الرئيسية > ثقافة الخميس

عراقي في باريس



حينما يصل القارئ إلى الصفحة الأخيرة من كتاب «عراقي في باريس» ل«صموئيل شمعون» سيكتشف عمق الارتياب الذي يلف مصير المؤلف، إذ ترك العراق إلى أميركا، يروم الوصول إلى هوليوود لصنع فيلم عن أبيه الأبكم الأصم «كيكا»، فهو يحلم بأميركا وسيلة لصوغ ذكرى الأب، ولكن ثمة قطباً آخر يجتذب مصيره، فهو يريد أن يكون ذلك الفيلم بعنوان «الحنين إلى الزمن الإنجليزي». وفي سعيه المحموم لربط الحلم بالذكرى يعلق صموئيل في منطقة ثالثة هي فرنسا، فينتهي مشرداً في باريس. وبدل أن يصل إلى أميركا، ويعيد انتاج حنينه للزمن الإنجليزي في العراق بصورة فيلم، يكتب «عراقي في باريس» ويحول السيناريو إلى قصة بعنوان «البائع المتجول والسينما». من الطريف أن يحلم المرء بمكان يوفر له استعادة مكان آخر، لكنه يسقط في مكان ثالث، فالأمر مربك بكل المعايير. والأكثر إرباكاً أن يحمل شخص اسم نبي، ويحلم في أن يكون مخرجاً سينمائياً، لكنه ينتهي مشرداً.

والمصير الثالث للشخصية له صلة متينة بنوع الكتاب، فحينما سئل المؤلف عن هوية كتابه، قال جازماً، إنه «ينتمي إلى جنس الرواية بدون أدنى شك» وما لبث أن قال بصيغة أكثر جزماً، إنه «سيرة حقيقية تماماً، وقد حصل كل ما هو مدوّن في الكتاب. ولمن قرأ الكتاب، واطلع على رأي الكاتب، فليس ثمة تناقض في صيغتي الجزم المذكورتين في الهوية النوعية للكتاب؛ ليس لأن المؤلف لم يكن على بينة من أمر الفارق بين الرواية والسيرة، فحسب، إنما لأن الكتاب لا ينتمي إلى أي من النوعين المذكورين، بل ينتمي إلى نوع ثالث هجين، وهو «السيرة الروائية»، فحينما تريد أن تصيب هدفين معاً في رمية واحدة، ستخطأ، وتصيب ثالثاً. هذا النوع من الكتابة يوهم أنه رواية، ويوهم أنه سيرة، وهو ليس أياً منهما. أوقع الكتاب مؤلفه في تناقض، وسيوقع القراء، والنقاد أيضاً، فالسيرة الروائية صهرت فيها خصائص الأنواع السردية التقليدية، وتسبب ذلك في إرباك الكتابة الروائية والسيرية معاً، إلى درجة بدا فيها المؤلف يقول الشيء ونقيضه في مكان واحد، وفي لحظة واحدة. فكما تعثر مصيره، وانحرف مساره، والتبس حلمه بذاكرته، فوجد نفسه في باريس، كذلك كان أمر كتابه. تلازم باريس، والتشرّد، والسيرة الروائية، يدفع إلى الوراء بأهمية كل من أميركا وبريطانيا، وبكل من النبي و المخرج، وبكل من الرواية والسيرة. فتلك المستويات لا تشكل إلا خلفية سرابية لأحداث الكتاب، فالحضور لباريس، والمشرّد، والسيرة الروائية.

لم يكن صموئيل شمعون على خطأ، لا في مصيره ولا في كتابته، ولا بأس أن تتقاطع المصائر، وتتبادل الأماكن، وأن يسقط المؤلفون في منطقة الغموض، وهم يُجهزون على بنود الميثاق الذي يحكم علاقة المؤلف بالمتلقي، ففي نظرية النقد جرى الاتفاق على ما يأتي: حينما يقع التصريح بأن الكتاب رواية فإن العقد الضمني بين المؤلف والقارئ ينص على أن الأحداث متخيلة. وحينما يقع التصريح بأن الكتاب سيرة ذاتية، فيلزم العقد الاتفاق بين الاثنين على أن الأحداث فيه حقائق. هذا الأمر فصّل القول فيه نقاد كثيرون، منهم: فيليب لوجون، وجورج ماي. وينبغي التنويه إلى أن شروط هذا العقد غير الموثق لم تزل غامضة، وربما شبه مجهولة، لدى عموم القراء والنقاد، وربما لدى بعض المؤلفين، ولكن يمكن القول بأن المضي في سوء قراءة شروط ميثاق الرواية وشروط ميثاق السيرة، وسوء الفهم الذي ترتب على ذلك، كان مفيداً أيما إفادة للكتابة السردية، فقد أظهر نوعاً جديداً، هو «السيرة الرواية» التي لا تتوقف عند حدود إلغاء مضمون العقدين المذكورين، واقتراح عقد ثالث جديد، إنما هي في الصميم تعمل على تآكل مكونات الرواية والسيرة معاً، وإعادة تشكيلها في السيرة الروائية. في هذه المنطقة البكر يتنزل كتاب «عراقي في باريس».

وثمة مماثلة لا تخفى بين المؤلف ونصه، فالنص مشرّد بين النصوص التقليدية السائدة الآن، شأنه شأن المؤلف المشرّد بين المؤلفين، وقد عثر على هويته عبر الترحّل بين النصوص السردية، كما هو كتابه الذي ترحّل بين الأمكنة، ثم الكتابات المختلفة، ومنها الكتابة السينمائية، والشعرية، والقصصية، ليعثر على هويته كاتب سيرة روائية، ففكرة الترحّل تشمل حياة الكتاب وصاحبه. ليس الكتاب وصفاً لحياة المؤلف فقط، إنما هو أيضاً وصف لكيفية تشكيله، وليس النص وحده خليطاً من كتابات متعددة تتصل بهويات جزئية متعددة، إنما مؤلفه أيضاً خليط من شخصيات متعددة. إننا أمام مزيج من التنوعات: أزمنة وأمكنة كثيرة، لغات كثيرة، بلاد كثيرة، ونص تتزاحم مكوناته أيضاً. ومن أجل تلقي الكتاب بطريقة نقدية صحيحة فلا بد من أخذ كل ذلك بالحسبان، فهذا النص ينقض ضمناً فكرة الأبوة في السرد، وفي التأليف.

وتحكم الكتاب فكرة الاقتلاع، اقتلاع النص عن التراث السردي، واقتلاع المؤلف عن العالم الذي يعيش فيه، وبما أننا في مواجهة نص مقتلع هو ومؤلفه، فينبغي أن نترقب شيئاً مختلفاً، ففكرة الاقتلاع مقترنة بأدب المنفى، وأدب المنفى يقوم بمجمله على فكرة الرفض، والانشقاق عن نسق أيدلوجي مغلق أو شبه مغلق، فتتبلور فكرة عدم القدرة على الاندماج، وهي فكرة تدفع بأدب المنفى إلى منطقة مغايرة لمنطقة أدب الولاء والامتثال. لكن أياً من هذا لا وجود في كتاب «عراقي في باريس»، فنحن لسنا أمام دعاوى أيدلوجية نقضية، وبراهين رفضية، يتبناها منفيّ، إنما أمام مسار صاعد لحلم فردي، يتشبّث به صاحبه، ليحقق هدفاً ذاتياً، تتآكل من حوله أهمية كل الأشياء الأخرى إلا ذلك الحلم. نعم، تتعرض الشخصية لمضايقات كثيرة، وتتعثر في مسعاها، وينحرف مسارها، لكنها قابضة على جمرتها، ولا تعرض تفسيراً أيدلوجياً مقصوداً حال دون حلمها، ونتيجة لكل ما ينطوي عليه النص من تصريحات حول ذلك، يرسخ دلالته النهائية بأنه ليس من أدب المنفى، فالمنفى، في نهاية المطاف، ليس مكاناً نائياً فقط، فقد اجتثّ من عالم، وحيل بينه وإمكانية العودة إليه، ولهذا فهو يسعى إلى خلق عالمه الخاص الذي يتمكن فيه من ممارسة الودر والنفوذ الشخصي، ولأنه يصعب عليه ممارسة تلك الحرية في عالم المنفى كونه وافداً وطارئاً عليه، فسيقوم بخلق عالمه الذهني الخاص به، ولو عاينا كتاب «عراقي في باريس» في ضوء هذه الفكرة لوجدناه ينقضها، فالشخصية لا تنتسب إلى جماعة متضامنة، ورافضة أيدلوجياً لواقع قائم، وهي غير مشغولة بفكرة إعادة التوازن، إنما هي منجذبة إلى حُلم، وساعية خلفه، وغير معنية بغيره، وقد كرست حياتها من أجله، فتوارت أهمية الأشياء الأخرى.

من الصحيح أن النص يتضمن شذرات من التبرّم، وهو يصور الإقصاء الذي تعرضت له الشخصية كونها تنتمي إلى الأقلية الأشورية في العراق، لكنه محكوم بفكرة الحلم، ومشمول بها، وليس بفكرة الرفض والشكوى، وهذا يدخله جزئياً في أدب اليوتوبيا، أي الأدب الذي يسعى إلى بلوغ عالم لم يوجد بعد، عالم الصورة الملازم لمخيال المؤلف - والشخصية - فمن أجل تحقيق هذا الهدف يشرع في الترحّل، ويقبل بفكرة التشرّد، وفي وقت يعمق الكتاب الفكرة الثانية ليكشف استحالة التخلّي عن الفكرة الأولى، ولا تني الشخصية تكافح من أجل بلوغ ذلك العالم، ولهذا لا نجد حنيناً إلى الماضي، ولا نعثر على شيء من الحسرات والعَبرات، وإنما نلمس دفعاً متواصلاً صوب المستقبل، لو حدث وانكفأت الشخصية، وتراجعت وانكسرت، لأصبحنا في خضم حكاية تراجيدية حيث يصبح الحاضر سيئاً، فينبثق الحنين إلى الماضي الشفاف، ثم يظهر التعارض بين عالمين وفكرتين، وتبدأ المقارنة، والمفاضلة، وينزلق الكتاب إلى منطقة الحزن والذكرى.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة