الرئيسية > ثقافة الخميس

بين حافظ الشيرازي ومحمد علي شمس الدين

الديوان الشرقي والديوان الغربي



بيروت - مكتب «الرياض» - جهاد فاضل:

يثير ديوان «شيرازيات» الصادر حديثاً في بيروت للشاعر محمد علي شمس الدين، والذي بموجبه نقل 75 قصيدة غزل للشاعر الفارسي حافظ الشيرازي إلى العربية، قضيتين رئيسيتين، الأولى هي ترجمة الشعر من لغة إلى لغة، والثانية هي الالتفاتة في ترجمة الشعر ناحية الشرق، في حين أن المألوف في العادة كان أن الالتفاتة نحو الغرب، إذ نادراً ما اهتم المثقفون العرب بنقل شعر من بلدان الشرق إلى العربية، في حين أنهم اهتموا اهتماماً واسعاً بنقل الشعر الأوروبي والأمريكي، وعن غير استحقاق، في الأعم الأغلب.

ترجمة الشعر من لغة إلى لغة مسألة لا يستسيغها كثيرون وبخاصة إذا سلكت مسلك الترجمة الحرفية أو شبه الحرفية. ذلك أن الشعر ليس نصاً تقريرياً أو إدارياً بارداً، وإنما هو نوع من عملية إبحار داخل النفس وداخل اللغة نفسها. إنه نص ملتصق بالنفس، كما هو ملتصق بلغة وبأدوات هذه اللغة. لذلك تؤلف عملية نقله الحرفي أو شبه الحرفي إلى لغة أخرى عملية متعسفة نظراً لأنه لا يصل إلى هذه اللغة الثانية إلا كما يصل المسافر إلى بلده بعد اجتيازه ألف حول وحول. بل ان هذا النص الأجنبي يكاد لا يصل منه شيء يُذكر، وتكاد عبارته المنقولة لا تقول شيئاً، في حين أنه يبدو في لغته الأصلية مشمغاً متوهجاً نابضاً. ويلاحظ ذلك كل من يقرأ ما تنشره الصفحات الثقافية العربية من ترجمات للشعر الأجنبي: يقرأ ولا يفهم، ويعيد القراءة فلا تضيف هذه الإعادة شيئاً يُذكر لقراءته الأولى، ومع الوقت يُخيّل إليه أن هذا الشعر الأجنبي المنقول إلى العربية هو من نوع النصوص التي تسد بها الجريدة أو المجلة مساحات الفراغ. ويمكن القول بلا مبالغة، إن هذا النوع من الشعر المترجم لا قارئ له على الاطلاق، فإذا توفر هذا القارئ فإنه لا محالة كاتب عربي يكتب مثله. أو على غراره، عن ظنّ منه أنه إذا كان هذا شعراً في بلد منشأه، فلماذا لا يكتب مثله فيكون ما يكتبه شعراً ويكون هو شاعراً؟

والواقع أن هذه النصوص الشعرية الأجنبية الخرساء بدأت تُترجم إلى العربية بدأب وانتظام منذ بدأت مجلة «شعر» اللبنانية بالصدور في منتصف الخمسينات من القرن الماضي. كان القيمون على هذه المجلات يأخذون النص الشعري مآخذ شتى، ويرون أن علاج هذه المآخذ لا يتم إلا بالانفتاح على الشعر الأمريكي أولاً والأوروبي ثانياً. وقد خصصوا في كل عدد منها صفحات كثيرة لهذا الشعر الأجنبي منقولاً إلى العربية. ولأنه سرت يومها إشاعة تقول إن «شعر» مجلة طبيعة ورائدة، فقد ظن كثيرون أنه باحتذاء مثل هذه النصوص الأجنبية يتحولون إلى شعراء.. وهذا ما حصل بالفعل.

ولو أراد أحد الباحثين العرب اليوم أن يعود إلى الصفحات الثقافية العربية منذ نصف قرن إلى اليوم، لوجد أنه لم يبق قصيدة واحدة لشاعر دانمركي أو ايرلندي أو سويدي أو بولندي أو إيطالي أو أميركي أو غير ذلك، إلا ونقلت إلى العربية دون أن يتبين مع الوقت أن هذه القصائد شكلت «خميرة» انضجت شعرنا، أو شفته من علله، والمآخذ عليه وحوّلته إلى شعر حداثي. بل ان هذه القصائد الأجنبية أساءت إلى التربية الشعرية التي يفترض أن يخضع لها المرء حتى يصبح شاعراً. فقد اعتبر جيل كامل من المتأدبين العرب أن عنصر الثقافة ومعه المتانة وامتلاك أدوات الشعر المعروفة، تؤلف كلها «دقة قديمة» تنفر منها الحداثة والمعاصرة. يؤيد ذلك هذه النصوص الأجنبية التي باستطاعتهم أن يكتبوا مثلها. فلماذا إذن شعرية العرب بأوزانها وقوافيها وبقية شروطها، طالما أن باستطاعة المرء أن يصبح شاعراً، وشاعراً حداثياً بدونها؟

ان علي شمس الدين لم يلتفت إلى هذا الركام الرث من الشعر الغربي، وآثر الاهتمام بشاعر فارسي عرفاني قديم هو حافظ الشيرازي، ولم يلجأ إلى الطريقة التقليدية في ترجمة الشعر، شعراً أو نثراً، وإنما لجأ إلى طريقة أخرى وجدها الأفضل في ترجمة الشعر، تتمثل في «التعريب» تصرّف تصرفاً ملحوظاً في التفاصيل وسكب جوهر المعنى في إناء العربية بكل ما فيها من بلاغة وأصول وأوزان وتطور حديث.

«تعريب» لا «ترجمة»، أو على وجه الدقة «تناص»، أي انشاء وإبداع نص من نص، أو نص على نص. انشأ قصائد عربية تأسيساً على نصوص حافظ الفارسية، مع الحفاظ على روح الشعر.

وإنشاء نص جديد على أساس نص آخر، شبيه بعلاقة الوجه بعدد من الرسامين الذين يرسمونه أو بعلاقة النموذج الواحد (المثال) بعدد من الفنانين، كما يقول الشاعر. ففي كل صورة مرسومة مبدعة لهذا الوجه الواحد، نرى صورتين لا صورة واحدة: صورة الأصل وصورة المصوّر أو الرسام». وهذا هو على وجه التقريب، شرط نقل شعر من لغة لأخرى، فتتعدد الصور للأصل الواحد بتعدد الرسامين. إنه توليد شعري بلغة المؤسس على توليد شعري آخر بلغة أخرى، والتقاط ما هو مشترك بلغتين مختلفتين.

إنها طريقة في نقل الشعر أتاحت لمحمد علي شمس الدين كمية كبيرة من الحرية والمرونة في التعاطي مع نص شعري أجنبي. لم يترجم محمد علي شمس الدين، تلك الترجمة الحرفية المعروفة، وإنما تدخل وتصرّف وأضاف دون أن يفارق روح النص الذي يتعامل معه. وبذلك كان أباً ثانياً لهذا النص، دون أن ينكر أبوّة الأب الأول، أو يسيء إليه. وما فعله لهذه الجهة شبيه بما فعله الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي ببعض رباعيات الخيام. صحيح أن النجفي التزم بوجه عام نص الرباعيات الفارسي، إلا أنه تصرف ببعضها عند الترجمة دون أن يراعي الأصل تمام المراعاة. ولكنه كان تصرفاً جلب له استحسان نفر من علماء الفرس الخبراء بالرباعيات. إذ قال هؤلاء إن المعنى الذي أضافه أو اهتدى إليه النجفي، كان أغنى وأعمق من المعنى الذي سكبه الخيام في رباعياته الأصلية.

لا شك أن ما فعله محمد علي شمس الدين في «شيرازيات» حافظ يختلف بعض الشيء عمّا فعله شاعر كالأخطل الصغير عندما نقل إلى العربية شعراً قصيدة للشاعر الفرنسي لامارتين، أو ما فعله نزار قباني عندما نقل للشاعر الفرنسي جاك بريفير قصيدة أخرى. فالأخطل، ونزار، التزما النص الأصلي التزاماً تاماً حيناً، أو شبه تام حيناً آخر، إذ وجدا أنه لا مفر من بعض التصرف الذي تقتضيه ضرورات شتى.

على أن لتوجّه محمد علي شمس الدين نحو تراث الشرق الشعري، المتمثل هذه المرة بتراث شاعر فارسي إسلامي عرفاني، فضائل كثيرة، أولها الانفلات من هذه العقدة التي شدّت شعراءنا منذ أكثر من نصف قرن نحو الغرب دون تحقيق فتوحات أو انتصارات تُذكر. فالغرب علم وصناعة وتقنيات، ولكنه ليس شعراً الآن على الأقل. ليس في الغرب الآن كما لم يكن في الأمس القريب، شاعر في قامة طاغور أو إقبال أو فكتور هيغو أو شكسبير، وإنما هناك شعراء معتدلو الأهمية، أو قليلو الأهمية يؤلفون في تراث الغرب الثقافي الحديث ما كنا نسميه في تراثنا القديم «بالنسيب الفقير». هذا الشعر الغربي المعاصر، هو جزء من الثقافة الغربية، ولكنه جزء هامشي لا قيمة له. ولكن الشرق الفارسي، وغير الفارسي، قديمه وحديثه، وقديمه على الخصوص، مليء بتراث شعري عظيم، جدير بشعرائنا المعاصرين أن يطلعوا عليه لأنه يحمل جذوة الشعر، وهي جذوة خبت في الغرب المعاصر لألف سبب وسبب، ولكنها ما زالت ملتهبة في الشرق لألف سبب وسبب.

لقد جاء وقت كان الشاعر العربي بشخص بدر شاكر السياب، يطأطئ رأسه أمام شاعرة انكليزية مثل إديث سيتويل، ويعلن انبهاره الشديد بها لا لشيء على الأرجح إلا لأنها إنكليزية أو لم يستفد السياب شيئاً من سيتويل وظلت ينابيعه الشعرية ينابيع عربية صرفة تقريباً. ولكن المغلوب يميل إلى التقليد الغالب في أكثر الأحيان، وإلى اعتباره القدوة والنموذج دون تدقيق كاف في هذا الذي يقدمه الغالب. ومن يقرأ «الشيرازيات» كما نقلها الشاعر محمد علي شمس الدين إلى العربية يجدها حية نضرة محتفظة بسمتها القديم، مضافاً إليها اشراق جديد. فالقائل شاعر كبير يعرف اللغتين وقد سكب في «الشيرازيات» روحاً عربية حديثة. وما قام به يستحق التوقف عنده نظراً لاختلافه عمّا سبق من محاولات في نقل النص الشعري الأجنبي. والتفاتته نحو الشرق تستحق التنويه أيضاً، كما تستحق المتابعة. فما نأمله أن تكون «شيرازيات» بداية الترجمة أو تعريب تراثات شعرية فارسية وهندية وصينية وشرقية أخرى، خاصة وأنه لم يبق قصيدة واحدة من الشعر الدانمركي والنروجي والبولندي والبلجيكي والتشيكي والأمريكي إلا وترجمت إلى العربية بهذه اللغة النثرية الرثة والتي نجدها في الصفحات الثقافية العربية منذ أكثر من نصف قرن.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة