الرئيسية > ثقافة الخميس

أحوال

قلم كوبيا


إبراهيم أصلان

أنا لا أعرف ماذا جرى للقلم الكوبيا، ولاكيف انقطع خبره.

هذا القلم الذي كان سيداً مهيمناً، فالمواثيق والعقود والمحاضر لم تكن تكتب إلا به، ولايوجد موظف في عموم البلاد خلا جيبه من واحد بلبيسة معدنية، ولايوجد تلميذ إلا وبلل طرف إبهامه ولونه به، ولايوجد آخر إلا وهناك أثر منه على لسانه أو شفته. ولاتؤثر فيه الممحاة.

ولما سألت عنه الرجل في المكتبة، تطلع إليَّ طويلاً وهز رأسه نافياً.

على أية حال لايهم. فهو لم يكن محبوباً ولا انتبه لغيابه أحد، طابعه الرسمي أضفي عليه شيئاً من المهابة، ومن النفور. وفي كل ليلة كان أبي ينتظر حتى أستغرق في النوم، ثم يربط ساقي بخيط الدوبارة في رجل السرير، ويعقد الخيط ويبلل العقدة ويلونها بقلم الكوبيا، وما ذلك إلا لأنني كنت، حتى سن متقدمة، أغادر الفراش ليلاً، وأفتح باب الشقة وأغلقه ورائي وأنا نائم، ثم أروح لا أعرف إلى أين، وبعد أن تنتهي هذه الجولة المجهولة أعود إلى البيت، أخبط على باب الشقة فيستيقظون ويفتحون لي، ثم أتجه إلى الفراش رأساً وأواصل النوم، وتبكي أمي بقية الليل عند رأسي. وفي الصباح يراجع أبي عقدة الخيط الملونة المفكوكة، ويبدي تعجبه من أنها لم تستطع أن تمنعني عن جولتي الليلية. إلا أنه كان يربطني في رجل المقعد ويصنع عقدة يبللها ويلونها، ويغطي القلم باللبيسة ويعيده إلى جيب السترة المعلقة، ثم يذهب إلى قيلولته مطمئناً إلى أنني لن أعبر الشارع، وأخلع ثيابي، وانزل إلى النهر. ولم أكن أجسر أبداً على فك الخيط. وعندما استأجرت الدراجة ورحت أتقدم بها على طول الشاطئ، والمرأة تسبقني وهي تمسك مقطفاً خالياً في يمناها، وما أن جاورتها حتى رفعت أمام وجهي جنيها أخضر، تناولته أثناء مروري وتوكلت.

كان رجل اعتدنا رؤيته وهو يرتدي مريلة بيضاء ويحمل على رأسه قمعاً من الزجاج له أضلاع من النحاس النظيف الأصفر وممتلئاً بأقراص المشبك والبسبوسة والكنافة وجوز الهند وغيرها. كل يوم نراه ونتبعه بعيوننا. أعطانا بالجنيه وليمة كاملة من الحلوى، وجلسنا وأكلنا حتى شبعنا ولففنا الباقي جيداً حتى نلتقي مساء، ودفناه إلى جوار واحدة من أشجار الشاطئ الهائلة التي تدلت فروعها وصنعت جذوراً أخرى، وعدت إلى البيت.

كانت الدنيا مقلوبة مما أصابني بالدهشة. المرأة عرفتني وهي كانت ذاهبة بالجنيه تشتري طحينا. لم أضرب كما ضربت في ذلك اليوم. وجاء وقت القيلولة وهي مقدسة. هكذا ربطني من يدي في رجل مقعد منجد واتجه حيث سترته المصلحية وأخرج القلم الكوبيا وبلل الخيط ولون العقدة التي لن أجسر على حلها ودخل الحمام وخرج إلى حجرته ونام.

وجاء وقت الخروج إلى اللعب وهو مقدس شأن قيلولته بالضبط. فضلاً عن الحلوى التي كانت تنتظر تحت الشجرة والتي جعلت إصراري مضاعفاً، ولم تكن أمي موجودة، هكذا عافرت حتى حملت المقعد على رأسي ويدي مربوطة في رجله وتقدمت في حارة الافندي وخرجت إلى النهر. وضعته على حافة الشاطئ وجلست عليه مائلاً بسبب يدي المربوطة، ولم يمنعني ذلك من المشاركة في اللعب، نظرياً، عبر التوجيهات العامة والمداخلات التي لاتنتهي، وتناول ماتبقى من حلوى مع الأولاد. والعم محمد الذي قام من النوم لم يجدني، ولا وجد المقعد، وانا انتبهت إلى الصمت الذي حل بالأولاد، والتفت لأجده هناك في الجانب الآخر من الطريق، يضحك، ويضرب كفاً بكف.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    قليلون الذين يعرفون قلم الكوبيا من جيل ما بعد منتصف القرن الماضي، وهو القلم الذي له صولات وجولات في المدارس كما الدوائر الحكومية.
    كان استاذنا عبدالله المزين (رحمه الله ) يمنعنا من اللعب في مياه الامطار الراكدة في الشوارع خوفا علينا من الامراض، فكان اذا انتهى الدوام في المدرسة طلب من كل طالب ان يمد له رجله فيرسم حجلا في منتصف الساق بقلم الكوبيا..!!
    وفي الغد يطلب من الطلاب ان يمدوا سوقهم فيكشف عليها والويل كل الويل لمن تغير لون القلم في ساقه..!!!

    المربد - زائر

    02:19 مساءً 2006/03/11



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة