
السائر في شمال شارع الأمير محمد بن فهد بن عبدالعزيز (الشارع الأول) في مدينة الدمام قد يصادف أن يرى أو يمر أمام البناية التي تظهر في الصورة المصاحبة لهذه القراءة. تختلف هذه البناية بمعمارها وشكلها الخارجي عن البنايات المجاورة لها أو تلك على الجانب الآخر من الشارع. وفي الدمام ومدن غيرها بنايات مشابهة اجتمع في شكلها الخارجي فن العمارة الحديث بالعمارة القديمة حسب التراث المعماري للمنطقة أو المهاجر من مناطق أخرى. يُعرف هذا المزج والمزواجة بين القديم والحديث بالباستيش (psatiche)، والباستيش أحد ملامح ما بعد الحداثة بتجلياتها الأدبية والفنية (الموسيقى، الفيلم والمسرح) والمعمارية أيضاً، ويشير المصطلح إلى أي عمل أدبي أو فني يحاكي أسلوب عمل سابق أو قديم أو العمل الذي يتضمن موتيفات مستعارة من أعمال قديمة. الباستيش من وجهة نظر فريدريك جيمسون النقدية المنحازة للحداثة هو الصيغة الممكنة للإنتاج الثقافي ما بعد الحداثي، الذي يصفه بأنه لعوب وعبارة عن قص ولصق.
عند تأمل بناية الشارع الأول يتضح أن المكون المعماري التراثي لا يعدو كونه ترصيعاً تم إلصاقه بطريقة كولاجية على جسد/كتلة البناية حديثة الطراز، ولا يشكل إلا جزءاً صغيراً من بنيتها الكلية إلى حد يمكن معه القول إن إزالته لن تؤدي إلى انهيارها، فستظل قائمة وثابتة في مكانها دون تأثر ما في داخلها بزواله، فالبرج المنتصب فوق مدخلها الرئيس («بادغير» برج الرياح أو صائد الهواء في المنازل القديمة في منطقة الخليج العربي)، ليس الغرض من وجوده تبريد وتهوية المدخل المفتوح للهواء من الجهات الأربع، ولكن وجوده يكمل هذه المواجهة (facade) المستعارة من العمارة القديمة. بيد أن إزالة هذا البرج وباقي الكتلة المعمارية التراثية الملصقة ستفقد البناية المسحة الجمالية المكتسبة من الفن المعماري القديم، كما ستفقدها تميزها ومغايرتها للبنايات الأخرى. وبغض النظر عما يقوله جيمسون، فإن بقاء الباستيشي التراثي ملصقاً بالمعماري الحديث ضروري لتشكيل الهوية الما بعد حداثية للبناية، إضافة إلى ما له من وظيفية تعبيرية وأمداء دلالية، فقد يكون ترصيع القديم على الحديث تعبيراً عن اعتراف وتقدير للقديم، أو إيماءة تكتنز بزخات من الحنين (النوستالجيا) إلى القديم أو تثير مشاعر الحنين إليه في الآن ذاته، أو للتذكير به وهو الغارب الأقل أمام الجديد الذي أدى إلى اجتثاثه واقتلاعه بلا هوادة، وربما يمكن القول إنه نوع من التفكير عن اجتثاثه ومحوه من ذاكرة المكان.
تبدو (بنات الرياض) ببنيتها الكلية والكاملة، من وجهة نظري، مثل بناية الشارع الأول ولكن بشكل مقلوب ومعاكس إذ أن العنصر الملصق ليس القديم مرصع في الحديث المعاصر، إنما الجديد ملصق على القديم حيث تحتل الرسالة الإلكترونية الصفحة أو الصفحات الأولى كمدخل لكل فصل من فصول الرواية مثلما يقف برج الرياح مدخلاً لبناية الشارع الأول. وفيما البرج يحيل إلى ويذكر بالقديم الآفل بما قد يتولد من الإحالة من دلالات مختلفة ومتباينة، تقوم الرسالة الإلكترونية بتعميق جذور الرواية في الراهن وتأكيد انتمائها إليه، بالإضافة إلى توفير هامش تشتغل فيه المؤلفة الضمنية على تخليق بُعد ميتاقصي للرواية. في هذا الهامش/الفضاء الذي تشغله الرسائل الإلكترونية تظهر صديقة بنات الرياض بجلابية الساردة الميتاقصية، تعري الدوافع والغايات التي دفعتها وفتحت شهيتها للتحدث/السرد، وتمارس الشرح والتعليق على الأحداث والشخصيات في الحكاية المتن في معرض ردودهاعلى رسائل قراء متخيلين، وتبرر المتناقض وغير المتسق مع منطق حكايتها الواقعية التقليدية، وتتعدى ذلك إلى استباق تجاوبات القراء مع الرواية فيما يشبه السعي إلى توجيه عملية التلقي والتحكم بها قدر الإمكان. وهذا ما يمكن القول إنه حدث بالفعل كما يظهر بوضوح في تناقض التجاوبات وردود الفعل تجاه الرواية، إذ انقسم الكثير ممن قرأوا (بنات الرياض) إلى فئتين، فئة تفاعلت إيجابياً وصفقت لهتك الرواية للستر ونبش المحجوب والمسكوت عنه، وفئة واجهت ذلك بالإدانة والاستبشاع والتشنيع إلى حد مطالبة الكاتبة بالتوبة والتراجع عما يعتقد أنه غواية وضلال. هذا ما توقعته واستبقته الساردة بقولها: «هل تصدقون أن أحدهم طالب بهدر دمي؟» (79)، «يستهجن الجميع جرأتي الكتابة، ويلومونني على ما أثيره من مواضيع التابو» (113)، «أياً كانت النتيجة، فإن ما لا شك فيه أن هذه الرسائل الغريبة قامت بخلق ثورة داخل مجتمعنا الذي لم يعتد مثل هذه الأمور» (118). وربما هذا ما كانت تريده وتتمناه. من هذه الرواية يبدو أن الفريقين، المؤيد والمعارض، من أولئك القراء قد لعبا في يدي الساردة، بدخولهما، أو بتعبير أكثر دقة، بوقوعهما في الموقع/الفخ القرائي الذي نصبته وهيئته واستدرجتهما إليه بأسلوبها الإثاري. أدى لعب الكثيرين في يدي الساردة إلى إنتاج حالة عمى تجاه تناقضات الساردة نتيجة التناقض بين دوافع السرد، وتجاه تناقضاتها من المسرود أيضاً، بالإضافة إلى تناقضها من الآخر طائفياً كما يظهر في فعلها وسلوكها السردي.
لقد أشار الدكتور عبدالله الغذامي إلى أن شخصيات (بنات الرياض) «شخصيات نسقية، ولم تعد شخصيات فردية تمارس ذاتها الخاصة وفكرها الخاص وذوقها الخاص» (رواية الحارة الحديثة)، كما أشار الناقد محمد العباس إلى أن الرواية «كتابة تعود بالمرأة إلى مرجعياتها التقليدية مهما حاولت الرواية إثارة الفضول إلِى المروي أو المسرود لهم» (بنات الرياض.. أبيزودات غرامية). ويضيف العباس «وهكذا تتأكد حتمية التماهي لذوات مهزومة مع النظام البطركي الغالب».
أضع اتفاقي أمام هذا الرأيين النقديين وامضي إلى القول إن نسقية أو تماهي الشخصيات في الرواية مع الثقافي السائد والمتسيد هو تعبير عن انهزام أو تماهي الموقع مصدر القول مع النسق أو النظام الأبوي. فعند اختراق غمامة الإثارة التي تثيرها الساردة وتأمل ما تقوله عن صديقاتها ينكشف أنها تتبنى موقفاً أخلاقياً سلبياً وضدياً منهن، موقف يستند إلى تقويم تستمد معاييره من المخزون الثقافي السائد. يبدو ذلك واضحاً في تصنيفها صديقاتها إلى صالحات وطالحات أو في موقع بين الموقعين: «وكما تبنت نجدنا الصالح والطالح، فمن بطلات قصتي من هي صالحة ومن هي طالحة - وهناك الاثنان في واحد - واستروا على ما واجهتم!» (ص 10) لا تفوتنا هنا المفارقة من مطالبتها القراء بالستر على ما سوف يلتقون به في الحكاية، فيما هي بصدد تقديم (الفضيحة) تلو الأخرى. وتضيف الساردة في مكان آخر: «علنا نتوب عن بعض معاصينا بعدما نقرأها على صفحات الإنترنت. علنا نكتشف أورامنا المستترة ونستأصلها بعد أن اعرض عليكم منها عينات بشعة منها تحت المجهر. إنني لا أرى عيباً في أن أورد عيوب صديقاتي في رسائلي ليستفيد منها الآخرون ممن لم تتح لهم فرصة التعلم في الحياة، المدرسة التي دخلتها صديقاتي من أوسع أبوابها، باب الحب!» (68). «نتوب»، «معاصينا»، «عينات بشعة»، «عيوب» - مفردات تستعيرها الساردة من القاموس الديني والأخلاقي لوصف المسرود. من الصعوبة بمكان عزو تلك المفردات إلى مصدر آخر غير المرجعية الثقافية في الواقع الذي تحيل إليه الرواية.
يذكر تقسيم الساردة صديقاتها إلى صالحات/طالحات بثنائيات متضادة مثل (العقل/العاطفة، الروح/الجسد، الأبيض/الأسود، الرجل/المرأة، الأنا/الآخر)، الدالة على ميل كفة الأفضلية والتفوق والسيادة للقطب الأول من المعادلة على الثاني. فالتصنيف وفقاً لأية مرجعية ليس سوى تحديد لبعد أو قرب المصنف (بفتح النون) من النموذج الإيجابي والمثالي من منظور تلك المرجعية الثقافية، وبشكل خاص تحديد مشابهته أو اختلافه عن الذات المصنفة (بكسر النون)، حينما تضع تلك الذات ذاتها ومرجعيتها في مركز الكون. فعندما تروي الساردة حكايات ليستفيد منها الآخرون إنما تؤكد اختلافها عن صديقاتها (الطالحات)، وتكشف المغزى والبعد التعليمي (didactic) لمشروعها السردي، وما حكايتها من هذا المنظور سوى امثولات (parables) لتقديم الموعظة. لهذا يبدو منطقياً أن تنهي حكاياتهن ب «تأكد حتمية التماهي لذوات مهزومة مع النظام البطركي الغالب، داخل حكاية أشبه بالنزوات الغرامية» حسب العباس، فمسار حكايات صديقاتها عدا (ميشيل) يكشف انتقال كل واحدة منهن من خانة (الطالح) إلى خانة (الصالح) في جدول تصنيف الساردة المنجز استناداً إلى معايير تضرب في جذورها في تربة الثقافي السائد. وعلى ضوء هذا قد يمكن تفسير محود الساردة لذاتها من الأحداث بارتداء طاقية الإخفاء للسارد العليم بدلاً من السرد من زواية الساردة الشاهدة على أنه نأي بذاتها عن (الطالح) و(العيب) موضوعة امثولاتها، مثلما تبتعد وبدرجة أعلى من الآخر الطائفي، علي الشيعي، كما أوضح فيما بعد.
ولكي لا أغلق باب التأويل، وهذا ما لا أريده، ولا أستطيعه حتى لو أردت، أود القول إن موقف الساردة من المسرود منشرخ بالتناقض كما تفصح عنه إحدى رسائلها. تقول الساردة فيما يمثل دافعاً آخر للسرد، إنها تروي حكايات صديقاتها لكي تصل إلى حالة من التوازن بين الشحنات السالبة والموجبة في داخلها: «سمعت أن مدينة الملك عبدالعزيز تسعى لحجب مواقع البريد الإلكتروني التي أبعث رسائلي الأسبوعية من خلالها.. لكنني قد أموت متكهربة إن تم هذا الحجب قبل أن أفرغ لكم ما في صدري من شحنات سالبة وموجبة تأبى التعادل بداخلي! لم أطلب سوى مساحة صغيرة على الشبكة العنكبوتية أتربع في وسطها لأسبحن عليكم، فهل كفرت؟!» (97). لا تذكر الساردة خلال الرواية ما ينطوي على أية مؤشرات ودلائل تعين على تمييز الشحنات السالبة عن الموجبة، لكن العبارة تدل على صراع بين طرفين متناقضين في داخلها ربما يكون تجاه المسرود كما ذكرت. والمؤكد أيضاً أهمية الاستمرار في الحكي بالنسبة لها لكي تبقى على قيد الحياة، كما بقيت جدتها شهرزاد بفعل القص.