامة طبقا للقانون الطبيعي في حضور الثورة عند تردي الأوضاع فخوفا من ان تستورد الديمقراطية من الخارج كما حدث للعراق او تنتزع كما حدث في التاريخ فلابد للأنظمة العربية أن تمنحها لشعوبهم قبل أن تستفيد منه امريكا واسرائيل ومجيء نكبات أكبر يخشى أن تصفي ما تبقى من الأنظمة العربية وتقسم الدول العربية على يد الأعداء باسم الديمقراطية مثل العراق الآن وما يحاك ضد سوريا هذه الايام فهي كلمة حق اريد بها باطل.
ولو أن هناك ديمقراطية في الدول العربية لما اصبح المعارضون العرب في الدول الغربية لهم صوت مسموع من قبل امريكا، فهناك عملاء لامريكا مندسون ضمن المعارضة لتسييسهم وتبنيهم كما حدث في العراق، فأصبحت الآن الديمقراطية مفتاحاً لحل الأزمات ومنها الأزمة السياسية التي تعتبر محور الأزمات في الوقت الذي تزداد فيه وتيرة الحرب من قبل اميركا على الدول العربية لتقسيمها فالديمقراطية تعني القرارات الجماعية التي أثبتت الدراسات على أن القرار الجماعي هو أنجح القرارات، فهي الاصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعسكري والأمني، فهي نهج الاصلاح لاستعادة الوجود والكرامة العربية وسوف تأخذ باعتبار الوطن فقط، ومصلحة الوطن، ولا شيء يعلو فوق الوطن، فلم يوجد الشعب من أجل السلطة وإنما وجدت السلطة من أجل الشعب.