
كان على الكاتبة والمترجمة والصحافية العراقية إقبال القزويني، أن تعنون روايتها الأولى «ممرات السكون» الصادرة عن دار أزمنة، عمان الأردن في أول هذا العام، بممرات الجنون، فبطلتها زبيدة وبملامح محفورة عميقا في الاخدود العراقي الغاطس بالدم والفواجع، تعيش في برلين، في قسمها الشرقي السابق، تراقب عبر التلفزيون كيف تفرّغ الطائرات الأمريكية حمولتها من الصواريخ على مدينتها وعلى مدن العراق كافة. كان العالم الدنيوي، عالمها وعالمنا يتهاوى والعالم يسمع تلك الادعاءات من الجانب الآخر من الأطلسي: حضرنا من اجل واجل الخ. الروائية في أول عمل لها تستطيع أن تروي وتدون، لا تتذكر فقط. الخديعة، في رأيي هي الممر الأول الذي جعل هذه الراوية وغيرها وغيرهم بالمئات يكفرون بجميع تلك الخدع الايديولوجية التي ارتكبت باسم تقدم البشرية والنضال من أجل الانسانية.
الراوية برشاقة راقصات الباليه كانت تتنقل من جانب ذاك الزمن إلى هذا الجانب من المكان، الآن والهناك يتقدمان في هذا العمل بطريقة بارعة وبهدوء المتبصر بعموم الممرات التي حشرت بها او انزلقت بها شخصيات الرواية فصارت تلك الممرات، ممرا وراء ممر، تثير الحنق والقرف لأنها حافلة بالتدليس والغش: «يتهدم المكان أمام عينيها ركنا ثم ركنا. ليست الطائرات هي التي تهدمه، انها تحرق آثار خراب بدأ منذ عقود ينخر فيه بانتظام. السلام عليك ايها الوطن الغائب، السلام عليك ايها الوطن الخائف» هذه رواية تحاول عن سابق تصميم وتصور أن تبقي البلد ولو بقوة الكلمات والسرد القوي الحامي والمزاج الناري، بقوة الصرخة والوحشة والاتهام والدموع الدفينة. وهي رواية ممرها الثاني الأكثر فداحة هو المنفى، النفي، والمنافي. فجارها الألماني ولقرب حروف اسم بلدها العراق مع حروف اسم جارتهم ايران فكان يسأل: «الانفجار في ايران ونحن نسمعه في برلين».
«تقصد العراق سيدي» «نعم، نعم العراق»..
حتى حروف الاسم وطريقة التلفظ لاسم بلدها تأخذها دولة ثانية. زبيدة سيدة عراقية نراها تتحرك في شقتها وحيدة. تمشي بين الأمتار القليلة، وبين صيحات الاحتجاج والمعارضة، الصادرة منها أو من اصدقاء يتوزعون في شتى أنحاء العالم. ثمة مغتربون في هذه المدينة، ثمة أصحاب خدعوا أيضا، فاما أن يصيبوا بالخرس أو الانفصام أو اللامبالاة مثل الرسام الذي اختفى، بطريقة مخيفة، كما البلبل الصداح، أحد الأصدقاء، الذي اختفى بطريقة كافكوية مرعبة: «تمسك بالأحداث والصور والأموات ونصف الأموات، ونصف الأحياء واللامبالين والمسافرين بلا محطات والذين بكوا بدون دموع والضاحكين دون معنى. تمسك بالفشل والخيبات الكثيرة وترميها على الأرض فتتجمع كلها عند قدميها.
تترك الأرض مليئة بفوضى النفايات والكنوز وتذهب إلى المطبخ تفتح صنبور الماء البارد وتضع رأسها تحته تبلله ثم تشرب الماء بكفها حتى ترتوي ولا ترتوي. العراقيات والعراقيون لا يرتون في ضخ العراق بالوريد، في مطلع كل فجر حتى لو أنكرنا وانكرهم العراق وبدون ان نفهم الذنوب والآثام التي في الاغتراب تحضر المرثاة والفاجعة كما لو أننا ننذر أنفسنا لقصاص مضاعف ؛ لأننا تركناه وحيدا كما أنه تركنا نتدثر بوحدته وكأن واجب تلك البلاد أن تهيئنا باكثر مما كنا نتصور من الاستعدادات، ان نكون على مقاس تلك الوحدة الفاجرة. زبيدة لا تبالغ وهي لا تهادن. أشم في بصيلات شعرها رائحة شياط القلب وهي تحاكم وتدين جرائم ذلك النظام الاستبدادي وما ترتب عليه من واقع الاحتلال والتدمير والقهر والاذلال.
زبيدة مثقفة كريمة تراقب وترصد الاختلالات العاصفة ببلدها وبخطط ومناهج اليسار السابق أيضا وهي تسكن برلين وكانت تواجه الجدار الكالح الذي شهد الآلام الكبرى لشعب واحد قسم بالاحتلال والعسكرة والترويع. وها هي تسجل بدء انهيار الاتحاد السوفيتي بعد انهيار جدار برلين. هو نهاية قرن محشو بالانهيارات. هو الشك ورص الخديعة التي أودت بكل هذه الفوضى إلى الحاحها الذي لا ينقطع: «انتهى كل شيء بعد ساعات قليلة. كل خطوة كانت مدروسة والحركات مقننة. اختفى الحشد بهدوء وبقيت الرايات الورقية الحمراء الصغيرة ملقاة هنا وهناك على جانبي الشارع العريض.
كان ذلك هو الدرس الأول في موكب الأممية الجنائزي في صفحات هذه الرواية الجميلة المؤثرة والقوية، شعور بالتصدع والتلاشي، بأن الكمائن لازالت في الايديولوجيات، قادرة على اصطياد الابطال والشخصيات ورميهم للوحشة والنفي واستحالة الحنان. اقبال القزويني ترثي جيلا كاملا حامل اليافطات الثورية في سني الستينات والسبعينات من القرن الماضي، ترثي هوى بطلتها وابطالها جميعا بلغة شفيفة وعميقة تلوذ بالصبر فندرك جيدا ان الوقت قصير حتى على رد الخديعة فهي ليست واحدة ولا من طرف واحد أيضا.تنتقل الراوية ما بين الازمان المتضاربة، زمن السرد وتدوين عبثية كل شيء، وازمان القتلة واللصوص: «لم تفهم حينها العمق الانساني لمأساة الشعب الذي تعيش في ارضه الا بعد ان غادرت سجن السذاجة القاسي لتدخل سجن الوعي المتأخر والانفرادي الأشد قسوة».
فالذين ماتوا بالأمس وكأنهم يموتون مرتين سجن الوعي المتأخر هو سجن الاغتراب الفادح، فلا أحد يجيء ولا أحد يحضر ولا أحد يقرع جرس الباب. وحيدة بصورة تامة حتى لتبدو مقاومة الوحدة هي الاخرى عبث.: «نظرت إلى ساعتها والتفت إلى الشارع، أرادت ان توحي لرواد المقهى أنها على موعد، أنها تنتظر شخصا» ..اهربي يازبيدة فانت مطاردة هنا. من مكونات الغربة بكل تفاصيلها. من الجار الذي لا يكف عن السؤال، متى تعودين إلى وطنك وكأنك جالسة عبئا عليه. الجار هو جار الروح وليس جار المكان إقبال تسجل في عملها الأول وكأنه العمل الثاني الاكثر ثباتا. لا تحمل الرواية أية شوائب وثقوب العمل الاول. كتابة بها قدر عال من الاتقان والدقة بانتباهات اكثر الاحيان غير متوقعة. جنون زبيدة وهي تواجه جنون المكان والازمنة جميعا هو الذي يجعلها تتقاذف بالمفردات المتينة وذات الاشراقة الساحرة. أخذتني من يدي وفتحت لي باب شقتها العامرة بالعراق وقالت هيا، ادخليها بسلام. اقبال كاتبة مضيافة في عملها الاول هذا، سخية وأنا لم ألتقيها حتى اليوم لكني أعرفها، من قال ان اللقاء هو الذي يعزز ويوطد التعارف.
إن اللاتعارف يحمل بذرة الانتظار والتشوف، وها هي تصف في الفصل الثاني عمارتها وشقتها وكأنني سوف اقرع جرس الباب الخارجي لكي تفتح لي تلك الزبيدة ذات الرائحة المكتظة بالنبالة والاحتشام: وعلى ضفة نهر داكن اللون ثمة بناية عالية من تسعة طوابق. في شقة في الطابق قبل الأخير منها وعلى جهة اليسار من المصعد. تستعد امرأة غريبة تسكن في ذات زبيدة لطقوس السفر الليلي وقبل ان تتوجه إلى السرير تمسك برأسها بكلتا يديها تديره عكس اتجاه عقارب الساعة فينفصل عن الرقبة، تمسكه بقوة وحذر كمن يحمل اناء زجاجيا ثقيلا. تضع الرأس تحت صنبور الماء وتنظف داخله بفرشاة قديمة مخصصة لغسل قناني اللبن الرائب صورة تستدعي الصيانة، صيانتها من قوة اختراقها غير المألوف. انها للأمانة صورة زبيدة في جميع الفصول. ففي كل فصل نعثر عليها بصورة من الصور.
صور ساخرة مريرة، ولا تحتاج إلى تفسير: «لقد قرفت من رائحة الشامبو الاشتراكي». كانت ترثي الاعمار المهدورة والاسماء الحركية التي لم تتحرك الا لضرب الاسماء الاصلية فكتبت تقول عن أحد رفاق الطريق الوعر: «لم يكن اسمك أبو روزا فأنت عبدالواحد شرهان من ناحية الفهود في مدينة الناصرية وقد اخترت لنفسك هذا الاسم تيمنا بروزا لكسمبورغ» رواية ممرات السكون ممتلئة بذاكرات شخصيات مجنونة، بحب مستحيل مهلك ولا شفاء منه، للعراق، للبلد، لأمر قد لا نبلغ هدفه الا بالموت. اقبال القزويني خريجة كلية الآداب قسم اللغة الانكليزية من جامعة بغداد عام 1976. أصدرت قصصا قصيرة باللغة الالمانية بالاشتراك مع خمس عشرة كاتبة من عشرة بلدان في كتاب صدر بدعم من برلمان برلين عام 2000.
نشرت عددا من القصص العراقية. ترجمت الكثير على الخصوص شعرا للهنود الحمر إلى الالمانية والانكليزية والعديد من السيناروهات السينمائية والبرامج التلفزيونية والافلام الوثائقية. صدرت لها من المجلس الوطني للثقافة والفنون في دولة الكويت مسرحية مترجمة عن الالمانية بعنوان مدرسة الدكتاتور.