الرئيسية > ثقافة الخميس

رسالة إلى أمي بعد تسعين يوماً من الفراق...

حينما سألني ابني... متى تصحو جدتي؟!!!...



أمي...

حين رحلتِ.. رحلت عني فلم أعد أسكن داخل جلدي....

وأصبح في داخلي فراغ واسع مملوءٌ بالهواء الساخن...

مشاعري بعد رحيلك تجاه الحياة استحالت جليداً ...

أعلم جيداً أنك لن تسمعيني الآن ...

ولكن في داخلي قوافل لا نهاية لها من الكلمات تقف على لساني...

أشعر بكِ في كل لحظة...

وأعود إلى داري ويملؤني الأمل أن أجدك....

فلا زلت يا أمي أشتم رائحتك عبقة في أرجاء داري...

تسعون يوماً يا أمي لم أرك فيها...

ولم أقبل جبينك ... ولا يدك الطاهرة...

تسعون يوماً يا أمي لم أستطع أن أستوعب فيها رحيلك....

أهكذا هو الموت يا أمي؟!!! ...

كل ظهرية جمعة أفترش قبرك وأبكي بدعائي لخالقي...

أحبك يا أمي... أشتاق إليك كثيراً...

أصعب اللحظات أن أرى قبرك يا أمي وأدرك أنك هنا ...

ولا أستطيع أن أقبل جبينك ... أو أسمع صوتك...

كل جمعة يا أمي أذرف دموعي رطبة على قبرك لعلها تقول لك شيئا عن افتقادي لك...

ألمس تراب قبرك بحنو وأتخيلك حين كنت في داري...

وحين أودعك أشعر بأني فقدت جزءاً مهماً من جسدي ... هنا تحت الثرى...

أغادرك يا أمي ولا أريد أن أغادرك...

وأعود لداري مضمخاً بالدموع ... أتركها على خدي دون أن أمسحها...

لعل دموعي ترطب جفاف قلبي من بعدك يا أمي...

أمي ...

طفلي الصغير لا يرضى أن يدخل غرفتك أحد...

يقف بوجه من يقترب من غرفتك ويصرخ...

جدتي نائمة ...

جدتي نائمة ...

وحين يغادره أخوته، يركض نحوي تغسل دموعه خطواته...

يرتمي في حضني ويخرج كلماته بصعوبة ...

يرفع يده المبلولة بدموعه ويمسك ذقني بكلتا يديه ويسألني:

أبي متى تصحو جدتي؟!!!...

أحضنه بقوة وأرطب شعر رأسه بدموعي...

ليغفو على صدري...

ويشتعل ألم الفقد في داخلي...

أمي...

ضيقة هي الحياة بعد رحيلك لا تستوعب حتى خرم إبرة...

أنتظر يوم الجمعة لأسكب على تراب قبرك دموعي الصادقة لتعانق قلبك...

فمن بعدك يا أماه... أصبحت الكلمات كالعلقم على شفاهي...

ولأجلك يا أمي .. سأكتب على الورق...

لن أكتب قصيدة رثاء...

فأنت بداخلي لازلت حية...

سأنحت فوق بياض الورق...

أحبك ... أحبك ... أحبك ...

إلى أن يشاء الله ...

فبعدك يا أمي ...

عانق البؤس حياتي...

صرت أكثر بؤساً من اجتماع بؤس أطفال العالم المشردين أجمع ...

أكثر بؤساً من أرامله ... من ضحاياه ...

من فقرائه ...

كل البياض تحول إلى سواد...

الثلج ... الغيوم ... الضوء...

كل الحياة ارتدت السواد وأعلنت الحداد الأبدي...

وتحت عجلات موتك تقطع جسدي ...

عاصفة هوجاء خبر موتك يا أماه ...

إعصار هشمني كورقة خريف ...

أمي ...

أعلم أن رحيلك أبدي ...

ولن تعودي ...

سيظل فنجان قهوتك فارغاً...

وسيظل كوب الماء كما تركتِه آخر مرة...

حتى فراشك يا أمي لا زال كما هو...

حين تضيق الحياة... وتأبى الدمعة أن تفر من عيني...

أعود إلى فراشك...

أحضن وسادتك... وأشتم رائحتك...

وأغمض عيني...

لأجدك يا أمي على فراشك...

تمسحين على جبيني وترفعين أكف الدعاء لي ...

ودموعك تخضب وجهك الطاهر...

تتخلل شعرات رأسي أصابعك الحانية...

وتحكين لي حكاية من الماضي...

تطرزينها بأبيات شعر...

تبتسمين خلالها وأحياناً تدمع عيناك...

وأغفو ... وحين أفيق لا أجد يا أمي سوى دموعي...

وفراغ كبير يحوي كل شيء...

وأنا أراك على كل أحوالك... واقفة وجالسة بيننا وبين أطفالنا الذين اعتادوا على مذاق حلواك التي تخبئينها في جيبك ولا يرضون لها بديلاً...

طفلي الصغير لا يريد سوى قطعة الشوكولاتة التي اعتاد أن يلتقطها من يدك...

حين يؤدي الصلاة بحركاته البسيطة مقلداً إياك وأنت تصلين...

خرج معي إلى المسجد وحين انتهى الإمام همس إليّ: أين الحلوى؟!

وحين سألته عن أمر الحلوى قال لي:

جدتي كانت تعطيني قطعة حلوى حين أصلي...

كل شيء يا أمي في حياتي وأطفالي مرتبط بك...

رحيلك يا أمي لا لقاء بعده...

لكن ستظلين في أحلامي... وصدري... وحياتي...

سيظل قلبي ينبض بحبك...

سأخبئ كل شعوري بداخلي...

لن يصل إليه أحد...

ويوم الجمعة سأجمع كل كلمات صدري وأنثرها على قبرك..

فبعدك يا أمي باب الربيع موصد...

وحبات المطر تشنجت داخل السحب...

أما الفرح فدفن معك...

لتنطفئ كل المصابيح...

ولا أستطيع حينها أن أكتب حرفاً واحداً...

فألم رحيلك أكبر من أن يكتب...

سأتركه مخنوقاً داخل قلمي...

مضطرماً كنار عجز الماء عن إخمادها...

أمي...

ليس لي الآن سوى أن أغادر داري...

أشعر باختناق يتسلل إلى رقبتي...

في داخلي بحر من دموع أصابه جفاف الكتمان...

ركبت سيارتي وانطلقت بها سريعاً...

اتجهت إلى دار أخي...

وعند أول الشارع حاذيت الرصيف وأوقفت سيارتي...

أنظر إلى داره من بعيد...

وأبكي احتياجي لك يا أمي...

لا أريد أن أطرق باب أخي...

فدمعة أخي قريبة جداً من دمعتي...

وتشبهها جداً يا أمي...

لذا ضممت دمعتي في وحدتي...

ورفعت صوتي بالدعاء لك بالرحمة يا أمي...

ولأخي الذي أشتم رائحة دموعه من بعيد...

أن يلهمه ربي الصبر والسلوان...

أمي...

حتى لو حشوني بقطع الثلج كل لحظة سيظل وجع رحيلك متقداً بين حناياي...

وإن نطقت بوجعي يوماً ما فسأنطقه بصمت الحروف...

سأحتفظ بنزف جروحي ولن أتقيأه إلا على الورق..

أمي...

هنا وبصدق يا أمي... لا أحتاج لشيء...

لا للدموع...

ولا للطعام..

أحتاج فقط لحضنك ... لأبكي فيه قليلاً...

فالحزن بداخلي وطن...

في داخله ملايين الجرحى...

وعدد هائل من منازل الوجع..

يتنفس الحزن ... ويشرب القهر... ويلوك اليأس...

وطن فريد من نوعه...

لا تعرف الفرحة الطريق إليه...

وطن يخلو من الأطفال...

من الصباحات... من المطر... من العشب ... والأزهار...

وطن يخلو منك يا أمي... لا بد أن يكون هو الحزن!!!...

أمي...

أنا لست حزيناً بعد رحيلك... أنا حزن الناس أجمع...

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 1

  • 1
    رائع أنت يا أستاذ...
    رائع بأحرفك... بمشاعرك... بحزن ودموعك...
    أي قلب هذا الذي تمتلكه وقد حوى الألم والحزن والإبداع...
    أي صوت هو نبراتك يا أيها المبدع الفذ...
    لك أعجابنا... ودموعنا... وحزننا... لك الدعاء ولوالدتك بالمغفرة

    فتاة نجد - زائر

    11:11 صباحاً 2006/02/23



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة