
يشدد أنصار الترجمة المتعددة على الفائدة المرجوة من إعادة ترجمة الكتب المهمة، فالترجمة تخضع للسياق الثقافي الحاضن لها، وبتغير السياق تتغير المفاهيم، والأفكار، ويصبح من الضروري تقديم ترجمة جديدة تمتثل لروح العصر الجديد، ناهيك أحيانا عن أخطاء تقع في الترجمة، والمثال المشهور هو الترجمة العربية القديمة لكتاب أرسطو «فن الشعر» الذي اقتضى، فيما بعد، ترجمات كثيرة، لتلافي الأخطاء التي سقطت فيها الترجمة الأولى، وبالإجمال فالترجمات الجديدة للكتب القديمة تجعلها تنخرط في القضايا المثارة في عصر الترجمة أكثر من عصر التأليف، ومناسبة هذا الحديث ظهور ترجمة عربية جديدة لكتاب «الطريق إلى مكة» لمحمد أسد قام بها رفعت السيد علي وصدرت عن المجلس الأعلى للثقافة بالقاهرة، وكانت ترجمته الأولى ظهرت في عام 1955م قام بها عفيف البعلبكي بعنوان «الطريق إلى الإسلام» بعد صدور الكتاب بطبعته الأصلية بعام واحد فقط، وربما تكون الطبعات العربية زادت على العشر منذ ذلك الوقت، فلدي الطبعة الخامسة التي اقتنيتها في بغداد بعد وقت قصير من صدورها في عام 1977م، وقدم لها عبدالوهاب عزام الذي تربطه صداقة متينة بمحمد أسد.
وبغض النظر عن تعلقي بالترجمة الأولى التي جاءت بلغة عربية رفيعة وناصعة وثرية، و بعيداً عن التغيير الذي لحق بالعنوان الأصلي للكتاب، فالترجمة الجديدة للكتاب تأتي في الوقت المناسب، حيث يعاد إنتاج الفكر الإسلامي بغيرما كان الأمر عليه قبل نصف قرن، وهذا الكتاب على قدم صدوره ينخرط في سجال عصرنا، وهو سجال يرسم أمامنا سوء تفاهم ما أنفك يتعاظم خطره ولعل أهمية الكتاب تتأتى من أمور كثيرة، منها أنه مدونة شديدة الأهمية كتبها غربي عن تجربته الشخصية في خوض غمار الإسلام، واكتشافه، والإيمان به، وهو النمسوي ليوبولد فايس الذي ولد في عام 1900، وتوفي في عام 1992 وأسلم في عام 1926، وتسمى ب محمد أسد.
وفي هذا الكتاب رسم ببراعة تجربة مزودجة يكتشف فيها الإسلام والمجتمعات الإسلامية معاً ويتزامن فيه مستويان مادي وروحي، ففي الوقت الذي يتقدم فيه كرحالة لاكتشاف المجتمعات الإسلامية، ينبثق في داخله رحلة تحول ديني من اليهودية إلى الإسلام، وينتهي بالربط بين المعرفة والتحول بما لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، وفيما يبدأ محمد أسد برحلته المضنية من نجد إلى مكة برفقة دليله زيد (إذ تتوارى شيئاً فشيئاً شخصية ليوبولد فايس) تتوازى في كل مرحلة من مراحل رحلته الصحراوية تجربتان: حياتية وروحية، بما يمثل توازياً محكماً بين السرد والحكاية، وحالما يبلغ مشارف مكة، يبلغ أيضاَ نهاية وصف رحلته الروحية إلى الإسلام والكتاب كشف تاريخي، وديني، واجتماعي، وسياسي، لشبه الجزيرة العربية في العقد الثالث من القرن العشرين، ولكثير من المجتمعات الإسلامية في إيران، والعراق، ومصر، وشمال إفريقياً، حيث يجوب هذه الأماكن في مهمات كثيرة.
وتأتي أهمية الكتاب أيضاً من تقاطيع المصائر لمؤلفه الذي ينتسب لأسرة يهودية فقد شعر بالحاجة إلى ملء فراغ روحي فانكب على دراسة التوراة والتلمود، لكن المفهوم القبالي اليهودي المشغول بمصير أمة واحدة فقط تضارب ومفهومه للّه بوصفه خالقاً لجميع البشر وراعيهم، الأمر الذي أبعده عن ديانته، في عام 1922 زار فلسطين، وفور وصوله أولع بحياة العرب وطبيعتهم فشكل ذلك أحد أسباب تعاطفه معهم والتزامه مصالحهم وقضاياهم، فقد كانوا مربوطين بالأرض وتاريخها ومندمجين في مناخها، ولدى إقامته الأولى في فلسطين أحس أن قدره هو الإسلام ولعل أكثر ما جذبه فيه هو فكرة ابتكار حضارة لا مكان فيها للقوميات الضيقة، والمصالح الخاصة، ومفهوم الطبقات بين البشر والكهنوت.
وفي عام 1927، غادر أوروبا إلى الشرق ومكث خمسة وعشرين عاماً من دون انقطاع «بلا إنذار وصل عالمي القديم إلى نهايته، عالم مشاعر وطموحات وتصورات غربية انغلق الباب خلفي بصمت لم أع فيه شيئاً» وحين وصل إلى السعودية انغمس هناك في دراسة الإسلام وحسن لغته العربية، وتقرب إلى الملك عبدالعزيز آل سعود الذي اهتم بوجهة نظره حول الغرب، وحال العالم العربي، فجعله مستشاراً خاصاً له مدة طويلة، وزوجة، وقد فصل علاقته الوثيقة بالملك في الكتاب، وغادر السعودية في عام 1932لزيارة الهند والصين وإندونسيا.
وفي مدينة لاهور الباكستانية التقى الشاعر والفيلسوف محمد إقبال الذي أقنعة بالبقاء لمساعدته في أعماله الفكرية، فأغرته الفكرة وأنسته حبه للترحال، فتعلم لغة البلاد، وسرعان ما نشر في عام 1934 كتاب «الإسلام على مفترق الطرق» الذي عالج فيه موضوعاً إسلامياً صرفاً، ودعا إلى تجنب تقليد أنظمة الغرب الاجتماعية وقيمه المادية وإلى المحافظة على الإرث الإسلامي، ودعم فرضياته بمسألة أن الحضارتين الغربية والمسلمة ترتكزان على مفاهيم حياتية متضاربة كلياً وغير متلائمة روحياً، وعرف هذا الكتاب رواجاً كبيراً فأعيد طبعه مرات عدة وترجم إلى لغات عدة، وشكلت الترجمة العربية التي صدرت في بيروت عام 1946، المرجع الأساس لكتابات سيد قطب الأولى.
استقر أسد في مدينة لاهور، حيث اشتغل على صوغ دستور ذي طابع إسلامي، وتم تبني النص في عام 1956 دستوراً للباكستان، وأمضى عامين ممثلاً لباكستان في الأمم المتحدة، ثم قدم استقالته، وكرس وقته للكتابة، فبدأ أولاً برواية قصة ضياعه الشخصي، واكتشافه الإسلام في كتاب (الطريق إلى مكة 1954) ثم عمل على كتاب (الإسلام والغرب: مقابلة بين عالمين 1960) فكتاب (مبادئ الدولة والحكم في الإسلام 1961) وقام بترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية بأسلوب مبسط، بقي فايس/ أسد ناشطاً كتابة وسفراً بين الشرق والغرب إلى آخر أيام حياته التي أمضاها في إسبانيا، حيث أوصى أن تكون المقبرة الإسلامية في غرناطة مثوى له.
abdullah_ibrahem.com