على مدار حياته، كان بين الكاتب المصري الكبير الراحل توفيق الحكيم واللغة العربية مشكلة ما. فمن يقرأ كتبه يجد أن لغتها أبعد ما يكون عمّا تسمى بالبلاغة أو الفصاحة. فهذه اللغة أقرب إلى المحكية منها إلى الفصيحة، أو لنقل إنها وسط بين اللغتين، وبقليل من التدبّر يمكن ردّها إلى العامية. وحتى الساعة لم يفصل أحد دارسي توفيق الحكم عمّا إذا كانت لغته البسيطة هذه (إن لم نقل الركيكة)، كانت نتيجة ضعف أصلي في علاقته بالعربية نتج في بعض جوانبه في سنوات طلبه للدراسة في فرنسا، وبالتالي لإجادته اللغة الفرنسية، أم أنه كان يصدر في ذلك عن موقف أيديولوجي أو سلبي من أم اللغات.
ويبدو أن مواقف كثيرة في سيرته الأدبية بإمكانها أن تعين الباحث في الفصل بهذه المسألة. فقد روى حسين أحمد أمين في كتاب له عن والدة أحمد أمين أنه التقى في شبابه توفيق الحكيم وتحدثا عن اللغة العربية والأدب العربي القديم، فأبدى الحكيم رأيه بصراحة في «الأغاني»، و«العقد الفريد» وسواهما من كتب التراث الذائعة الصيت. قال إن هذه الكتب بإمكانها أن تقوّم لغة الطلبة وتسعفهم فيما يتعلق بقضايا الصرف والنحو... أما ما عدا ذلك فإن بالإمكان بسهولة الاستغناء عنها تماماً والاستعاضة عنها بالكتب الأجنبية..
وبعدما وصل الحكيم إلى هذه النقطة طلب من حسين أمين ألا يخبر والده بما نصحه به خوفاً من أن يزعل منه..
ومن يراجع كتاباً حول مواقف في سيرة الحكيم صدرت قبل ربع قرن عن دار الشروق، يجد الخطبة التي ألقاها في مجمع اللغة العربية بالقاهرة عن اختياره عضواً فيه. في هذه الخطة يقول الحكيم إنه عندما علم باختياره لهذا المنصب فكّر بأن يطرح على المجمع لاحقاً أفكاراً «ثورية» أو «انقلابية» على غرار ما طرحه ذات يوم عبدالعزيز فهمي باشا الذي اقترح استبدال الحروف العربية بالحروف اللاتينية، ولكنه يعتبر - أي الحكيم - أن كل هذه الأفكار لن تجد طريقها إلى التنفيذ، ولذلك فهو يكتفي بالدعوة إلى تيسير الصرف والنحو من أجل تحديث العربية وجعلها أقرب إلى الحياة اليومية وبخاصة إلى الأجيال الجديدة.
ويبدو أن مراحل التعليم التي مرّ بها توفيق الحكيم في المدارس الابتدائية، والثانوية ساهمت في ابتعاده عن اللغة العربية. فهو يتساءل في «زهرة العمر»: لماذا ابتعدت عن اللغة العربية؟ ويجيب: السبب بسيط هو أن النماذج التي وضعت في أيدينا، ونحن صغار، لبلاغة العربية كانت كتباً غثة المعنى، متكلفة المبنى، أسلوبها أسلوب غايته قبل كل شيء أن يُبهر السمع النائم وأن يطرب الأذن المسترخية.. ثم يتساءل: أيجوز أن تُجعل لغة من اللغات وسيلة لهو وأداة براعة كفنون المغنين وألعاب الحواة، أم أن اللغة أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة؟
الحكيم إذن لم يعجب في الأساس بفنون البلاغة العربية ووقف منها موقفاً رافضاً معتبراً أن اللغة شُرّعت لكي تكون أداة يسيرة لنقل الأفكار النبيلة، في حين أنها تحولت على أيدي البلاغيين إلى معنى غث ومبنى متكلف..
واعتبر الحكيم بعد ذلك أن هناك ممثلين آخرين في التراث للغة التي ينشدها لا تعرف طريقها إلى الطلبة في المدارس. فقد قال إن جلال اللغة العربية في بساطتها وسيرها قدماً نحو الغرض، نجدها في كتابات الفلاسفة والمؤرخين العرب كابن خلدون والطبري وابن رشد والغزالي. ويتساءل الحكيم مندهشاً كيف أن هؤلاء لم يُعرضوا علينا قط في دراساتنا للأدب العربي بالمدارس.
وزاد الحكيم الأمر وضوحاً حين قال: إن كل كاتب عربي بسيط الأسلوب، نافع لنا في الحياة يُقصونه إقصاء بحجة أنه غير بليغ، ويأتون إلينا بالكاتب الذي لا ينفع في حياتنا إلا نموذجاً لإثارة السخرية!
ويصل الحكيم إلى مفتاح اللغة العربية ومفخرتها وهو الشعر. «الشعر الذي كان يجب أن ترى فيه نفوسنا المتفتحة أول لون من ألوان الفن، ماذا انتخبوا لنا منه؟ قصائد المواعظ والحكم»!
هناك حقاً - والكلام للحكيم، أنواع من الوعظ والحكمة يعرف الشاعر الحق كيف يلبسها ثوباً من الصور الحسية والذهنية ترفعها إلى مرتبة الفن العالي، كما فعل أبو العلاء والمتنبي والنابغة الذبياني في بعض قصائدهم. ولكن الفرز والتمييز والتخيّر في هذا الباب يحتاج إلى حاسة فنية لا يملكها القائمون بهذا العمل.. حتى الشعر الموسيقي والشعر التصويري الذي عرضوا علينا بعض نماذجه، في أعمال البحتري وابن الرومي على الأخص، لم يكن من خير آثارهما..
إن الكثير مما يقوله الحكيم يقع في محله. فمن منا يُنكر في أن اللغة العربية بحاجة إلى أن يُعنى بها ويحببها إلى الطلبة عن طريق تيسير صرفها ونحوها، والابتعاد عن كل تقعر فيها، ومن جملة ذلك أنواع البلاغة اللفظية، وبخاصة في هذا العصر الذي يجد فيه أبناء العربية وأجيالها الجديدة، قبل سواهم عنتاً شديداً، لا في اتقان العربية، بل في الإلمام بها. ومن منا لا يعترف بأن الأدب العربي القديم، في شعره ونثره، لم يُخدم ممن قدمه إلى طلبة المدارس، تلك الخدمة المبتغاة؟ إذن في ما يقوله الحكيم قدر كبير من الصحة.
ويبدو ما رواه الحكيم في «زهرة العمر» أنه كان بينه وبين الأدب العربي القديم ثأر، إن لم يكن دم مسفوك على حد قوله. فهو يروي أن والده ناداه، وهو فتى صغير، لكي يمتحنه. ناوله كتاب المعلقات السبع وأخرج له معلقة زهير بن أبي سلمى وطلب إليه أن يقرأها بصوت مرتفع. فلما وصل إلى ذلك البيت:
ومن لم يصانّع في أمور كثيرة
يُضرس بأنياب ويوطأ بمنسم
سأله والده عن معنى «يصانع».. ويكمل توفيق الحكيم روايته: فلم أوفق إلى إجابة صحيحة. وأين لمن كان في مثل سني وقتئذ أن يعرف حقيقة المصانعة في الحياة، وهو يجهل الحياة نفسها، وعلاقة الناس بعضهم ببعض، في ذلك المجتمع المعقد المتشابك؟ فلما لم أُجب بما يُقنعه، رفع كفه وضربني على وجهي ضربة أسالت الدم من أنفي. وجاءت على الصوت جدتي التي كانت تحبني، فصاحت به وأخذتني من يدي إلى حجرتها، وأنا ألعن المعلقات وأصحابها، بل ألعن الشعر كله. وكان من الطبيعي أن أحبه كما أحبه أبي، ولكن الدم الذي سال من أنفي بسببه، بغَّضه إلى نفسي مدة طويلة. وكيف يمكن أن أحبه وقتئذ، وبيني وبينه دم مسفوك! كرهتُ الشعر في تلك المرحلة!
على أن سوء التفاهم الذي بدأ بين الحكيم والشعر العربي سرعان ما شمل كما رأينا أصناف البلاغة سواء جرى استخدامها في الشعر أو في النثر. فقد نفر من التصنع في التعبير الذي وجده عند البلاغيين، وآثر عليه التعبير الطبيعي السهل الخالي من المحسنات البلاغية وما إليها، كالذي كتب به الفلاسفة والمؤرخون العرب. ولكن الذي كتب به الفلاسفة والمؤرخون كتبهم، لم يعرف طريقه إلى الطلبة والمدارس. أما تلك النماذج التي عرفت طريقها إلى الطلبة والمدارس فهي تلك النصوص التي تبين مع الوقت أنها نفّرت جيلاً كاملاً، بل أجيالاً بلا حصر، وأدّت إلى ما أدّت إليه فيما بعد، وهو عزلة العربية وضعف نفوذها عند الأجيال العربية بصورة خاصة.
لم يكن الحكيم بنظرنا عدواً استراتيجياً أو أيديولوجياً للغة العربية، وإنما عبّر بأسلوبه عن تجربة له مع هذه اللغة، وربما عن تجربة كثيرين غيره. وملخص هذه التجربة أن على المسؤولين عن قطاع التربية والتعليم أن يعملوا على خدمة العربية وتطويرها وتمثيلها على نحو مختلف عمّا يفعلون الآن. ومن قبيل ذلك تحديث أساليب تدريبها، وتيسير صرفها ونحوها، واختيار نماذج أدبية غير «بلاغية» في كتب التدريس تحبب الطلبة إليها. وهذه هي حدود «الثورة» التي يدعو إليها!