الرئيسية > ثقافة الخميس

سُخْريّة العقل والفلسفة


حسن إغلان

يقتحم رجال الفكر والفلسفة نسقاً مهماً، ويحلو لهم النبش في الظلال والهوامش، والمنفي، والمعزول وكأننا أمام نهاية القضايا الكبرى التي تعودنا قراءتها من زمن ليس بقصير، إن قراءة هذا الاقتحام الجريء، والمعلن عنه في مجموعة من المؤلفات، تروم إلى تحديد هذه الأسئلة، أو على الأقل الانطلاق منها كفرضية في زمن تهمشت فيه كل الفرضيات الممكنة، بمعنى هل انتهينا من طرح القضايا الكبرى في الفكر والفلسفة؟ أم أن التفكير في هذه القضايا أضحى عند أصحابه عديم الجدوى والفائدة؟

في زمن يبحث فيه الاستاذ عن طلبة يُنصِتونَ إلى حركات الفكر، وهاناته، وقوته، أو أن هذا الباحث أو ذاك في مجال الفكر والفلسفة خاصة أضحى خارج السياق الذي توقف عنده ولمدة طويلة. أم أن هذه الكتابات هي نوع من استراحة المحارب؟، قد نقول ذلك أو كانت فردية، ولكن أن تصر مجموعة من الكتب تسير في نفس السياق تقريباً، فهذه مسألة تحتاج لموضعتها موضع سؤال.. وكأنها ظاهرة لا تقبل الحكم، لجرأتها، وخلخلج البذاءات التي تعودنا قراءتها، جراء تروم لوضع العنوان، ليس كقصيدة لقارئه، بل في دفعه للتفكير وإعطائه نصوصاً/ مقالات قصيرة، قد تقرأها، قراءة الماكدونالد، وماذا يعني سير الأستاذ بنعبد العالي من على شاكلة كتبه السابقة..

هل وجد الأستاذ في هذا النوع من الكتابة سبيلاً للتفكير، واستراتيجية للمساءلة، ما دام الكتاب الضخم.../ الأكاديمي .. لم يعد ممكناً الآن؟ أم أنه نوع من أجرأة المقروء الفلسفي على القضايا البسيطة التي يتهرب منها - عادة - الباحث في الفلسفة والفكر -؟ تطرح علينا هذه الأسئلة ونحن نتابع كتابات الأستاذ بنعبد العالي، باعتبارها كتابة الاسماء والاشارة، وكأنها تدفع قارئها لتورطه في حبالها... لا تقدم الكتابة ذاتها أنها كتابة نسقية تدفعك لترسيم حدودها والبحث عن تلك الحدود، بل علي إنجاز لتصور كتابي يحمل متفجراته داخلها، لا لنفجرها بل لتوريط القارئ على ممارسة هذا التفجير، وكأنما يضع في يدي القارئ قنابل ويدفعه لتفجيرها. وذلك للبحث عن المعنى فيما تبقى من ششات الانفجار. لذلك تضعنا هذه الورطة في جدلية الامتناع والمؤانسة، امتاع ذاتي - يبحث فيه القارئ عن الجملة القصيرة، والإيماءة الخاطئة والإشارة البرقية، بلغة جميلة، تُغري القارئ. ولأن إغراء الكتاب محمول في اسم كاتبه. إن إغراء الأسئلة المعلقة في الراهن تضع الكاتب والقارئ معاً في سلة القلق بامتياز لما تتقاذفه وسائل الإعلام من قضايا، وما يطرحه الاستهلاك العالمي من مواد، لا يستطيع إلا لمكتوي بنار برمتيوس لموضعتها في أسئلة وإزالة بداهاتها، بل لطرحها موضوع تفكير عميق يميل في بعض الأحيان لسخرية لاذعة، فتكون هذه السخرية، سخرية من الذات ذاتها، وليس موضوع موازنات.. إن الأستاذ بنعبدالعالي يطرق موضوعات الساعة، ليس في سبيل الاستهلاك الصحفي، بل في الاهتمام الفلسفي لهذه القضايا التي تبدو كجرافة تجرف كل شيء، ولا تضع الأستاذ الباحث امكانية لمساءلتها. وخلخلة بنيانها.. ليس الموضوع إذن هو بحث ابستملوجي، كما يقدم الأستاذ كتابه من خلال عتبته الأولى (العنوان)، بل في امتلاك التداخلات المعرفية لطرق الموضوعات تلك .. لا لإصدار الأحكام ورسم الحدود، بل إن «العقل الساخر - يسخر من دقة التقسيمات وصرامة التبويبات. وجدية التنظيمات، ذلك أنه يلعب على التّلْميح والايماء أكثر من الإبانة والوضوح.... إنه عقل المفارقات، إنه يضع نفسه فيما وراء الصواب والخطأ، ولكن أيضاً فيما «وراء الخير والشر»، كذلك فهو محتال..» ص8,7. هكذا إذن يطرق الأستاذ بنعبدالعالي موضوعاته بنوع من الاحتيال، لا يعني الاحتيال هنا، احتيال على القارئ/ المتلقي، بقدر ما هو احتيال على الأنساق الفاعلة في تاريخ الفكر، فهو لا يهمه الأفق الاستراتيجي الذي دأب عليه كتابه الأول، لرسم الفوارق وتأسيس الاختلاف، والبحث عن العتمات المستورة خلف الخطاب، وبين الفوارق. إن البحث إذن لا يقتصر في وضع الحدود بين الصواب والخطأ، ما دامت الثنائية الميتافيزيقية تلك أضحت خارج النسق الذي تختفي داخله، بدون معنى، وما دام الخطأ يعيش داخل الصواب والعكس صحيح.. إن الحد إذن ليس رسماً معيارياً لتبويب المواضيع كما لو كنا في متجر كبير. في تفجير هذه الفوارق عبر خلخلتها، وكيفية التعامل معها.. إن القراءة الأولى لأسئلة الكتاب تدعونا من جديد للأمانة والإخلاص من جديد الفكريين، لفلاسفة الاختلاف - نتشيه - هايدجر - فوكو - ديريدا وآخرين .. ولا عجب من هذا الإخلاص، بل من خلال كميته على هذا لاعتبار بسيط وهو أن أكثر أساتذتنا والباحثين يغيرون مناهجهم وتصوراتهم الفكرية، كما يغيرون ملابسهم الداخلية.. كما لو كان هذا الباحث أو ذاك أسير الموضة .. وليس مشاغباً لها..

إنه يروم لفتح مقاومة الفكر، خارج حسابات الايديولوجيا، ومعايير القيم، والارتكان للمطلق، بل في إعطاء الفكر معناه، في النقد والمراجعة الرائعين للذات.. إن المسألة حسب هذا الأفق الاستراتيجي الخاطف، هو تحرير قوى الحياة من أشكال القمع التي تلاحقها.. لتصير المقاومة بصيغة الجمع بحثاً عن الممكن المشاغب للإطلاق .. سيتضح من هذا الحديث وتفعيله في مجموعة من المقالات المتباينة والمحيرة في عناوينها.. كقراءة الفراغات، والاحتفاء بالخطأ، والهامش،، وبلاغة الصورة، والجسد، والخوف، والأثر.. والسؤال.. ومواقع أخرى. إن الكتاب - في نظرنا - ليس - فقط - استجابة باحث في الفلسفة حول موضوعات بعيدة منه قريبة من مطرقته، بقدرما هي إدماج الأسئلة الاستراتيجية حول موضوعات بعينها، موضوعات تسكن ميتافيزيقيتها.. وبلاغة أيديولوجيتها.. فلو على سبيل الاستئناس، بأخذ الموضوع الأمريكي، باعتباره موضوع الساعة، لا لتبرير الايديولجيا ولا للسكن، وهم يسمى أمريكا، ولا للإذاعات لعولمة العلم.. ولا للانكماش وراء التلفزيون ولا للمطالبة قومية.. بقدر ما يطرح الموضوع في المفارقات التي تخفيه وتستره.. إنه وبلغة بسيطة تعودنا على الإذاعان والخضوع لمطالبه .. سواء في تفسير العولمة، أو الحرب على العراق أو في موضوعات الإرهاب وغيرها .. إن مقاربته لهذه الموضوعات بعيدة عن المنطق السياسي الذي يحسب الخسارة والربح، من قبيل مقال رقم 5 بعنوان «أمركة الكرة» ولهامشية المقال والسخرية التي تقوم منه، فهو في المقابل لا يتعامل مع تفاهة الخبر بالطريقة التي يتعامل بها بعض المهتمين، سواء كانوا جيدين أو العكس - يحكي المقال عن خبر أوردته الصحف ووسائل الإعلام في خطاب للرئيس الأمريكي يوم 24 يونيه رسالة إلى جوزيف بلاتير، يطالبه فيها بتغيير اسم كرة القدم باسم «السوكر» Soccer.. وتغيير قوانين اللعبة حتى تتماشى مع الحالة الأمريكية.. ذلك هو الخبر.. هو خبر يروم إلى فضاء التسمية وإشكالاتها. ويعلّق الأستاذ بنعبدالعالي على هذا الخبر في ص,6. «واستراتيجية التسمية كما نعلم، استراتيجية هيمنة وتسلط، وقد سبق لنتشة أن قال: «إن حق السيد في إطلاق الأسماء يذهب إلى مدى بعيد إلى حد أنه يمكن اعتبار أهل اللغة فعل سلطة صادر عن هؤلاء الذين يهيمنون. إن هؤلاء قالوا هذا كذا وكذا.. والصقوا بموضوع ما، وفعل ما، لفظاً معيناً، فتملكوهما»، ولنقل نحن فَمَرُكَنُوهُمَا..». واضح إذن من خلال استدعاء أحد الفلاسفةعمق الأستاذ بنعبدالعالي وتفجيره الساخر لحديث يمكن اعتباره نكتة.. القضايا التي تفيد النكتة تلك، والأمركة تلك موضوعه صدام الحضارات.. وعلى النظرية التي أطلقها صاحبها وأشاعها حتى أضحت النظرية الأساس في الجدالات والنقاشات الحالية، وأوهام جديدة.. إلخ.

إن النظرية تلك حسب ناحتها صامويل هانتيغون تملك قوة «الحتمية الماركسية»، إلا أن الأستاذ بنعبدالعالي يضفي عنها تلك القوة التي تحتفي بها، وتسكنها عبر الترويج الإعلامي لها، عبر خلخلة الميتافيزيقا التي تتأسس عليها - فصاحبها حسبه «لا يعي أسس نظريته، ولا الآلية المتحكمة فيها، وأنه لم يحاول الوقوف عند الأسباب التي كانت وراء انتشارها وذيوعها» ص,,9، لذا فالوسيلة التي تمكنت من خلخلتها هو فضح آليات عملها، وليس الدخول معها في سجال عقيم... إن الفضح ذلك وليد المطرقة النتشوية تلك لاعتبار بسيط، وهو أن الأستاذ بنعبدالعالي يثق بالعلامات المحمولة على الأجهزة الذكية - بقدرما هو يشاغبها من خلال الفراغات التي تتركها - وكأنه بلغة بلا نشو لا يقف بالوضوح - إلا في استحضار نقيضه. إن الذي يهم بنعبدالعالي هو ما تَقنَّع به صاحب النظرية - أو الإشهار - باعتبار هذا الأخير علامة «تضع نفسها فيما وراء الخير والشر..» إن ما يقصده هو «الفلسفة الثَّاوية خلف الاشهاري لا يتعلق الأمر بالإشهار بل في عمق الخبر الذي نتلقاه من الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، ذلك أن الخبر وحتى إذا كان مقروناً بLive، أي أن المتلقي يكون في عمق الخبر، في سخونته لمباشرته، بيد «أن هذا الخبر كما تعلمنا الابستملوجيا المعاصرة، على الطريق الأسمى نحو اللبس والوهم وسوء التفاهم..» إن Live إذن ينطلق من بابلية الحرب، أوالحرب في بلاد بابل، لا ليوضح صورة الحدث، بل لينضاف الغموض واللبس ولنقل نحن كذلك إن الحرب لم تقع بعد - بل في سياق آخر يذهب الأستاذ بنعبدالعالي في تحديد ذلك بقوله: «ليست بابل فضاء جغرافياً، وإنما هي فضاء سيميلوجي، يلحق إنتاج المعنى وتتناقله اللغات، وأدوات الاتصال، البابلية وضعية بشرية« ص,23. إن المسألة إذن هي مسألة فضح الأوهام التي تسكن هذا Live مخدعاً مباشراً، وكأنه يلهث وراء المباشرة والوضوح، بل هو يدخلنا في الخلط والغموض - ولعل المطرقة تلك وسيلة لفك هذا، وخلخلة هذا Live وما يحمله من علامات العولمة.. بكل تشكُّلاتها... ولعل أهم شكل منها هو الحرب ضد الإرهاب.. هذه الكلمة الفضفاضة والمسكونة بتعدد التباساتها.. هي ما تضع أمريكا من مرحلة الحرب التي تشنها أيديولوجيا قاتلة - إلى مرحلة «أصبحت فيها أمريكا تعلن الحرب على نفسها» إنها مرحلة إنتاج الرعب والخوف، ليس في العالم فحسب، بل حتى داخل أمريكا - إن لم يعد خوفاً من أحداث إرهابية، بل أضحى خوفاً من الخوف ذاته.. وهذا ما تقدمه سينما الواقع، في تصوير انهيار البرج الأمريكي يوم 11 سبتمبر.. إن الخوف من مفعولات هذه الصور.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة