الرئيسية > ثقافة الخميس

صورة الأم في الرواية المحلية



طامي السميري:

عندما يتم رصد اطياف الشخصيات النسائية في الرواية المحلية نجد ان نموذج الأم مغيب إلى حد ما. وان كان حضر بشكل مختلف لدى عبده خال في اكثر من رواية وبالتحديد في رواية مدن تأكل العشب وتمثل في لوعة أم يحيى الغريب وكذلك في رواية الحزام. هذا التهميش لحضور الأم هل مرده إلى هذه الشخصية غير تسويقية ام ان هذا التهميش الروائي هو نتاج التهميش الذي تجده الام الواقع. الامر لايبدو واضحا في هذه المسألة. كيف يتم تجاوز الحضور التقليدي للأم في صورتها التقليدية: المرأة الضعيفة المستلبة. ما اسباب هذا التغييب، ماهي الملامح لهذا الحضور. نجد الاجابة في رؤية كل من الناقد محمد العباس والناقدة شمس المؤيد:

محمد العباس: لذلك التهميش الواضح أكثر من وجهة فنية وموضوعية، فالأم في رواية الحزام لأحمد أبو دهمان مثلا هي واقع معاش ورمز للنبع الأرضي أو هكذا تم ربطهما فهي نشيد القرية وروحها لدرجة أنها أزاحت شخصية «حزام» عن مواقعها وشكلت الكثير من التحدي لقيمته التبيئرية، وهذه هي طبيعة الإبداع المحتفي بالعوالم المغادرة حيث يتكثف السرد في مرموزة ذات سطوة روحية ومادية، خصوصاً عندما تكتبها ذات تم انتشالها من عفة النبع الأمومي، حيث يتم إعلاء القيمي حتى على حساب الفني أحيانا، أما في الروايات التي تقوم على النزعة الفردية والتعبير عن حداثة الحياة فيتضاءل دور الأم لأن وهم الراوي هو الذي يحيلها إلى قيمة غير جاذبة روائيا، وقد يتصور البعض أنها تربك الحدث وتقلل من فرص تمدد البطل المحوري، أو هكذا يتوهم بعض الروائيين ويجسدون حضور الأم في أغلب الروايات المحلية، إذ تكون في الغالب على هامش الأحداث، أي بما يتناسب مع واقع المرأة عموما، فهي ليست مضخة للأفكار أو المغامرات بقدر ماهي بؤرة للسكونية والنكالات الاجتماعية، أو الاستحضار الشعري الخاطف للتغلب على حالة انعدام الوزن التي تنتاب أغلب الشخصيات داخل المدن، الأمر الذي يجعل منها قيمة روائية بالية أو مستهلكة أو هذا هو منسوب تمثلها كما قرره الوعي الروائي المحلي، ويبدو أن العزوف عن استحضار شخصية الأم يعود لدى البعض إلى الرغبة في الفرار برواياتهم من وصمة الواقعية وتقليدية السرد. نادرة هي الروايات المحلية التي تخلو من وجود الأم ولكنها لاتبدو فاعلة كما يستدعيها عبده خال مثلا، فقد حضرت في روايات ابراهيم الخضيري وأحمد الدويحي وفهد العتيق وغيرهم ولكن حضورها لم يكن أكثر من مظلة نفسية رهيفة لشخصية محورية، وأعتقد أن للأمر علاقة جوهرية بمسألة البناء الفني والموضوعي للشخصية الروائية، فهنالك وعي قاصر لدى الروائيين يعطل انتاج شخصيات ساطية تمكث في ذاكرة المتلقي، وهذه هي إحدى معضلات النص المغترب عن حاضنه، المهموم باللعبة اللغوية، واجتراح رواية تقوم على تدبير الوقائع والحالات والشخصيات ولاترتد إلى المرجعيات الحيوية للسرد. النص الروائي بناء على درجة من التعقيد الفني والموضوعي، ولكن الرواية المحلية لاتكتب في أغلبها بموجب هذا الهاجس، ولاتتأسس تحت مظلة فكرية أو جمالية تنبث من خطابات عليا، انما من نزوات فيما يشبه التصريف النفسي أو التعبير عن اختناقات محدودة الأبعاد، وهو مايفسر اكتفاء الرواة بالمعنى البيولوجي والنفسي للأمومة، رغم أن الأم ثيمة متعددة الأبعاد، فهي أنثى قبل أي شيء وبالضرورة لها هوية وسجل أو تاريخ عاطفي ولكن غالبا مايتم تجاهله في الرواية المحلية.

شمس المؤيد: حقيقة إن صورة الأم في الرواية المحلية تكاد تكون غائبة أو نمطية ولاتمثل أي حضور مهم... والسبب الأول هو أن الروائي المحلي عادة مايهتم بالسرد الحكائي وترتيب الأحداث والبناء الداخلي للرواية دون الاهتمام برسم الشخصية بصفة عامة، حتى الشخصية الرئيسية غالبا ماتكون غير واضحة الملامح ولاتنبض بأي حرارة، أما الشخصيات الثانوية فإنها غالبا ماتأتي بشكل سطحي وغير متنام ويكون دورها هو تأطير دور الشخصية الأولى؛ ومن هنا فهي ترسم بطريقة نمطية متماثلة تخلو من أي حيوية داخلية أو حضور إنساني مستقل كما هو الحال في روايات ماركيز مثلا، أو في روايات كتاب عالميين آخرين. وبالنسبة للأم فهي لاتأخذ حقها ككيان مستقل في أي رواية محلية وإنما يأتي دورها مكملا لديكور الأحداث.. هي مجرد أم لها دور محدود في حياة البطل أو البطلة دور معين، ولاتحمل في تصرفاتها أو أقوالها مايشي بشخصية عميقة، هي مجرد رمز لفكرة الأمومة في معناها الأساسي؛ كأن تأتي كما في (سقف الكفاية) بشكلها الأمومي الحنون.. الأم العطوف التي توقظ أبناءها في الصباح وتحرص على إطعامهم قبل الخروج إلى المدرسة، أو تظهر بصورة المرأة المستكينة المغلوبة على أمرها المضحية بحياتها من أجل أبنائها كما في روايات قماشة العليان. وقد تأتي على أحسن تقدير تلك الأم التي تحرص على توعية بناتها ونصحهن بالصبر على هم الرجال وسوء طباعهم خوفا عليهن من الطلاق والتشتت وفقد الأبناء كما هي في بعض رواياتنا.

وهناك الأم المثالية الصابرة التي تحرص على تربية أبنائها بطريقة صحيحة وتعاني من اجل ذلك، ثم تضطر لفراق الإبن الحبيب الذي ينتقل إلى الخارج للدراسة وتظل تنتظر عودته بصبر وحنين، وحين يعود تصدمها رؤية زوجة أجنبية معه وابن يحمله على ذراعه لم تكن تعلم حتى بوجوده، فتنكسر نفسها وتتألم في صمت حزين، ويحزن الابن لألمها ولشعوره بأنه خذلها وتنصل عن المبادىء التي حرصت على تعليمه إياها.. هذه الصورة للأم المثالية المكافحة التي تقبل صدمات القدر باستسلام ورضا تام رغم نمطيتها الشديدة فهي تبدو أكثر وضوحا عن غيرها، وقد وجدتها في رواية (الغربة الأولى) لمنصور الخريجي.

وكما ذكرت في سؤالك فإن حضور دور الأم في روايات عبده خال يبدو أكثر وضوحا عنه في روايات محلية أخرى، ففي رواياته نجد نمطا جيدا للمرأة القروية ذات الشخصية التي رغم انشغالاتها بتدبير شؤون الرزق، وتعاستها وقسوة الحياة المحيطة بها، فإنها تؤثر في حياة أبنائها بشكل إيجابي وكبير، ولها صوتها الخاص ونبرتها المميزة.

صورة الأم التقليدية نجدها بشكل مميز وإن كان عابرا في رواية زينب حفني الأخير (لم أعد أبكي).. فهي المرأة المهضومة الحقوق التي تدفن همها في تربية ابنتها وفي تأدية عباداتها وواجبتها الدينية دون اهتمام بما يحدث في العالم من تطورات، غافلة عن مايحدث لابنتها من تغيرات وتطورات... هي هنا مجرد كيان لاقيمة له في مجتمع حديث متغير متبدل.. ربما تكون أقوى صورة لاندحار دور الأم وأكثرها إيلاما تلك التي رسمتها كاتبة رواية (جدة غير.. وغير) أو كاتبها (لافرق) ولعلها أكثرها بعدا عن الصورة النمطية المتكررة للأمهات..

ففي الصفحة 36 من هذه الرواية نجد صورة الأم العجوز المهملة والشاكية والتي تشعر بالقهر والمرارة لتصرفان ابنها الجافة تجاهها.. إنها تعبر عن مأساة الأمهات اللواتي يفقدن حب واهتمام الأبناء بعد زواجهم، حيث يأتي الابن العميد (الذي يدفع لها 300 ريال شهريا فقط من راتبه الضخم) لزيارتها في دارها القديمة مكرها ومن باب الواجب ليس إلا ويرفض شرب شيء مما تقدمه له، ربما قرفا مما آلت إليه حالها، أوربما للتعبير عن استيائه منها، فتقول لها بقهر أمومي: « حظرت عليك حرمتك ماتشرب الشاي عند أمك، برسمتك بشخطتها ونقطتها خلاص؟.»، ثم تردد على مسمعه قولها كلما أغضبها إهماله وتجاهله لها: «صدقوا أهل أول، لماتولد الحرمة يغنوا لها: لماقالوا لي بنية قلت الحبيبة جاية، تكنس لي وتفرش لي وترد الوحدة عليا. لما قالوا لي غلام، انكسر قلبي وغام، قلت أكبره وأسمنه تجي تاخده بنت الحرام». ونرى الإبن وهو يفكر في أمه متأملا: «في قلوبنا سعة وضيق صوب الأم، ومرام (أي زوجته) مثل محيط تأكل من قلبي الأخضر واليابس، لأ أجد في قلبي رطوبة لتلك العجوز» ربما لأن الأمهات لايفصحن عن جوع للنداوة. ثم يستعيد الذكرى: (أمي لم تفصح قط، سربت محبتها لي في اللبن في الأرز الكابلي، وفي السحلب بالزنجبيل، في الشاي بالنعناع وعطرة المدينة، فلما توقفت عن مقاسمتها اللقمة انكسرت تلك البوصلة التي ترشدني لمحبتها، والتي تقودني لحاجتها لي! ولم أعد اشعر بحاجتها لي كمحب، ويتحدث عن بيت امه القديم التي رفضت الخروج منه (إلا دار امي الملكة وحارتها، لكأن الدار تتعاضد مع عجوزها للتنكيل بي، لتعميق هذه الفجوة بين امسي ويومي، امي تريد ان تحبسنا جميعاً في امسها، لا تصدق اننا قد طلعنا من القمقم بلا رجعة).

وفي الصفحة التي قبلها يقول (في عصرنا الضوئي فقدت الامهات وظيفتهن، بقيت لهن وظيفة احراجنا نحن الابناء في نضالنا للطفو في واقع معاصر ثري يتعولم).

هنا صورة للأم الثابتة على مواقفها التي ترفض ان يخرجها أحد من بيتها القديم، ويجبرها على العيش في بيت حديث تتصدره الزوجة صاحبة الكلمة الاولى.. وهي صورة ترصد الواقع الاليم في حياتنا، حيث فقدت الام مكانتها وقيمتها التي كانت لها فيما مضى. صورة تخالف النمطية المألوفة ولكنها تعبر عن بؤس الامهات المهملات. ربما تكون هنا وفي هذه المقاطع المختارة الاجابة لتساؤلك عن السبب في ضآلة دور الام في الرواية المحلية. الامهات فيما يبدو فقدن ادوارهن.. امهات الامس اللواتي كن يسهرن على راحة ابنائهن بأنفسهن ويضحين بالغالي والثمين من اجل تنشئتهم التنشئة السليمة، وامهات اليوم اللواتي تقوم الخادمات بدور التربية والسهر على الابناء بدلاً منهن على السواء. لا غرابة ان لا نجد للأم دوراً في الرواية المحلية بعد ان اصبحت الامهات كما يقول بطل رواية (جدة غير.. وغير) في مكان آخر (أمهاتنا يقمن في عصور انقرضت).

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة