الرئيسية > ثقافة الخميس

حمزة شحاتة وصارت الدراسة...



د. عبدالله محمد الغذامي٭

كانت السنة 1974 وكان الوقت ربيعاً ومازلت أذكر حتى تفاصيل الجلسة ولون القميص مع إطلالة النافذة على المروج الخضراء التي تغطي الفضاء المحيط بالمكان ويتسلل لونه ورائحته إلينا، وكان قوتيه ينبول يعلق على كلام قلته له عن معاناة مرت علي قبل تلك الجلسة وأنا أكتب في مسألة علمية كنت كارهاً لها وأحسست أن الموضوع نفسه كان يكرهني، وكنت أصف له حالتي مع هذه المكابدة الثقيلة، ولم يكن منه إلا أن رد علي - بعد إصغاء عميق - مقترحاً علي ترك الموضوع نهائياً والبحث عن شيء آخر غيره، وأنهى قوله بالتأكيد على محبة الباحث لموضوعه هي شرط لنجاح البحث، وركز على علاقات الحب بين الاثنين الباحث والموضوع.

ولم أقتنع تمام الاقتناع بقوله لحظتها، ولكن الملاحظة بقيت في سري لتمر الأيام في تعاقب طويل، ويتأكد لي يوماً بعد يوم أن هذا الكلام ليس صحيحاً فحسب، بل هو بمثابة القانون المنهجي، ويصل إلى درجة الشرط الأكيد لنجاح أي بحث، أو أية مهمة، بدءاً من الزواج عن محبة، ومروراً بعلاقات العمل والوظيفة، وعلاقات الباحث مع موضوعه، وصرت أرى ذلك في عملي كله، حتى جعلته شرطاً لبحوثي، وصرت أعلِّم طلابي هذه النصيحة التي تلقيتها من أستاذي.

وقوتيه ينبول هو الأستاذ المشرف على دراستي للدكتوراه في جامعة إكستر في بريطانيا، وهو مستشرق هولندي، وكانت الجلسة بعد مرور ثلاث سنوات على بداية دراستي العليا هناك التي ابتدأت في أغسطس 1971م.

وتلك كانت لحظة لقاء بين التجربة والخبرة من البروفيسور ينبول من جهة، وبين دارس يحمل الرغبة النفسية لعمل شيء ناجح من جهة أخرى، ولم أنس هذه النصيحة لأنها لا تنسى أولاً، ولأنني صرت أتذكرها في كل لحظة أبدأ فيها بكتابة بحث، أو كتابة مقالة أو حضور مؤتمر، أو قبول دعوة للقاء صحفي أو تلفزيوني، وفي غالب الأمر فإن الأمر يبدأ في التكشف منذ لحظات البحث الأولى عندما أبدأ في جمع المادة ولملمة أطرافها.

وهذا ما صار لي مع تجربة الكتابة عن حمزة شحاتة، فأنا لم أكن أعرفه ولا كنت أعرف عنه شيئاً، ومر هو على الحياة وراح إلى ربه، دون أن يصلني خبره، ولهذا قصة وسبب سأرويهما بعد قليل، ولكنني أشير أولاً إلى تعرفي عليه، وهذا قد صار حينما كنت في زيارة لبلدي في إجازة من البعثة عام 1973، ورأيت حينها كلاماً في الصحف عن حمزة شحاتة حيث قد توفي - رحمه الله - ذلك العام، وكان ما في الصحف هو كلام من نوع الكلام الذي تبدو عليه المبالغة الشديدة في حق ذلك الفقيد، وفيه حديث عن شاعر عملاق وكاتب عميق وبعضهم صار يزيد في القول ويصفه بالفيلسوف، وكثير منهم جاءوا باستطرادات طويلة عنه وعن تميزه وعظمته مع لوم شديد على غفلة المجتمع عنه.

رأيت هذا كله وعجبت منه، لا سيما أنني لا أعرف صاحب هذا الاسم، ولا أجد له في نفسي رصيداً، مع أنني كنت على علاقة وثيقة بالشأن الثقافي منذ صغري وكنت على تواصل مع الصحف السعودية، كلها تقريباً، وخاصة الرائد واليمامة والجزيرة والمنهل، وعلاقتي مع هذه المطبوعات طويلة امتدت زمناً بدأ من دراستي في المتوسط ولم تنقطع إلا مع بعثتي بعد الجامعة بسنتين، لكن اطلاعي الصحفي ذاك لم يترك في نفسي أي انطباع عن شخص بهذا الاسم، ولا شك أن الاسم كان يحمل لي بعض الغرابة، فهو ليس حسين زيدان، ولا عزيز ضياء، وحسين سرحان، وحمد الجاسر، وابن خميس، وأبو مدين، ومحمود عارف، وأبو تراب الظاهري، ولا هو من الجيل اللاحق مثل علي العمير، وعبدالله مناع، وأحمد الضبيب، وعبدالله الجفري، وهو من أسماء جريدة الرائد. وهؤلاء وأولئك هم أسماء كانت تتردد في الصحف السعودية ولكن اسم حمزة شحاتة لم يكن من ضمن قائمة الأسماء التي كنا نراها ونعرفها في الصحف والكتب.

وفي المقابل فإن ذاكرتي تختزن أسماء أدبية وتاريخية جاءت من الكتب بدءاً من العصر الجاهلي وانتهاء بزمن العرب الحديث في مصر والشام والعراق والمهجر، وكلها لشعراء وكتّاب ورواد، ولم يكن لحمزة شحاتة مكان بين هؤلاء ولا أولئك، وهذا ما جعلني أعجز عن تصور هذه الشخصية، وكنت صادفت قولاً للأمير الشاعر عبدالله الفيصل أجاب فيه عن سؤال عن أفضل ثلاثة شعراء سعوديين، فقال: هم: حمزة شحاتة، ثم حمزة شحاتة، ثم حمزة شحاتة.

لم يطل مقامي في تلك الإجازة أكثر من شهر عدت بعده إلى بريطانيا، وهناك صرت أحدث زملائي من السعوديين عن هذا الرجل الذي شاركوني في عدم معرفتهم بأي شيء عنه، وما كنت أحدثهم من باب إخبارهم عنه ولكن من باب السخرية من صحافتنا التي إما أنها تبالغ بمجانية هازئة، أو أنها تكشف عن قصور خطير في تجاهلها لإنسان كان من الممكن أن يكون أبرز أسماء السعوديين إبداعاً، فيما لو صحت الدعوى.

أما السبب في تلاشي اسم شحاتة صحفياً وأدبياً، فهو لقصة محزنة كتبها هو بمداد روحه، وكان فيها الكاتب والبطل التراجيدي، حيث كان ضحية لرؤيته المثالية للحياة، في حين أن الحياة لم تكن كذلك، ومنذ أن ألقى محاضرته الشهيرة (الجولة عماد الخلق الفاضل) وهو يأخذ نفسه تدريجياً لتمثل مقولات تلك المحاضرة، وخاصة حينما كان يصرخ بالمرء الذي يعجز عن تمثل قيم الخلق الفاضل، بأن يستحي، ويكرر دعوته للحياء، والحياء خفر نفسي وسلوكي، وهو إذ يكرر جملته الطاغية في المحاضرة بالدعوة للحياء فإنه إنما كان رمزياً يرفض الحياة، وثنائية الحياء/ الحياة، هي ما ظلت تلاحقه روحياً وخلقياً حتى قرر الفرار من نفسه عبر الفرار من المكان، فسافر إلى القاهرة لا ليعيش هناك، وإنما ليلغي ذاته وينفي وجوده، وظل هناك ما تبقى من عمره، وقرر العزوف عن كل شيء، وفيما كانت القاهرة تعج في الستينات بالثقافة والسياسة والوهج كان هو في بيته يمزق قصائده ويلغي ذاته ويمسح اسمه، كل ذلك نتيجة لقنوطه من حياة لم تكن مثالية كما يريد، ولم يكن هو قادراً على حملها على تمثل القيم الفاضلة التي يريد، وهكذا خرج شحاتة من ذاكرة الصحافة، ولكنه بقي في ذاكرة مجايليه الذين كان لهم الفضل في إبقاء اسمه حياً على ألسنتهم، وظلوا يلهجون بالثناء عليه، وإسباغ الصفات على تاريخه المنسي، وهنا عرفت منهم خبر الرجل، بعد أن توطدت علاقاتي الشخصية بهم حينما عدت من البعثة عام 1398/1978، وعن طريق عبدالفتاح أبومدين نشأت لي علاقات شخصية مع الوسط الثقافي في جدة، وفيها ولدت فكرة البحث عن شحاتة ومسيرة التعرف عليه.

وبدأت مسيرة البحث،

أولها هي خلو الساحة - كل الساحة - من أي شيء من آثاره، حتى الذين سمعت منهم الثناء المفرط في شأنه لم يكونوا يحتفظون بشيء من إنتاجه، وكان ثناؤهم نظرياً وعاطفياً ولم يكن له من فائدة في المجال البحثي. ولكني مع هذا قررت التعرف على الرجل والبحث في أثره.

وابتدأ الأمر مع ابنته شيرين - رحمها الله - حيث استقبلتني مع زوجها في منزلهما في جدة وجلست معهما جلسة دامت ساعتين، وهي مسجلة عندي على شريط، وتحدثت شيرين عن أبيها وقالت كل شيء مما تعرفه البنت عن أبيها، حتى إذا ما نسيت، تطوع زوجها بتذكيرها ببعض الأمور، وفي بعض اللحظات كانت تنظر في عيني زوجها ليسعفها في التذكر، بدءاً من طريقة أبيها في توزيع أوصال الدجاجة المشوية على بناته الخمس وأخذ النصيب المتبقي له، ومروراً بتجنبه أكل الحلويات بعد أن أصيب بالسكر، ثم غضبته من شيرين حينما رأى على يدها خاتم ماس ثمين، وهالة هذا هو قد رباها على العفاف والاعتدال في الحياة ولم يهدأ باله إلا حينما أبلغته أن ذلك الخاتم هو تقليد وأنه منظر فحسب، وأن ثمنه زهيد، وهناك ابتسم، وكأنه قد قال: نعم بنت أبيها. ولم يكن اللقاء ليبلغ درجة المرارة إلا حينما ذكرت لي شيرين كيف أن أباها يتشدد عليها وعلى أخواتها في السماح لهن بالخروج للتنزه في حدائق القاهرة إلا بعد أن يخرجن له ما يمكن من قصاصات أوراق فيها بعض أشعاره، فكان يأخذ الورق ويحرقه ثم يسمح لهن بالخروج مكافأة لهن على تسليمهن لهذه الوثائق، كانت شيرن تقول هذا وهي تصف حالها وحال أخواتها حينما تضطرهن الحال إلى خيار مر بين التنزه والحفاظ على تراث أبيها، وكيف يعصرها الألم وهي تصف حال التسليم وحال إحراق القصائد من أجل الخروج إلى نزهة ما كان الأب ليمنعهم منها لولا أنه وجد ذلك وسيلة للقضاء على شعره وهو العمل الذي صار يندب نفسه له.

وكثرت اللقاءات والقصص والحكايات وكلها في لقاءات مسجلة مع زملاء شحاتة وأقرانه ومجايليه، وبلغت كلها أربعة عشر شريطاً وتقارب الثلاثين ساعة مسجلة، تمت كلها في بيوت أدباء جدة، وفيها شيء كثير من شحاتة وعن نشأة الحياة الثقافية في مكة المكرمة ثم رحيل الجميع إلى جدة، وكانوا أوفياء معي في ذكر كل شيء بلا تحفظ حتى في بعض ما لا يقال، وكانوا يطلبون مني عدم نشر أو ذكر أشياء وقد شدد محمود عارف على ذلك في عدد من المرات، أما محمد حسين زيدان فكان يطلب مني إغلاق المسجل كلما دفعه الاستطراد إلى ذكر أشياء لا يود أن تنشر، وكان يرى أن قولها مشافهة لي لا ضير فيه، ولكن لا تسجيل، وكانت الجلسة معه تمر بفترات تتراوح بين ما ينشر وما لا ينشر، وعرفت كثيراً من العلاقات الثنائية والجماعية بين ذلك الجيل وما فيها من حلو ومر، وما فيها من طريف ومحرج.

هي أشرطة مسجلة وقصص محكية، ولكن لا أدب فيه ولا شعر، وهي تاريخ أدب وتاريخ مرحلة وحكاية ثقافة تتكون وتنمو مع بناء الوطن والوحدة والتكوين السياسي، وفيها هنا ثراء شديد، ولكن لا أدب فيها.

فأين نصوص شحاتة....!؟

في ذلك الوقت (1402/1982) لم يكن هناك شيء ذو بال من شعره وأدبه، غير شيء قليل من كراسات محدودة منشورة في دار المريخ وتهامة والقاهرة، وهي تعطي مؤشرات أولى ولكنها غير كافية لتأسيس رؤية نقدية عن رجل يوصف بالعملاق، وذلك المنشور لا يعطي قناعة كاملة بعبقريته، وهي العبقرية التي تصر عليها وتؤكدها هذه الأشرطة التي بين يديَّ.

وهنا قمت برحلة من التعب أخرى.

- 2 -

جاء التعب هذه المرة في البحث عن شعر حمزة شحاته، ذلك الشعر الذي ظل الكل يتحدث عنه، ولكن لا نصوص، يتحدثون ويبالغون ويقولون ويكثرون، ولكن أين النصوص.

هنا بدأت الرحلة، وطرقت الأبواب، والكل يعتذر، هناك من قال إنه رأى الديوان مخطوطاً واستعاره من صديقه فلان، ثم أعاده إليه، وهناك من قال لي: وما يهمك من شحاتة وشعره، لقد مزق الرجل قصائده وانتهى الأمر، وهناك من حذرني من مغبات البحث عن شعره، ونصحني بالسلامة، وكل هؤلاء من أصدقاء شحاتة ومرافقيه، وصار الأمر وكأنما هو حديث خرافة أكثر مما هو أحاديث بحث وجمع. ولقد أوردت في كتابي (الخطيئة والتكفير) أسماء من تعاونوا وأسماء من تعذروا. ولكن البحث كان طويلاً ولم أترك باباً إلا وطرقته، وكانت شيرين معي متجاوبة وواعدة.

وحان موعد سفري إلى أمريكا للشروع في التفرغ العلمي الذي كنت خصصته للكتابة عن شحاتة، وهنا ضاق الوقت بين ضرورة السفر، وعدم حصولي على مادة تكفي للدرس، وتركت البلد مخلفاً ورائي وصيتين واحدة لشيرين بعد أن وعدتني بأنها ستبذل حتى المستحيل من الجهد للحصول على المخطوط الشعري من أي مصدر كان - ولم يكن عندها أي شيء منه - وذكرت لي أسماء وأماكن هي من المظان البحثية ووعدت بطرقها، والوصية الأخرى كانت مع عبدالفتاح أبومدين لتولي المتابعة.

وذهبت إلى أمريكا، وهناك شرعت في عملي العلمي على مستوى النظرية واستخلاص النموذج، وليس بين يدي سوى ورقات ونتف وكتيبات عن شحاتة تنبئ عن المفقود أكثر مما تغني عن الموجود.

وصار أن حلت إجازة رأس السنة فأخذت عائلتي في رحلة إلى جنوب كاليفورنيا، وديزني لاند، وعجائب لوس أنجليس، والعام 1983 يودع أسبوعه الأخير، وهنا طاب المقام لنا واستمتعنا بالاسترخاء والفرجة، وامتدت إجازتنا عشرة أيام، عدت بعدها إلى منزلي على ضفاف سان فرانسيسكو، وحينما وضعت حقائبي نظرت أول ما نظرت في صندوق البريد، وفوجئت بوجود ورقة صفراء تقول لي أن لك طرداً بريدياً وعليك الحضور لاستلامه، ثم وجدت أخرى تقول إنها الملاحظة الثانية عن الطرد البريدي، ثم وجدت ثالثة تعطي إنذاراً إما بالحضور قبل الساعة الخامسة من مساء الثامن من يناير 1984م أو فإن المكتب سيعيد الطرد إلى مصدره، لقد جاءت الورقات في أيام متتاليات أثناء غيابنا في الجنوب، وها نحن الآن عند الساعة الرابعة والنصف من اليوم الثامن من يناير 1984م، أي أن بيني وبين هذا الطرد نصف ساعة فإما أدركه وإلا راح إلى الأبد، وهنا أخذت نفسي جارياً على قدمي ممسكاً بالشارع الذي حسبته الأقرب إلى مكتب البريد وتركت السيارة في المرآب لأن فتح باب المرآب قد يطول ويضيع علي بعض دقائق هي الفاصل بيني وبين الطرد.

ورحت أجري في الشوارع كأنني لص هارب من ملاحقيه وكان منظري لكل من رآني يوحي بأمر جلل وقد يخيف الناس مني، خاصة في أمريكا وما فيها من جرائم ولصوص وشذاذ، وصرت أجري وانعطف من زاوية إلى زاوية، ومن مقطع في شارع إلى مقطع في شارع آخر، وكل همي أن أدرك مكتب البريد قبل إغلاقه عند الخامسة مساء، كل هذا وأنا لا أدري يقينا ما الذي ينتظرني هناك وهل هذا الطرد مهم أم لا، وهل له علاقة بشحاتة أم لا.

لقد كنت قبل سفري إلى لوس أنجليس أفكر بتغيير موضوعي عن شحاتة، والأخذ بجبران أو المعري كنموذج نقدي أجري عليه دراستي التشريحية، وكان كل ذلك بسبب قلة النصوص الشحاتية بين يدي وغياب معظم شعره عني، ومضى علي في أمريكا حتى تلك اللحظة أربعة أشهر ولم يصلني شيء من شيرين ولا من غيرها، على الرغم من كل الوعود والتحريصات وكل الانتظار، وكنت قد اتخذت قراراً شبه نهائي أنني حينما استأنف العمل بعد إجازة رأس السنة سوف أحسم الأمر.

وحينما كنت أجري في شوارع الباني، وهي قريتي التي سكنت فيها على حدود بيركلي وعلى إطلالة من سان فرانسيسكو وجسرها الشهير، حينما كنت أجري لم أكن أعلم أن الريح التي ورائي إنما هي ريح علمية تقول لي: عليك بشحاتة ولا تفرط به.

لقد جريت وجريت ولهثت ولهثت وتعبت وتعبت، ولكني وقتها كنت أمارس رياضة الركض كل ظهرية وقت الغداء الرسمي في أمريكا، وكنت أعرف تلك الشوارع كلها لأنني كنت أجري فيها ومضى على برنامجي في الجري حينها ثلاثة أشهر، وهذا أعطاني لياقة وقابلية للجري والسرعة، ومع ذلك لهثت وتعبت، لأنني كنت أجري لحظتها بلا حساب بين درجة السرعة ونسبة ضربات القلب وهي الطريقة التي تعلمتها من كتاب عن الجري، تحسب فيه النبضات وتوازنها مع إيقاعات القدمين، وذلك لضمان التوازن الجسدي، ومقدرة الجسد والقلب على تحمل السرعة، لقد كنت أجري وبلا حساب، وكنت ألهث بلا رحمة ولا تفكر.

ووصلت،

وصلت على الدقائق الأخيرة، ويا لعجب الموظفة في البريد حينما رأتني أقف أمامها على الطاولة العازلة بيننا وأنا ألهث وأتصبب عرقاً، وأمد لها يدي بالورقات الصفراء الثلاث، ولولا سرعة التحرك مني بتقديم الأوراق لظنت المرأة بي الظنون ولحسبتني حرامياً أو مجنوناً، وهذا يجري هناك خاصة مع لحظة الإغلاق حيث يكون صندوق البريد مليئاً بالنقود، وهو توقيت يعرفه اللصوص.

ولقد شفعت لي الورقات، ولم أكن في كامل وعي لحظتها لحساب ما يمكن وقوعه من تصرفاتي التي كانت توحي بأمر غير طبيعي، وفي أمريكا يمكن أن يؤدي هذا إلى مقتلك بمسدس سريع من شرطي أو من مواطن خائف، لأن هذه الحركات هي من الشبهات الخطيرة. وهي تختلف عن ممارسة المشي الرياضي أو الركض، لأنك في الحالتين تلبس ملابس رياضية وهي علامة تشرح سبب الركض وتبرره، لكن أن تركض بملابسك العادية وعلى مشارف المساء فهذا يعطي إيحاء خطراً قد يكون ثمنه باهظاً.

لقد ستر الله، وكم كنت ساذجاً فطرياً حيث عملت ما عملت، ولكن الله حفظ ثم إنه أعطى وأسجى.

قدمت لي الموظفة طرداً كبيراً وبمجرد أن لمسته أحسست أن داخله ورقات كثيرة، وكانت عيني أسرع مني في النظر إلى المرسل، وفيه رأيت: المرسل: شيرين حمزة شحاته.

يا الله، ما أكرمك يا رب.

جاء الديوان.

مخطوطاً، وقد أوشك أن يعود. وكلها دقائق.

لقد حسمت هذه الدقائق مصير الدراسة وصارت عن شحاتة، ولم تنصرف لجبران أو المعري.

لقد وفت شيرين - رحمها الله رحمة واسعة - ولقد وفى البريد في أمريكا حيث أدخل دراستي في عقدة درامية وصارت الدراسة.

وصارت الدراسة.....

٭ أستاذ النقد والنظرية - كلية الآداب - جامعة الملك سعود - الرياض.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة