الرئيسية > ثقافة الخميس

مواجهة ضغوط الواقع في قصص عبدالله محمد الناصر



عني عبد الله محمد الناصر في قصصه عناية فائقة بالتخييل المندعم بالتورية السردية لابتعاث المعاني العميقة ورؤى المصائر البشرية في مواجهة ضغوط الواقع، ومكابدة التاريخ، وظهرت بوادر هذا القصّ الاستعاري في مجموعته الأولى «أشباح السراب» (1998)(1)، وأشارت قصة «البحث عنها» إلى أوجاع الذات إزاء الموت الذي يغيّب الأقرب إلى النفس، وقد تصاعد الشجن الذي يجعل الإحساس الغامر برحيل الأم عذاباً لا ينتهي، ويدغمه في موت الحياة، فهو يسمعها، ويراها في جنبات البيت وثنايا روحه، ويرتهن افتتاح نوافذ القلب الذي يهتدي وحده إلى نفي الإحساس المأساوي إزاء قصر الحياة ومداهمة الموت تشبثاً برحابة الإيمان المطلق بطبيعة الوجود وضنك العيش، وها هي ذا الأم حية في وجدانه ونبض حياته، ونور يشع في فضاء حياته كلّه، كلما قارب هذه الرحابة.

واستغرق المنظور السردي في تصليب الذات إزاء الاغتراب في قصة «الإيغال في ارتياد الأمكنة»، فقد طفح الوجد في ذاته لدى عناء الغربة في أمريكا حين أقام فيها للدراسة، وتعاظمت وطأة الاغتراب في قلقه الذاتي، وبات الخلاص محكوماً بمواجهة الخشية من الرحيل، وباستحضار الذاكرة المفعمة بخصوصيات تجربة العيش في وطنه من خلال توهج الحنين إزاء الاغتراب:

«ظل يوغل في الرحيل، يوغل في ارتياد الأمكنة. لكن حنيناً أبدياً صاخباً كسراب الصحراء كان يمعن في الرحيل معه» (ص21).

ومالت قصة «عصفور الغضب» إلى الأنسنة لتضفي المشاعر الإنسانية على الريح والطبيعة العاصفة بالإنسان تمثيلاً للظروف الاجتماعية الضاغطة، والمثال هو الطائر المتماسك المتشبث بمكانه وبدواخله الصلبة، فقد «كان كلما اشتدت الريح يصدر أصواتاً حادة غاضبة كأنه يدافع عن موقعه بجسده وصوته، وكأنه يصرخ في وجه الريح..لا ..لا» (ص34). وتناصت الدلالة مع محتوى بيت الشعر:

قد يهون العمر إلا ساعة

وتهون الأرض إلا موقعاً

وكشفت قصة «أشباح السراب» عن مدى الأخيولة (النفطزة) في إثراء التخييل القصصي الاستعاري دعماً للدلالات الكامنة مما يؤشر إلى ما وراء النص، فالإنسان قلق من الكوابيس ومأساة اللحظة الراهنة وتعبيرها عن شجن الخوف من الموت عندما يتعرض للمخاطر في الصحراء لدى تعطل سيارته، وتوقه إلى النجاة، ولعله توهم في رؤية جمل يركض، ليتداخل الوهم مع الحقيقة، ولربما أوصى هذا التداخل بتخييل اليقظة في هذا الفضاء الاجتماعي الراسخ في منطقته ودعوته إلى مجاوزة الرتابة التقليدية والنزوع الشديد إلى توجيهات المحافظة والتمسك بها.

وتماهى الواقع مع المخيلة في قصة «الرواية»، إذ أمعن في قراءة رواية جديدة، واندمج في رؤاها، بينما المناخ حوله بارد بتأثير الواقع الثقيل المستغلق على مفاتيح الخلاص، وأثيرت دواخله عن تجاذبات الضعف والقوى التي تندغم في الذات بما يكشف عن أسباب التماهي مع استذكار التجربة المتعالقة مع صوغ القراءة:

«المؤلف حشرني قسراً مع شخوصه، ألزمني أن أكون من أفراد روايته.. كأنه يعرفني. كأنه يعرف قوتي وضعفي، غضبي وفرحي، انفعالي وهدوئي» (ص87).

لجأ الناصر في قصص مجموعته الأولى إلى التورية لإثارة الأبعاد الاجتماعية والإنسانية في الاشتغال العميق على التخييل لكشف الرؤى الفكرية عن قهر الوجود، وتكاد تدخل قصص مجموعته الثانية «حصار الثلج» (2002)(2) كلية في السرد الاستعاري، وقد أومأت قصة «أسراب الحمام» إلى المدى العميق لانحباس الحرية، وأشارت العتبة النصية - العنوان إلى تورية أسراب الحمام بالتوق للحرية، ما دامت المرأة مقيدة في قصر زواجها المترف بالعزلة والاختناق، بينما أفرط زوجها في نهمه إلى المصالح، وكأن الحياة صفقة روّعت استقرار الإنسان في متاعب الحصول عليها، وغيّبت وهجها الدافئ في آثارها المنهكة للذات، وها هي ذا المرأة مشحونة الذاكرة بأسباب الخروج من هذه القيود والتضييق على الحرية من خلال قصة فاطمة بنت النعمان التي جاوزت انحباس حريتها بأحوال لقائها غير المعلنة أو المكشوفة بالشاعر المرقش، فقد ظلت أميرة في قصرها، وتلاشت القيود كلما تجددت لقاءاتها الخفية بالشاعر الحبيب، أما المرأة فهي مقيدة وكأنها في سجن قصرها، «مجردة من الإمارة. أميرة على كلّ شيء إلا على نفسها» (ص7). ولم يبق في نبضها إلا مراقبتها للحمائم وهي «تمارس حريتها على أعسب النخلة الواقفة في شموخ» (ص8)، وتؤسيها كثيراً ذاكرة الصبا التي دلت على رحابة اندفاعتها إلى الحياة، بينما تُطعن الذاكرة اليوم، وتكتوي بسادية احتباس الحرية وحيدة معذبة، وليس لديها إلا أن «تسرح بخيالها حيث حرية الخيال هي الشيء الممكن مارسته في هذا السجن المحتشم» (ص9).

وشدّ المنظور القصصي الدلالة إلى ما وراء المعنى بامتداد القيود الخاصة إلى القهر العام، بما يجعل «حديث الخيال هو الصوت الوحيد الذي تمارسه في العراء والظلمة وفي النوم واليقظة، لهذا فهي تدمن الوقوف عند النافذة.. تسرح في مدى الافق الممتد من حدود خصلات شعرها، إلى ذلك العلم البعيد الذي يخفق في كف الريح» (ص10).

وهذا هو قلق فداحة خسارة العمر بالإذعان السلوكي المحكوم بقانون الطاعة والامتثال، ليعيش الإنسان بعد ذلك في عزلته الداخلية، وهذه هي حالة قهر الذات في قانون العرف وطقوسه بما هي أقرب إلى مرارة الوجود، حتى تمنت أن تكون «حمامة ترفّ بجناحيها من أعسب النخلة هذه إلى ذلك العلم البعيد الذي يخفق قلبه في كف الريح» (ص13).

ورمزت قصة «وجه خلف الضباب» إلى نشدان الحرية، حين يُضاء الوجه خلف الضباب كلما انفتح الفضاء إلى حقول الضوء ودروب النور لألا تأكل الشكوك القلب، وينتابه صدأ البحر والضباب. وقد مضى في الطريق إلى وجهها المشرق الذي سرعان ما يغيب أو يختفي في مواجع صحراء الواقع، غير أن صوتها العذب لا يفارقه «كلما أحس بعطش الروح» (ص17).

وتعمقت دلالة الثورية في أفق الخروج من العتمة «لعناق الضوء.. واحتمال رفقة المسير إلى مواطن الشمس ومواسم المطر» (ص18).

ودعت قصة «حصار الثلج» إلى التعاطف الإنساني لتخفيف وطأة القيود على الحرية وتقييد الأنفاس، فقد قضى وقتاً في شمال اسكتلندا فوق تلة مطلة ببياض الثلج على بحيرة لوخنس، وهو ابن الصحراء والشمس والرمل القادم من الشرق المتلبس حالة من الذهول في هذه الصحراء الممتدة من الزمهرير الثلجي الباعث على الخوف من عائلته الكالحة. وتراءت له امرأة قلقة ومنفعلة في خضم هذا الحصار القسري القاتم من الثلج، كناية عن حصار نظم العيش المختلف عن بلاده، على الرغم من اغترابه الذي تعلله الآلات والتقانة شأن الهاتف عندما يقرّبه من أهله، وكأن «هذه الآلة الصغيرة هي المفتاح السحري للدنيا!» (ص27)، فهو لا ينقطع عن الاتصال مع القريبين منه «في هذا المكان النائي المحشور في قلب الثلج!» (ص28).

وأبدى الراوي المتكلم مفارقة العيش بين صحراء الحرارة المعطلة لإنتاج المجتمع إلى حدّ كبير في وطنه، وصحراء الثلج المفضية إلى الابتكارات والإنجازات في هذا المكان البارد: «أما نحن بني البشر فكالغربان بين بقية الطيور التي لا تؤكل ولا تُقتنى ولا تصلح لأي شيء. حتى ريشها لا يُنتفع به، وليس لديها إلا هذا النعيق المزعج» (ص28).

وتأسى كثيراً من قيود هذه الصحراء، لأنها تتأخر عن ابتداع ما في ذاتها الثرية: و«شعر بأنه أسرف على نفسه» وعلى أمته بهذا الجحود الظالم، وبأن هذا كلّه نوع من أنواع جلد الذات للهروب من مواجهة الأشياء، ومناقشة الأسباب» (ص29).

ولم يفارقه شعور بالإرادة المسلوبة ما لم تنفتح سبل العيش على التطور الحضاري الشامل، بالحوار وبالتعاطف المشترك، فاقترب من المرأة وهو متوتر وقلق ومكروب بهذا الحصار الثلجي الشرس، وبهذه الكآبة المطبقة على هذا المكان، ومحاصر بقلقها واضطرابها مثلها، إيماءً إلى ضرورة انصهار الإنسانية في الالتحام ومقاربة بعضهم البعض في الأحوال العامة، وليس في العلاقات الخاصة فحسب. والمهم هو التلاقي بالذوات وبالعواطف، واكتشافها والتعارف في فيض الهواجس الإنسانية التي تحفظ الذوات «من الضياع في زحمة كوننا المضطرب المحموم» (ص32). وعلم أن شجنها مرهون بانفتاح البنك المغلق مما سيؤثر على حياتها، ويمنعها من السفر حين يقتحم حصار الثلج الهواء والطمأنينة والتعاضد الإنساني السليم، ثم هدّأ من روعها، وأنقذها من هذا الموقف القاسي، على أن «المال ليس أثمن من الدم المتشابه النابض في عروقنا معاً» (ص33-34).

وتبدى جوهر الحوار الإنساني لنفي القيود على الذات في أسطرة الكينونة البشرية التي مثلّها في خلاص المرأة من أزمتها، فراحت «تتابع النظر إليه في ذهول، وهو يبتسم لها ابتسامة مشرقة كإطلالة شمس تفيض من الشرق على تلال الثلج والصقيع» (ص34).

وأفصحت قصة «دموع في الظلام» عن حزن الإنسان لرحيل أمه المفاجئ، وقد روى تفاصيل مجاوزة قسوة العيش بفضل التنشئة الاجتماعية الكريمة ليدخل في مرارة الحزن إزاء الموت المبكر الفاجع، و«حين فتح عينيه باحثاً عن أمه لم يرَ إلا هيكلاً من الظلمة.. حينها بكى.. بكى حتى غرق بدموعه في الظلام» (ص125).

لقد أضاء السرد الاستعاري في مجموعته الثانية قيم الوجود الحرّ والكريم في تفاقم المشكلات الاجتماعية والإنسانية.

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة