
لعل أبيات شعرية للشاعر عبدالرحمن العدوان من أهالي أشيقر تكون عنوان موضوعي هذا عن الجنادرية، حيث يتجسد الحنين للماضي في كلماته ويبرز معنى الود والحنين للأمس حيث يقول:
وقتنا اللي مضى ياحلو شينه وزينه
لو أبا اشرح حياة فيه شيء عجيب
وين حس الغروب وين حسن المكينة
وين هاك النخيل اللي تهزع الرطيب
وين هاك المجالس والرجال الذهينه
ذكريات توارت واختفت في المغيب
أرجي الله يديم الأمن ويعز دينه
ياسميع تقبل دعوتي يامجيب
وفي المهرجان السنوي للتراث والثقافة، المقام في الجنادرية تختلف الرؤية من زائر لآخر، وهذا الاختلاف ناتج عن الخلفية التي يحملها الزائر عن هدف المهرجان والمعنى الحقيقي للتراث، ومضمون الرسالة المعروضة بكل كلماتها يقرأها الجميع على أرض الجنادرية.
فالبعض يرى أن الوقت الذي يقضيه في هذه الساحة التراثية إنما هو وقت للتسلية فحسب، يتفق بل ويتشابه مع الوقت الذي يقضيه في أحد المتنزهات أو بين الأشجار الطبيعية في الصحراء، وقد يشد انتباهه العديد من المعروضات مع الباعة المتجولين حول مواقف السيارات ومداخل قرية الجنادرية ولايجد في المهرجان أبعد من ذلك فيشتري وكأنه يرى الأسواق التجارية لأول مرة وبالتالي فهو تسوق أكثر منه فترة تاريخية حضارية مدونة ومطبقة.
أما البعض الآخر فإنه يرى رؤية أعمق قليلاً من تلك الرؤية السطحية لكنها رؤية دون الرؤية المثلى للمهرجان، حيث تقف رؤيته عند ظاهر المعروضات التراثية باعتبارها ماديات كانت يوماً من الأيام مستعملة وأصبحت اليوم حبيسة صالات العرض وفرجة الجيل الحاضر.
فهي في نظره معروضات مضى زمنها وفات وقتها، تتكدس أمام المتفرجين مطأطئة الجبيل تستحي من قدمها تتكوم على بعضها غريبة بين الجيل الجديد سواء كانت من الخشب أو من الحديد.
أما الرؤية الحقيقية فهي الاهتمام بالهدف من المهرجان في أساس نشأته ومن خلال تنوع محتواه حيث يعد تسطير رسالة شاملة تتضمن أصالة الماضي لربطه بالحاضر والحرص على تتابع الأجيال ومنع الانقطاع الذي يمكن أن يحصل لأي أمة لاتهتم بماضيها، فالمهرجان تراث يقدم للجيل كصورة حية وواقعة عن أسلوب حياة الأجداد وأنماط معيشتهم وكيف أنهم بنو الماضي دون أن يكلوا أو يملوا ودون أن تقف قلة ذات اليد والفقر في طريق عملهم والسعي من أجل حياة سعيدة.
المهرجان يقدم صورة حية لنا اليوم وواقعاً عاشه أجدادنا بكل صبر دون أن توجد بين أيديهم وسائل حضارة اليوم ميسرات الحياة المعاصرة فكانت نتيجة صبرهم عبورهم بأمان وتحقيق كل الآمال الذي كانوا يطمحون لها.
عاش أباؤنا وأجدادنا من قبلهم في عز كرامة لهم يمنعهم الفقر من السعادة ولم يوصلهم إلى المهانة أو المذالة، كما أنهم لم يستجدوا من حولهم من المجتمعات يطلبون مساعدتهم أو يتخلوا عن بلادهم، بل رضوا بما قسم الله لهم وعملوا جهدهم في الاستفادة من كل الموارد المتاحة فكانت الزراعة في مقدمة العمل والرعي كذلك، فتحقق لهم الكثير من التطلعات ووفروا لأنفسهم حياة كريمة، يتذكرها العديد منهم اليوم وتبدوا في قصة حياتهم التي يرويها من بعدهم، كما أن تراثهم الموجود بيننا يعبر بصدق عن أجيال يشرفنا أن ننتمي إليهم ويشكلون لنا أساساً تاريخياً وأصلاً من الماضي نتواصل معه.
رحم الله أجدادنا عدد أيام صبرهم ومعاناتهم، وعدد مافكروا في مستقبل أولادهم وعدد ماصدقوا مع أنفسهم وعدد مايحافظوا على مبادئهم وعاداتهم وتقاليدهم الأصيلة.
وأعان الجيل الحالي والقادم على المسير على خطوات الآباء والأجداد متخذين من سيرتهم الصادقة نبراساً يسترشدون به في وقت تعددت فيه المشارب التي لاتخلوا من الكدر والتلوث.
هذه رسالة المهرجان الظاهرة التي نقرأها في المعروضات كما أن رسالته الضمنية لاتنفك من بقية أهدافه فهو صورة لماضينا الذي صدق الأجداد في تسطير كلماته وكتبوها بعرقهم وحفظوها في غلاف أمانتهم وصدقهم وأوصلوها لنا في بريد الزمن على طبق شهي من السعادة التي نقرأها في كل حياة الأمس حتى أننا نعشق ماضينا بكل صدق ودون محاباة، بل أصبحنا نحن رؤية كل مايتصل بالماضي بسبب محبتنا لجيل الأمس الذي اتصف بالصدق والأمانة والإخلاص.