.. هل يصح القول أن الفنان عبدالحليم رضوى - رحمه الله - هو الرائد الحقيقي لتيار الحداثة الفنية والإبداعية في بلادنا..؟!
اذا كان المقصود بذلك هو الأداء والممارسة الأبداعية الحديثة.. من خلال أداة فنية وإبداعية هي الأبرز في مفصل تحولات التجديد على المستوى الأنساني.. ونعني بها الفن التشكيلي.. فأن الجواب لابد أن يكون: «نعم» .. لأن مفارقة أنجاز الفنان القدير عبدالحليم رضوى تكمن في أنه بدأ حديثاً منذ ممارسته الأولى لفن الرسم.. وكان أشبه بقناة معزولة شكلت الصدمة الأولى لغرابة الأسلوب التشكيلي الحديث لدى المتلقي..وهو بالتالي أول من تلقى ردة الفعل الرافضة والمستنكرة بعد أن وجد معرضه الأول في بيروت عام 1964 الكثير من الأعجاب والترحاب من قبل انصار وعشاق الفنون الحديثة في الرسم والشعر والأدب.. الا أن ذلك لم يكن كافياً لجعل لوحته تحضى بإعجاب وقبول المتلقي المحلي.. ولم يجد التأييد والمساندة لعملة الفني والجمالي إلامن القليلين من أصدقائه ربما ليس إعجاباً بما يضع -لكن ايماناً منهم بصدق وأصالة موهبته.. ثم التحق بركب الأعجاب أبناء الجيل الجديد من الشعراء والكتاب الذين إستمالهم الانجاز الجديد للحداثة العربية شعراً ونثراً.. فأستجابوا له .. وتفاعلوا مع أعماله بحكم أن أدواتهم الشعرية والنثرية تجنح لتبنى نفس المفاهيم والأدوات.
.. ربما يكمن الخلل الأساسي في التجربة الفنية الجديدة التي مثلها الفنان عبدالحليم رضوى.. في أنها كانت أحادية الجانب حيث لم يرافقها طرح نظري .. يتولى مهمة تفكيك لغتها.. وشرح مفاهيم وتيارات واتجاهات أنجازها الأنساني.. وإضاءة مفاتيح اللغة التشكيلة الحديثة التي ضربت آثارها عميقاً في الشعر والنقد والأدب العالمي منذ مطلع القرن العشرين.
وإذا كنا نشير إلى هذا الخلل في عدم وجود رافد نقدي او نظري او تنظيري على مستوى الساحة المحلية.. فأن هذا بالتأكيد يدعونا لأن نشير إلى مكمن آخر لهذا الخلل الذي يتعلق بالفنان نفسه .. حيث أن المرحوم عبدالحليم رضوى .. لم يكن من ذلك النوع من الفنانين المؤسسين نظرياً.. بمعنى أنه لم يكن يمتلك القدرة على الدفاع عن إنجازه الفني في أي إطار نظري لابالكتابة ولاحتى بالحديث عن اللوحة.. بل نستطيع أن نقول إنه قد ترك العبئ الأساسي لأنجازه الفني والأبداعي ملقي على عاتق موهبته التي تعتبر رهانه الوحيد في مسيرته التشكيلية .. وترك مهمة التأويل الفني والجمالي.. بمثابة رهان يحسمه الزمن.. وهو ماحدث بالفعل .. حيث لم يلبث أن التحق بمسيرته آخرين مثل محمد السليم وصفيه بن زقرو منيرة الموصلي وعبدالله الشيخ وعبدالجبار (---) وغيرهم.. إلى أن أصبحت الحركة التشكيلة ملئ السمع والبصر.. وأصبحت تيارات الفن الحديث بشكل عام ممثلة في كثير من أعمال الفنان السعودي وتحظى بالإعجاب والتقدير دون أن ينس ذلك الدور الريادي المتمثل في تجربة الفنان الرضوى الذي ترك دنيانا عن 76 عاماً.. بعد أن صارع بشراسه ودون كلل أو تعب أو حتى إحباط ليؤكد شرعية ومشروعية تجربته الفنية والإبداعية التي تميزت بخصوصية شديدة في الأسلوب، وارتبطت عميقاً بجذورها المحلية التي قلدها وحاكاها واستفاد من عوالمها الكثير من الفنانين السعوديين.
رحم الله الرضوى الذي ترك لنا - في كثير من الميادين والساحات - ما يستحق ان نتعهده بالضيافة والرعاية.