في كل مرة أتذكر الحديث الشريف الذي يصف الرسول الكريم فيه سيرته بقوله ما معناه: أدبني ربي فأحسن تأديبى، يبادرني التصور أن السيرة النبوية فيها علامات عميقة تكشف عن سلوك لا ينتمي إلى بيئة ثقافية عادية، ولو تصورنا النظام الاجتماعي الذي من الممكن أن تفرزه ثقافة العرب ذلك الحين لما خطر ببالنا أن نحصل على سلوك مختلف اختلافاً جذرياً عن السائد النسقي في حياتهم، في التعامل مع المرأة، وفي الموقف من الضعفاء والمهمشين والأطفال حتى مع الخصوم والآثمين، وكلها مواقف حصل لها أمثلة كثيرة تكشف أن سيرة الرسول هي سيرة نابعة من مصدر خاص وخاص جداً، وهذا هو المعنى الذي نأخذه من حديث أدبني ربي فأحسن تأديبى، حيث إن أدب الرسول مختلف عن أدب البيئة ومتمايز عنه تمايزاً جوهرياً، وهنا سنأخذ أمثلة تخص موضوع المرأة كما هو موضوع هذه المقالات.
ومن ذلك ما ورد في حديث الحميراء وفيه تقول عائشة رضي الله عنها:
دخل الحبشة المسجد يلعبون، فقال لي (الرسول) يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم...؟ فقلت نعم، فقام بالباب وجئته، فوضعت ذقني على عاتقه، فأسندت وجهي إلى خده، قالت: ومن قولهم: أبا القاسم طيبا.
فقال رسول الله: حسبك.
فقلت يا رسول الله، لا تعجل، فقام لي ثم قال: حسبك. فقلت لا تعجل يا رسول الله، قالت: وما لي حب النظر إليهم ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه. (سنن النسائي الكبرى، تحقيق عبدالفتاح البغدادي، وسيد حسن، رقم 8951 دار الكتب العلمية 1991، بيروت).
وفي حديث آخر عن الموضوع نفسه قالت عائشة: والله لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم.. حتى أكون أنا التي أمل.
وأكملت عائشة وصيتها لنا بقولها: فاقدروا بقدر الجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو - رقم 8953.
نحن هنا أمام سلوك مثالي دقيق، وهو ليس سلوكاً من رجل عادي كما أنه لا يقف عند حدود الخصوصيات العائلية، ولو حدث هذا من رجل منا لبذل جهداً خارقاً للتستر على ما صار، ولاعتبر هذا أمراً خاصاً لا يحكي فيه، بل إن الثقافة النسقية (الجاهلية) ستعتبره نقصاناً في الفحولة ولقد رأينا كلمة صعصعة العبدي في المقالة السابقة، حيث تساءل منكراً على معاوية كيف ينسب إلى العقل وقد سيطر عليه نصف إنسان، وهي كلمة تشير إلى النقيض النسقي في الثقافة، وموقف صعصعة هو الموقف الثقافي الذي تفرزه وتؤكده الأنساق المتوارثة، بينما نرى ما جاء على لسان عائشة في روايتها لسلوك الرسول الكريم معها إنما يدل على سيرة مختلفة لا تنتجها الثقافة المجتمعية السائدة.
وهناك أحاديث كثيرة تشير إلى مواقف مماثلة أكد فيها الرسول الكريم حسه بمشاعر النساء والأطفال، وفي حديث أورده البخاري (2/11 باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين) جاء أبوبكر إلى عائشة وهي في خيمة عند رسول الله في منى يوم عيد النحر، وكان عندها جاريتان تدففان وتضربان والنبي صلى الله عليه وسلم متغش بثوبه فانتهرهما أبوبكر فكشف النبي عن وجهه وقال دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد، وتلك الأيام أيام منى، وفي حديث آخر لدى البخاري أيضاً (4/161 باب قصة الحبش) تقول عائشة: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد فزجرهم عمر فقال النبي دعهم آمناً بني آرفده، يعني من الأمن. انتهى.
من الواضح هنا الفارق بين الأدب الرباني الذي يتجلى في سلوك الرسول الكريم حتى أقنع أبا بكر وعمر وهما من هما فضلا ونقاء ورقياً، أقنعهما بسلامة التصرف وضرورته بوصفه متعة نفسية مباحة وإنسانية، والأدب النبوي يترقى عن كل الصفات ويصدر عنه من التسامي الخلقي والقيمي ما يجعلك تشعر أن السلوك هنا ليس من سلوكيات البيئة الثقافية، ولكنه سلوك يتجاوز البيئي وينتج عنه حال من التسامي الراقي والإحساس الدقيق بما للنفس البشرية الصغيرة من متطلبات واحتياجات نفسية أدركها الرسول الكريم وقدرها لزوجته اليافعة بما انها محتاجة للفرح والترفيه، ولقد كانت مراعاته لها ثم وصفها بالحميراء دليلاً على ما في نفسه من أريحية إنسانية وشعور روحاني صاف وكريم في لطف المعشر وتقدير المرأة وتقدير الموقف والتمييز بين الحقوق النفسية والواجبات الدينية.
وكما هو موقفه من المرأة فإن مواقفه مع الأطفال تتمم هذا السلوك المتسامي ففي رواية لعائشة رضي الله عنها تقول: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: تقبلون الصبيان فما نقبلهم فقال النبي: أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة. وفي حديث آخر عن أبي هريرة وفيه أن الرسول قبل الحسن بن علي وعنده الأفرع بن حابس التميمي جالساً فقال إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحداً فنظر إليه رسول الله ثم قال من لا يرحم لا يُرحم (كلاهما في البخاري 7/74 باب رحمة الولد).
وفي تعامله مع الخدم قالت عائشة: ما ضرب رسول الله خادماً له ولا امرأة ولا ضرب بيده شيئاً - ابن ماجة/ باب ضرب النساء رقم 1992، تحقيق محمد مصطفى الأعظمي).
وكانت عائشة قد روت انها كانت تلعب بالبنات (وهي ما نسميه الآن بالعرائس) وكانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وإحساساً منه بحاجاتها الصغيرة فقد كان يسرب إليها صواحبها كي يلاعبنها - ابن ماجة رقم 1990.
ولا يكتمل الكلام هنا إلا إذا استذكرنا حديثاً شريفاً رواه أبوهريرة يقول فيه: سمعت رسول الله يقول جعل الله الرحمة مئة جزء فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءاً وأنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه - البخاري 7/75 باب جعل الله الرحمة).
وهذا حديث يفسر لنا أن ما في قلب رسول الله من رحمة هي من كنوز الله الرحيم الكريم، ويفسر لنا أن أدب النبي إنما هو أدب رباني تتجلى فيه السلوكيات الراقية في الرحمة وفي تقدير ظروف البشر، وها هو رسول الله مع النساء حتى ليتبسط في الحديث وينتج عبارة تدغدغ أدق مشاعر المرأة بأن جعلها حبيبة وصفية وأعطى زوجته حقها من التقدير الإنساني فوصفها بصفة محببة ومصطفاة (الحميراء) ثم رعاها حتى حملها على كتفه لتفرح بالعيد مثلما راعى مشاعرها حيث تركها تلعب بعرائسها وأدخل إليها صواحبها يلعبن معها، ولم يتردد في تبيان رحمة الله ومحبته لعباده حينما وضح لصاحبيه الأثيرين أبي بكر وعمر في أن الفرح ليس إثماً وبأننا نستطيع أن نجمع بين العبادة والمتعة دون حرج أو شعور بالذنب.
1
اشكرك يا د.عبدالله على هذا المقال الرائع، والذي تميز بذكر طائفة عطرة من أحاديث الحبيب صلى الله عليه وسلم وشيئاً من سيرته، ولعلك تتفق معي أنه ينبغي علينا أن نأخذ بها كلها ولا ننتقي شيئاً دون شيء، الأجمل أن نعطي القوس باريها فنقرأ أقوال علماء الشريعة وأهل الحديث عن معنى هذه الأحاديث. فكما أننا نطالب بأن لا يتدخل في الطب إلا طبيب، ولا يتناول الهندسة إلا مهندس. أقول.. لا بأس ان يكتب الكاتب عن مثل هذه الاحاديث لكن ليرجع ويستشير أهل التخصص في مدى صحتها وعدم وجود ما ينسخها من أحاديث أو آيات أخرى... وفق الله الجميع للعلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله على الحبيب وعلى آله وصحبه وسلم.
أخوكم/ أبو عاصم
عبدالعزيز بن علي العسكر - زائر
07:11 صباحاً 2006/02/23
2
أشكر الأخ عبدالعزيز العسكر على ما قال فلا مزيد على رده فقد كنت زورت في نفسي شيئاً لأقوله فسبقني وأتى بما أردتُ قوله
فالرسول صلى الله عليه وسلم جاء بالشرع من ربه ليؤخذ به كله لا لينتقى منه ما يريد الشخص، ويأخذ ما تهوى نفسه ويترك عزائم الدين التي يرتكز عليها
وجزى الله علماءنا كل خير فهم أهل العلم المتخصصين الذين يؤخذ منهم العلم في فنهم
أبو عبدالله - زائر
10:36 صباحاً 2006/02/23
3
نشكر الكاتب علىهذا التوجه في الكتابة وياليت كل من كتب عن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم اوجاء على ذكره ان يكتب كلمة صلى الله عليه وسلم حتى يكمل الأجر وتعم الفائدة
ابوعبدالله الدخيل - زائر
11:30 صباحاً 2006/02/23
4
ليت قومي يعلمون..
ويقتدون..ويتركون عنهم مالم يأمر به الله
Bedor - زائر
12:22 مساءً 2006/02/23
5
كأشعة النور..منبعثة من نهاية النفق..يجيء مقالك..جوزيت الخير..وعالمنا الاسلامي يعيش سونامي التطاول على مقام حبيبنا..شفيعنا..نبينا محمد بن عبدالله..عليه افضل الصلاة وازكى السلام.
ذكرتني بذالك السفر الخير( الطب النبوي )..وما يحويه من جوانب نيرة في سيرة الحبيب الشفيع..صلى الله عليه وسلم.شكرا د. الغذامي.
منى.ج.المري - دبي - زائر
01:17 مساءً 2006/02/23
6
ان من اوامر الله عز وجل التعدد في الزوجات وهذا ورد ذكرة في القرأن الكريم.
وان اغلب النسا من اشد الرافضات لهذا الحق.
فأين انتن من اتباع اوامر الله غز وجل.
فلا نحن محمد ولا انتن عائشة
ابوثامر - زائر
01:24 مساءً 2006/02/23
7
هل نعتبر هذا المقال "نقلة" الى إتجاه أكثر قرباً من الله أم نعتبره توبة من أختراع "الانساق " الخيالية ! ففي كلتا الحالتين نجد أن ذلك دالّ على سعة أفق ومرونة. وأعتقد أن كثير من العلماء الذين أبحروا وتعمقوا وغاصوا في لجج العقلانية وبحورها ومحكاتها المادية قد عادوا الى التصوّف في معناه الايجابي والمقبول ومنهم من أمتدحها وهو في سكرَة الالحاد وأقصد الفيلسوف برتراند رسل. بارك الله فيك يا دكتور عبدالله.
سعد أبو سلمان - زائر
02:04 مساءً 2006/02/23
8
والله كلام جميل يادكتور عبدالله
رائع ويدل على عقلية مرنة ونفس محبة للخير
ماأعظمك يارسول الله وحبيبنا محمد
إجتمع عندك المختلفون وتحاب عندك المختصمون
دكتور عبدالله بدأت أعجب جداً بكتاباتك
الى الأمام سر ومعك الله جل وعلا
فأنت عقلية كبيرة لاتحرمنا منها
أفدنا وأفد هذه الأمة...رجاءاً
إبتسام - زائر
08:08 مساءً 2006/02/23
9
ألف شكر للكاتب على هالمعلومات العطرة الثمينة
فوز - زائر
10:42 مساءً 2006/03/18
10
شكرا لك استاذي :
مقالك كان في صميم، هو كان صلى الله عليه وسلم احسن الناس خلقا، واكرمهم مع اهل بيته، عطر اخلاقه قد نثر عبر سيرته، يبصرنا بحقيقة الاخلاق، وحسن تعامل مع الزوجة والمراه ذلك المخلوق الحساس، ذو شعور المرهف.
اين هم امتي ممن يرفعون شعارات الدفاع عن الامه، مالهم لا يقتدون، اذا كانوا يحبون مالهم لا يعملون ؟
ما اجمل ان يكون الدفاع عن الرسول مصحوبا بتباعه، اين هم رجالنا الذين يستحون من ان تسير زوجاتهم الى جانبهم.
هل المراه عار ؟
واهل ذكر اسمها شنار ؟
عجبي لرجل يستحي من ذكر اسم زوجه، او حتى بتسجيل اسمها بجواله باسمها او تدليلها، فهذا قمة سخف، وقمة ضعف... فاسمها محرم من المحرمات.
تعجباتي كثيرة، ولكن يبقى سؤال هل عادات هي من تغلب الدين، ام الدين هو الاساس..
ليس اكثر من قولي سيرة تفوح عطرا، وتمتلى تكريما للمراه...
فهلا كنت سيدة في منزلي وخارجه وامام الجميع ؟!
هاجر - زائر
11:59 مساءً 2006/03/24
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة