الرئيسية > الرأي

الحلم السعودي والحلم الأمريكي



أحمد بن محمد اليوسف

طالما تأملت مقولة (الحلم الأمريكي) هذه العبارة السحرية التي يرددها كل مواطن أمريكي تقريباً عدة مرات سنوياً ويسعى إلى الوصول إليها وذلك في إطار متابعتي للتاريخ السياسي والاقتصادي لأكبر دولة في عصرنا رغم حداثة نشأتها والتي لا تتعدى 229 عاماً مقارنة مع دول الحضارات في آسيا وأوروبا وأفريقيا، لماذا الحلم الأمريكي وكيف نشأ وما علاقته بما وصلت إليه الولايات المتحدة الأمريكية من مكانة عظمى حتى أصبحت سيدة العصر. التعريف الأشمل والأكثر تداولاً للحلم الأمريكي هو (أنه مع الكثير من العمل الجاد والجرأة والإرادة والمثابرة يمكن الوصول للرفاهية في الحياة والثروة).

وعبارة الحلم الأمريكي يرددها بكل فخر كل من وصل إلى تحقيق النجاح المادي وكون أول مليون دولار في حياته العملية إضافة إلى قائمة طويلة من رجال الأعمال الذين وصلوا بإنجازاتهم للعالمية. ومن التعريف السابق يتضح أن الحلم الأمريكي هو حلم اقتصادي مادي والبحث عن الحرية الاقتصادية والحرية في كسب المال بما يتطلبه ذلك من حريات سياسية واجتماعية هي المحرك الرئيسي لتأسيس هذه الدولة. حيث جاء المهاجرون الأول من إنجلترا واسكتلندا وايرلندا هرباً من الفقر والبطالة والاستبداد السياسي وتعسف الكنيسة والحروب الطاحنة والكساد في مختلف مناطق أوروبا ونظام الاقطاع العقاري المستبد.

إلا أننا إذ بحثنا أبعد من ذلك عن الكيفية التي تمت بها تأسيس المستعمرات الأولى في أمريكا الشمالية فقد كانت أيضاً بتمويل من مجموعات تجارية تبحث عن الربح حيث إن أول مستعمرة وهي جيمس تاون والتي تعرف الآن بفرجينيا، تأسست بموجب امتياز منحه الملك شارل ملك إنجلترا لشركة فرجينيا وحدد الامتياز شروط المنح وأسلوب إدارة المستعمرة وتم ذلك بقيادة الكابتن جون سميث وتعلم المهاجرون الأوائل أساليب الزراعة والتأقلم مع الحياة الجديدة بمساعدة الهنود الحمر الذين كانوا في البداية يتبادلون المصالح على أساس من حسن النوايا من الجانب الهندي. فالمستعمرات كانت شركات مساهمة أسسها مستثمرون وعقاريون إنجليز وأدارها واستفاد من ثمارها وأرباحها أيضاً المستوطنون.

وكان تأسيس جيمس تاون عام 1607م كما منح الملك شارل الأول عام 1610م امتياز تأسيس مستعمرة ريشتموند لمجموعة من المستثمرين وفي عام 1624م أعلنت فرجينيا مستعمرة ملكية بعد اكتمال تأسيسها. كما منح مجموعة من المستثمرين حق تأسيس مستعمرة نيوانقلاند وكانوا من المناهضين للكنيسة الكاثوليكية في إنجلترا ثم منح عددا من الأرثوذكس حق تأسيس مستوطنة ماساسوشتس وأسس نظام حكم مستقل عن الملك وفي نفس العام انفصل القس وليام روجرز عن الكنيسة الأرثوذكسية في ماساسوشتس ليشتري جزيرة رودايلاند من الهنود الحمر ويقيم عليها أول مستوطنة قائمة على أساس فصل الدين عن الدولة ومنذ ذلك الوقت أصبح فصل الدين عن الدولة متبعاً في أغلب المستوطنات.

كما أسس الهولنديون مستعمرة نيويورك عام 1617م. كما حصلت أسرة كالفيرتي المرموقة حق امتياز تأسيس مستوطنة ميرلاند على نهر البوتومك. ووصلت أول دفعة من العبيد الأفارقة عام 1619م أي بعد 12 سنة من تأسيس جيمس تاون وقد بلغ عدد المستوطنات التي أصبحت ولايات 13 مستوطنة وأصبحت زراعة وتصدير القطن والأخشاب والزيوت والتبغ مصدر الدخل الأساسي لهذه الولايات وتصدر إلى بريطانيا والدول الأوروبية الأخرى.

وفي عام 1690م بلغ إجمالي السكان (50,000) نسمة ليصبح عام 1775م (2,500,000) نسمة. ولم يكن هناك وجود كبير أو مؤثر لحكومة الملك في بريطانيا ويمكن القول ان المستعمرة عبارة عن شركة مساهمة مؤسسة بموجب مرسوم ملكي من ملك بريطانيا العظمى لتكون لاحقاً تحت سيطرة حكومته ومصدراً هاماً للدخل والنفوذ لبريطانيا العظمى.

ولكن تدريجياً كان مركز الحكم يتحول من سيطرة حكومة جلالة الملك إلى سيطرة مجالس الولايات.

وفي عام 1663م سلمت فرنسا كلاً من كندا والبحيرات العظمى لبريطانيا أثر الحرب الهندية الفرنسية، حتى أن الثورة الأمريكية ضد بريطانيا كانت أسبابها اقتصادية مالية بعد فرض حكومة الملك ضرائب على تجارة السكر والكماليات والقهوة عام 1763م ثم حملت حكومة الملك المستعمرات ميزانية ونفقات الجيش الملكي في كل ولاية عام 1765م ثم فرضت طابع دمغة على كافة المعاملات التجارية والعقود والوثائق الرسمية لصالح الدفاع عن المستعمرات ثم وفي عام 1773م منحت الحكومة البريطانية شركة الهند الشرقية حق التوزيع الحصري للشاي في أمريكا مباشرة للمتاجر والموزعين متجاوزة بذلك كبار تجار الجملة أصحاب المصالح والنفوذ مما جعل صموئيل آدم ورفاقه يقومون بتفريغ المستعمرات حتى تم دفع ثمن الشاي وصادرت أيضاً مساكن خاصة لسكن جنود جيش الملك مما أدى إلى اجتماع أول كونجرس للولايات في الخامس من سبتمبر عام 1774م نتيجة لقتل 93 أمريكياً وقررت الولايات تعيين جورج واشنطن قائداً للقوات الأمريكية ب 14 سفينة سلاح وذخائر أدت إلى انتصارهم وتشكيل لجنة صياغة بيان الاستقلال برئاسة توماس جفرسون في 4 يوليه 1776م ولم يتم الاتحاد في حينه فقد قامت كل ولاية بإعداد دستورها الخاص بها وكان الجامع بين هذه الدساتير مبدأ الحريات العامة وحقوق الفرد على الولاية وحق المواطنة والحريات الأساسية وحرية تقرير المصير إضافة إلى فصل الدين عن الدولة والذي كان السبب الرئيسي له هو تسلط الكنيسة في أوروبا.

واستغرق الأمر الكثير من الاجتماعات والمفاوضات التجارية والاقتصادية والمالية بين كل ولاية وولاية أخرى كما يجري الآن في منظمة التجارة العالمية ثم محاولات لتوحيد العملات والأنظمة التجارية والمالية والاقتصادية حتى تم الاجتماع في 1787م في شهر مايو في فلادلفيا في المؤتمر الفدرالي الأول وعرض على المؤتمر أول دستور اتحادي ثم اجتمع أول كونجرس في نيويورك عام 1789م في شهر سبتمبر وفي نفس الوقت اختير جورج واشنطن رئيساً اتحادياً وأسس أول بنك أمريكي عام 1791م. وقد قطعت العلاقات مع فرنسا عام 1797م إثر مصادرة فرنسا ل 300 سفينة أمريكية بسبب رفضها مساندة فرنسا ضد بريطانيا وأسبانيا وهولندا وهذا حادث اقتصادي ويلاحظ أن أمريكا لم تدخل في أي حرب منذ تأسيسها وحتى الحرب العالمية الأولى إلا بسبب أحداث اقتصادية تجارية تمس سلامتها وأمنها الوطني. واستمرت الهجرة بأعداد متزايدة خلال القرن التاسع عشر حتى أثناء الحروب والأزمات السياسية ومنذ الاستقلال عن بريطانيا ظهرت مقولة الحلم الأمريكي وتأصلت مع الهجرة غرباً بحثاً عن الذهب والمعادن الثمينة. وظهرت الكثير من الروايات الأدبية حول هذا الحلم. ومنذ عام 1800م كانت كافة الولايات تعطى أولوية للأنظمة والقوانين الاقتصادية والتجارية والحريات التي تدعم الرخاء الاقتصادي مع التشريعات العدلية الحافظة للحقوق والتأكيد على الرقابة ومبدأ مثاليات العمل التجاري ومحاربة الفساد. إلا أن ما كان يعيب هذا الاتحاد هو تجارة العبيد في الجنوب والتي ازدهرت لأسباب اقتصادية أيضاً. إضافة إلى موضوع العبودية كان قانون ترحيل الهنود عام 1830م إلى مناطق محصورة وبطريقة غير إنسانية ووحشية تتعارض مع روح العدل والسلام الواردة في الدستور الأمريكي.

وفي عام 1823م أعلن الرئيس مونرو أن أمريكا لن تسمح بعودة الاستعمار الأوروبي للدول المحررة في أمريكا الوسطى والجنوبية وأقام علاقات اقتصادية تجارية مزدهرة معها وفي عام 1823م استكمل تنظيم البنوك والمصارف والتأمين والتمويل الصناعي والزراعي وأصبحت الولايات المتحدة تصنف على أساس مشروع العبودية فيها فولايات الجنوب ولايات عبودية وولايات الشمال لا تجيز العبودية.

وفي عام 1850م انضمت كاليفورنيا ونيوهامشر ورودايلاند وأوهايو للاتحاد وتم تأسيس التعليم المجاني وظهرت صحوة دينية تكفيرية أدت إلى تحريم الخمور وضعها في 3 ولايات عام 1875م. وبرز الاهتمام برعاية حقوق السجناء وتأهيلهم ومنحهم حقوقهم المدنية. إضافة إلى الاهتمام ورعاية المعاقبين والمرضى النفسيين. وأسست أول جمعية لحقوق المرأة عام 1869م حيث أسست الجمعية الوطنية الأمريكية للمرأة بمدينة نيويورك. وبلغ عدد السكان عام 1852م (23,000,000) نسمة واكتشف النفط في ولاية بنسلفانيا عام 1859م. وأخذت مشكلة العبودية اتجاهاً جديداً حيث قامت 2000 مؤسسة ومنظمة مناهضة للعبودية منها 200,000 عقد بطلب الغائها نهائياً وهذه المؤسسات والمنظمات في الولايات الشمالية والشرقية والوسطى. ورفضت الولايات الجنوبية ذلك لأهمية العبودية الاقتصادية لها وفي مارس 1861م أقسم أبراهام لينكولن اليمين بعد شهرين من إعلان أربع ولايات جنوبية انسحابها من الاتحاد وهاجمت القوات الفدرالية في هذه الولايات. كما أسست الولايات المنفصلة كونفدرالية الولايات الأمريكية. وبدأت الحرب الأهلية في أبريل 1861م بين 23 ولاية شمالية فيها 22 مليون نسمة و11 ولاية جنوبية يسكنها 9 ملايين نسمة. وأعلن أبراهام لينكولن في يناير 1863م إن كافة العبيد في الولايات المحاربة ضد الاتحاد أحرار وأعلن توظيف وتجنيد السود في الجيش الأمريكي وانتصر الاتحاد وانتهت الحرب في 9 أبريل 1865م وبدأ عهد ما بعد الحرب الأهلية والمعروف تاريخياً بعصر التعمير إشارة إلى تعمير الجنوب الذي دمرته الحرب الأهلية وفي عام 1866م منح كافة السود كامل حقوق المواطنة وصدر التعديل الخامس عشر للدستور في 1870م والذي منح السود حق التصويت والمواطنة الكاملة لكل مواطن بغض النظر عن الجنس واللون، كما صدرت قوانين تعاقب من يحرم السود من حقوقهم المدنية.

بدأ بعد الحرب الأهلية عهد من الرخاء العلمي والصناعي والزراعي حيث سجل ما بين عام 1860م وعام 1890م (440,000) برأة اختراع وتطور الطب والتعليم وبلغ عدد براءات الاختراع مليون براءة اختراع وفي بداية القرن العشرين بدأ ظهور الشركات الكبرى في مجال النفط والحديد والمواصلات وصدرت قوانين تنظيم التجارة والنقل بين الولايات وحماية الصناعة المحلية ضد المنافسة الدولية عام 1890م وصدر في نفس العام قانون مكافحة الاحتكار والتجارة العادلة. وفي عام 1910م خصص الكونجرس أموالاً للتطوير والأبحاث الزراعية وجلبت آلاف البذور والشتلات من مختلف بقاع العالم للولايات المتحدة.

إلا أنه وللاسف حتى ذلك التاريخ لا زالت الحرب والاضطهاد ضد الهنود الحمر مستمرين حتى صدر قانون 1934م الذي ينظم أوضاع الهنود الحمر وكانت قد بدأت حملة واسعة لتطوير وتحديث الاسطول البحري الأمريكي الذي أصبح يلعب دوراً هاماً في مساندة حركات التحرر ضد الاستعمار في المحيط الهادي وساندت أمريكا تحرر كوبا والفلبين من أسبانيا مع دفع مبالغ تعويض لأسبانيا. كانت أمريكا خلال تاريخها مهتمة بالحريات وتقرير المصير والتنمية والرخاء الاقتصادي والاجتماعي. تمت التجارة مع الصين والتي تأسست عام 1889م من خلال مبدأ الباب المفتوح الذي تبنته الإدارة الأمريكية والذي يمنح كافة الدول حرية التجارة مع الصين بدون امتيازات خاصة لأي جهة وهذا ناقص التسلط الأوروبي على الصين.

وفي بداية القرن العشرين صدرت قوانين للقروض الصناعية والزراعية وقوانين تنظيم العمل وتحديد ساعات العمل وتعويضات العمال وبلغ عدد المهاجرين في أول 15 سنة من القرن العشرين 13 مليون مهاجر. نصفهم من أصول إنجليزية وتفادت أمريكا الدخول في الحرب العالمية الأولى مراراً حتى اغرقت المانيا سفناً تجارية أمريكية مما أدى إلى دخول أمريكا للحرب في يناير 22 عام 1917م وبلغ عدد الجنود الأمريكيين المنخرطين في الحرب والموجودين في فرنسا وحدها أثناء الحرب العالمية الأولى 1,750,000 جندي.

بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وأثناء مفاوضات فرساي حاول الرئيس ولسون قبض ثمن النصر وطالب كل من فرنسا وبريطانيا والدول الاستعمارية الأخرى أن تشمل اتفاقية السلام حرية الملاحة الدولية وحرية التجارة والغاء الرسوم الجمركية وحق تقرير المصير للشعوب المستعمرة وتأسيس عصبة الأمم إلا أنه فشل في أغلب ذلك نظراً لرفض فرنسا وبريطانيا. وكان هاجس حرية التجارة وعدم سيطرة الدولة على كافة جوانب الحياة هو المسيطر الأكبر على مفاوضات الاتحاد الأمريكي منذ بداية ومحل نقاش حاد بين المؤسسين الكساندرهاملتون وتوماس جفرسون.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة