
لأول مرة تظهر بالعربية الترجمة الكاملة لكتاب إدوار سعيد: «تغطية الإسلام: كيف تتحكم أجهزة الإعلام ويتحكم الخبراء في رؤيتنا لسائر بلدان العالم»، وقد قام بالترجمة الباحث المصري الدكتور محمد عناني، وصدر الكتاب عن دار «رؤية» ورغم أن التورية في عنوان الكتاب «تغطية الإسلام»، سوف تتضح لأي قارئ له، فإنه قد يتطلب تفسيراً مبسطاً في البداية، ذلك أن من الأفكار التي يطرحها إدوار سعيد في هذا الكتاب، كما في كتاب الاستشراق، أن مصطلح الإسلام في السياقات، التي يُستعمل فيها اليوم، يعني في ظاهره أمراً واحداً بسيطاً. أما في الواقع، فالمصطلح في أحد جوانبه ليست له دلالة واقعية. وهو من جانب ثان، لا يزيد عن كونه بطاقة أيديولوجية، وهو من جانب ثالث اسم لا يتجاوز الحدود الدنيا في الإشارة إلى الدين الإسلامي. لذلك يعتبر إدوار سعيد أن المصطلح بالصورة التي يشيع فيها لدى الغربيين لا ينطبق انطباقاً واقعياً على صور الحياة البالغة التنوع داخل حياة الإسلام الذي يربو عدد سكانه على ثمانمائة مليون نسمة، وتصل مساحة أراضيه إلى ملايين الأميال المربعة، إلى جانب عشرات مجتمعاته ودوله، وأشكال تاريخه وجغرافيته وأنماطه الثقافية. وقد شُغلت أجهزة الإعلام الغربية بتغطية الإسلام في الأعوام الماضية، وإذا بهذه الأجهزة تتصدى لتصوير الإسلام، وتحديد ملامحه، وتحليله، وتقدم دراسات فورية عنه، ومن ثم جعلته في ظنهم «معلوماً».
إدوار سعيد يرى أن هذه التغطية تغطية مضللة حتى ولو بدت شاملة. ومصدر التضليل برأيه هو أن التغطية توحي لمن يتلقون الأنباء بأنهم قد فهموا الإسلام، دون أن تقول لهم ان جانباً كبيراً من هذه التغطية النشطة يستند إلى مادة أبعد ما تكون عن الموضوعية. فقد أدى استعمال مصطلح الإسلام إلى السماح بقدر واضح من الأخطاء، وبأقوال تنمّ عن التعبير عن التحيز العرقي الشديد، والكراهية الثقافية، بل والعنصرية، والعداء العميق الذي قد يتذبذب صعوداً وهبوطاً. ويجري ذلك كله في إطار ما يُفترض أنه تغطية منصفة متوازنة مسؤولة للإسلام..
يرى إدوار سعيد أن الإسلام كان دائماً ولا يزال يمثل تهديداً خاصاً للغرب. ومن المحال أن يُقال عن أي دين آخر أو أي تجمع ثقافي آخر، وبنفس الدرجة من التأكيد، ما يقال الآن عن الإسلام، أي أنه يمثل تهديداً للحضارة الغربية. وليس من قبيل المصادفة أن تؤدي القلاقل والاضطرابات التي نشهدها في عالم المسلمين اليوم (وهي ترجع إلى عوامل اجتماعية واقتصادية وتاريخية أكثر مما ترجع إلى الإسلام وحده) إلى فضح مناحي قصور القوالب الثابتة (الكليشيهات) التي وضعها المستشرفون، وهي القوالب الساذجة التي تتحدث عن «الإيمان بالقدر» والتواكل لدى المسلمين، دون أن يأتوا ببدائل لها سوى الحنين إلى الأيام الخوالي التي كانت الجيوش الأوروبية فيها تسيطر على عالم المسلمين كله تقريباً، ومن شبه القارة الهندية إلى شمالي إفريقيا.
ويضيف إدوار سعيد أننا إذا نظرنا إلى الحالة الراهنة للدراسات الأكاديمية للإسلام، لم نجد فيها ما يكفي لتصحيح الأوضاع، بل إن المجال برمته يُعتبر من بعض زواياه هامشياً بالنسبة للثقافة العامة، كما أنه من زوايا أخرى قد استقطبته الحكومة والشركات. وقد أدى ذلك، بصفة عامة، أي عدم تأهيله لتغطية الإسلام بالمناهج التي ربما كشفت لنا عما نجهله مما يدور تحت السطح في المجتمعات الإسلامية. وذلك إلى جانب المشكلات المنهجية والفكرية العديدة التي لم تُحسم حتى الآن: هل يوجد ما يُسمّى بالسلوك الإسلامي؟ ما الذي يربط الإسلام على مستوى الحياة اليومية بالإسلام على مستوى العقيدة في شتى المجتمعات الإسلامية؟ ما مدى فائدة استعمال مصطلح «الإسلام» باعتباره من المفاهيم النظرية في تفهم الأحوال القائمة في نفس الوقت في المغرب وسورية والخليج وأندونيسيا؟
ومع ذلك فالآراء تتفق على اعتبار الإسلام كبش الفداء الذي ننسب إليه كل ما يتصادف أن نكرهه في الأنساق السياسية والاجتماعية والاقتصادية الجديدة في عالم اليوم..
كتاب إدوار سعيد الذي نقله محمد عناني حديثاً إلى العربية ليس دفاعاً عن الإسلام، كما يقول، بقدر ما هو وصف لصور استعمال مصطلح «الإسلام» في الغرب، وهو وصف يجافي الحقائق في أكثر الأحيان.. يرصد إدوار سعيد في كتابه صوراً من معالجات الإعلام الغربي للأحداث التي تجري في دار الإسلام، فيحللها ويناقشها ويبين ما فيها في تهافت وغرض غير بريء.
محمد عناني في المقدمة التي وضعها للكتاب يقول إن أفكار ادوار سعيد كان لها مصداقية في الغرب، خصوصاً بعد ذيوع المذهب النقدي الذي ارتبط باسمه والذي يشار إليه عادة باسم نظرية ما بعد الاستعمار، وهو المذهب الذي ساهم مع غيره من المذاهب النقدية الحديثة في تأكيد العودة إلى النظرة التكاملية أو الكلية للأدب باعتباره نشاطاً إنسانياً ثقافياً، بمعنى أنه ينبع من الثقافة الخاصة لكل مجتمع ويصبّ فيها. ولذلك فقد اقترن اسمه بالنظرة الجديدة إلى الاستشراق وما فعله المستشرقون من رسم الصورة التي يريدها الغرب للشرق حتى بدا أنها صورة حقيقية، على زيفها، وهو الذي دعا سعيد إلى إعادة النظر في كتاباتهم، على نحو ما يعيد النظر في هذا الكتاب في كتابات الغربيين عن الإسلام، والتنبيه إلى أوجه الانحراف عن الصواب، وإلى التعصب المقيت الذي تمليه المصالح المادية المحضة للرأسمالية المتضافرة مع نظم الحكم في الغرب عموماً.