
في حفل توزيع جوائز سلطان العويس، برهن الشعر عربيا على مكانة متقدمة لاتستطيع الأجناس الأخرى منافستها، فقد تألق محمد الماغوط رغم حشرجات حنجرته المنتهكة بالتدخين والكحول، ووهن جسده المحمول على كرسي بعجلات. قال عندما طُلب منه الحديث عن تجربته: ليس لدي ما أحكي، ثم ألقى بعد انتهاء الخطباء كلمة مختصرة استعاد فيها نزق اللحظات التي تربطه بضوء الشعر، فبعث الحيوية في القاعة المصغية. تكلم الباقون وهم المسرحي التونسي عزالدين المديني والناقد المغربي محمد مفتاح والباحث الفلسطيني انطوان زحلان والدارس والمترجم والوزير السابق المصري ثروت عكاشة، تحدثوا عن إنجازاتهم وتصوراتهم عن الثقافة العربية، وبدت كلماتهم وكأنها تلخص حكمة الحظوة بالتكريم، حيث تجاوزها الماغوط مع سبق الإصرار والتصميم: «أظل ضيفا عابرا» و«لأنني منذ الطفولة وحتى الآن: كلما تحركت ستارة سترتُ أوراقي بيدي كبغي ساعة المداهمة». كلمات عبرت القاعة مثل برق مباغت.
جلسة توزيع جوائز سلطان العويس هذه السنة مرت كما في كل مرة، بين فرح المكافأة المادية المجزية والفخر المعنوي. ولعلها بين كل الجوائز العربية تعبّر عن استقلالية ثقافية وخيارات تتوخى العدالة والموضوعية، فغدا الفوز بها مؤشرا للجدارة، أما الإجماع حول قيمتها المعنوية، فهو يشكل تزكية للمؤسسة التي تمنحها والرجل البسيط الذي عشق الشعر والأدب ومات ليترك ثروته تتمتع برعاية ذلك الحب.
ولكن هل حقا جائزة العويس محايدة، وهي التي لم تُمنح لأهم العقول العربية مثل العروي وأركون وعبدالعزيز الدوري وحتى الجابري أو القمني؟. ربما بمقدورنا مساءلة لجان التحكيم التي لم تتذكر تلك الاسماء، وهذه اللجان متغيرة، أي ان لكل موسم لجنته الخاصة، وفي الموسم الذي فاز فيه يوسف القرضاوي بجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي، كانت لجنة التحكيم تتألف من تركي الحمد وحسين الواد وصبحي حديدي وصبري الحافظ وفريال غزول وفيصل دراج ومسعود ظاهر وسواهم.. ومسؤولية فوز القرضاوي في زمن تلك اللجنة حبلى بالاشارات الدالة على اختلاف أفكار المشاركين.
فالقرضاوي الداعية المصري في تلفزيون الجزيرة القطري، يقف على الطرف النقيض لفكر العروي أو أركون مثلا، ولكنه يمثل أيضا قيمة مهمة في تمازج النزعة المحافظة الكامنة في محيط الجزيرة العربية الحداثي مع نزعة الاخوان المسلمين المصرية. وكما معروف يشكّل حلف الظواهري وبن لادن وجه التعاون المتطرف، في حين يمثل القرضاوي الوجه الأكثر براغماتية ومرونة في تلك المزاوجة، وهو بهذا يقترب من أفكار حشد من المثقفين العرب العلمانيين الذين لايجاهرون بإنتمائهم الوجداني إلى القاعدة.
والحق أن جائزة العويس تشخص كتاريخ في سيرة الثقافية العربية، فبعد أن انحسر دور قادة الدول النفطية الثورية كصدام حسين والقذافي اللذين وهبا المثقفين العرب رعايتهما وجوائزهما، برز دور الثري الخليجي الذي لا ينوء بحمولة السياسي، ولكن تكريس جزء من ثروته إلى الشأن الثقافي يعني الكثير في تحولات الأماكن العربية. فالامارات التي تتقدم اليوم على سواها من بلدان بعيدة وقريبة، أضحت مركزأ إعلاميا حرا ومتحركا، ولكن الأهم مافيها حيويتها المصرفية والاستثمارية التي يتسالم فيها الرأسمال الغربي والإسلامي على نحو غير مسبوق.
هي عبقرية نشأت في كواليس التواضع والدهاء القبلي الذي حقق إزدهارا لجزر صغيرة ومعزولة، في حين شكل الهدر في البلدان النفطية الثورية نموذجا لجذب التوترات والحروب.
الحيوية الثقافية للإمارات تجلت في الكثير من المظاهر في السنوات الاخيرة، ولكن جائزة العويس تبقى الحدث الأكثر إثارة للاهتمام في الحالة الثقافية العربية، فهي تجزي بعض من محتهم ذاكرة القاريء على غير حق، فقد كان وجود ثروت عكاشة الفائز بجائزة الإنجاز الثقافي والعلمي، قد استرجع تواريخ الثقافة المصرية الزاهية. عودة إلى تاريخه أثارت همهمات الحضور الذي تذكره بعضهم على نحو ساطع، فقد قرأ له وعبره الشباب العربي في الستينات وما بعدها ترجماته لكلاسيكيات اليونان وبينها «أوفيد أو فن الهوى» و«مسخ الكائنات» وكتبه التي تمزج الترجمة بالاجتهاد عن التشكيل الإسلامي، وغيرها من المنجزات الحضارية في الفترة الناصرية حين تولى وزارة الثقافة.حاولت كاتبة السطور ان تسأله عن عهد صعود العسكر إلى مرقى الثقافة إبان تلك الفترة، فعكاشة كان ضمن ضباط ثورة يوليو، ولكنه كان متعباً ومشتتاً في إجابته، وربما فهمت من قوله ان العسكرية فن سبق الثورة بالنسبة له وقد خدم وألف كتبا في هذا الفن خلال العهد الملكي، وهو فخور بانتسابه إلى الملكية.
حوار على الناصية مع الماغوط
أما الماغوط الذي خرج من القاعة وسيكارته معلقة بين شفتيه، فكان ذهنه الوهاج وإجابته عن الاسئلة دون تحفظات تلغي المسافة بين الجسد المتعب والروح الحرة الطليقة. كنت ألاحقه بالاسئلة، وقد استحلى لعبتها مثل كرات البينغ بونغ دون ان يتردد في الإجابة. شغلني سؤال عن علاقته وهو الشاعر العفوي، بشلة ادونيس ومجلة شعر التي حاولت أن تضع للشعر إشتراطات نظرية. قال: أنا انسان بسيط ولا أقيم كبير وزن للفكر والفلسفة في شعري أو حياتي، لست من المثقفين ولا تهمني هذه التسمية. شعري مجرد صور جميلة تعتمد على تميزي في النظر إلى الاشياء «شو مُفَكْر، مافي أخرا(أسوأ) من المفكر الشاعر، أنا هرقل على القصيدة، وبيصطفل غيري (ليذهب إلى الجحيم).
السخرية حلوة في الحياة وأنا من طبيعتي عندما أمر في الشارع ألفت النظر، سحنتي، طريقة تدخيني، مظهري، كلها حالة شعرية تشبهني». ويتحدث حول علاقته بأدونيس التي ترددت بين مد وجزر، فهو يرى ان أدونيس مسكون بفكرة حصوله على جائزة نوبل، وفي مسعاه يعمل كل شيء، «عم يزرع فاصوليا».. ولكنه يستطرد «وجهت الإساءة إلى أدنيس مرات رغم كونه صديقي ونسيبي.
استخدمني رياض الريس في شتمه واستجبت له، ولكن هذا لايعني إنني دائما على غير حق في الحديث عن عيوبه..
٭ ولكن كيف قيض لك ان تسبح في تيار تنظير جارف يعاكس نوع شعرك؟.
- يجيب: أنا طول عمري أحب الحب والمحبين، وكنت اعيش في تلك الفترة هذا الجو، أبو شقرا كان يسميني الطفل المدلل، وفؤاد رفقة يقول محمد لعين إلى حد البراءة.
٭ كان شعرك أصيلا، وكأنه طلع من بئر بكر، فهل وجدت اصداءه في شعر من لحقوك؟..
- نعم انا تركت أثرا في الكثير من شعرهم، بمن فيهم محمود درويش، خذي مثلا أمل دنقل، قصيدته « لاتصالح» ظهرت متأثرة بقصيدتي وبنبرتي السياسية الساخرة.
ألحق عربته التي تمضي، او كرسيه الذي يجره قريب له ليبتعد به. يضحك ويقول أنا عجول لا أتوقف ولكني ساكن في مكاني. دمشق التي لا أجرؤ على مغادرتها رغم كل شيء، أربعون عاما وأنا أمكث في مكان واحد.
متى توقف شعر الماغوط ومتى كف عن التأثير في الآخرين؟ أسأله، فيجيب منتفضا: أنا لم أتوقف وسأظل كما كنت في البداية، جمهوري يزيد ولا ينقص. كل الناس هم «طابتي» ويعني كرتي، أشكّلهم وفق ما أريد في الشعر، وأخلق اجوائي كيفما أشاء.
على عجل أعطاني تلفونه وقال زوريني في دمشق. قلت سأفعل قريبا.
رجعت من صحبته وأنا أحاور نفسي: هل تأخرت جائزة العويس على الماغوط، وقد منحت في السابق لمن هم أقل شأنا؟ ربما، وربما يبقى هذا الرجل الأنيس الشجاع لايرتبط بزمن معين، فألقه الشعري يمثل برهة تفصل جسده العليل عن روحه الوثابة. هو زوربا العربي الذي لايحد الكرسي المتحرك رقصته الطليقة.
نص كلمة الماغوط في حفل توزيع الجوائز:
« من يدعوني لإفتتاح أي معرض منتظر
كمن يدعو الخريف لافتتاح معرض الزهور
ومهما كتبت وأبدعت في أي مجال
أظل ضيفا عابرا على هذا الوطن الخالد والمفدى
فالى الوطن الذي يستقبلني
والوطن الذي ينتظرني
والى المحكّمين الذين لا أعرف عنهم أكثر مما
أعرف عن موقع الغيوم واتجاهاتها دون نظارتي الطبية.
كل ما أملك عدا عكازي وحزني،
من قبل قلت: آه لو يتم تبادل الأوطان كالراقصات
في الملاهي.
والآن أقول: آه لو يتم تبادل الأسرى مع أوطانهم
في كل حرب.
لأنني منذ الطفولة وحتى الآن:كلما تحركت
ستارة، سترت أوراقي بيدي كبغي ساعة المداهمة».