الرئيسية > ثقافة الخميس

( الْيَد )


رجاء عالم

«هي اليد هَجَرَت عالمنا» عبارة تتردد في رأسي، كلما استلقيت ليد فاطمة تغوص بين لوحي الكتف وتحيي! مسترخية أميل لفلسفة الكون الغائم في سحب الزيوت العطرية حولي، وفقاً للحرارة الباطنية للأذهان يراودني أن العالم في اضطراب، فمن جهة ترتفع حرارته، ومن جهة يسكنه صقيع غير مسبوق، لا أعرف من صرح بأن العالم مريض؟ أو أن جهازه المناعي يتذبذب، بلية عالمنا الآن ربما ليست في زيادة أسلحة ونظريات الدمار وتكاثر الأسوار، وإنما في غياب اليد. أرقب الأيدي حولي لأناس تمشي وتتركها متدلية بإهمال، أو تقحمها في إشارات مفرطة أقرب لثرثرة بجانب ثرثرة الصوت، أدرك أن الأسوار لا تقوم فقط على وجه الأرض وإنما في راحات أيدينا، (وجعلنا من بين أيديهم سداً) فبوسع كل منا أن يحمل سداً ملجماً يده عن حوار الآخر أو تحريره!

كيف ينتهي عالمنا بلا يد؟ أو حين تتراجع اليد فلا تقوم بالتواجد والتمدد وكسر المسافات وتوليد الصمت الناطق؟ أحقاً نحن لا نتعارف بأيدينا كفاية؟ حيث الأيدي موصلات للقلب في حربه وطمأنينته، فاليد تفضح حين تتقدم للآخر بغدر، حيث لا تملك التخفي وإدعاء شحنة ايجابية لا تحملها، فاليد فعل لا رجعة فيه، عدا ذلك تتردد اليد وتوسع الهوة بينها وجسد الآخر، أفكر بذلك كلما استقليت صباح كل أحد على كرسي العلاج الطبيعي وسرت أصابع فاطمة بين كتفي لأعلى العنق متتبعة سريان عمودي الفقري، أفكر في أن أرفع رأسي لأصرح لها (يا فاطمة كلك أيدٍ..)، فهي لا تلجأ كثيراً لأجهزة التدليك، تفضل أن تسرب من ذاتها لجسدك مباشرة. تروح يدها وتجيء في دوائر رقيقة، ربما لا تتجاوز السطح لكنك تشعر بها على مركز الطاقة مخفي جيداً بين كتفيك في بقاع تعرفها اليد! تخرج من تحت يدي فاطمة فينكشف لك العالم، خلع أقنعته مسفراً لك عن بهائه، فتضخ لك الأشجار من خضرتها بينما الشمس تتخفف إلا من نورها لتصير أعمق ذهباً وتطير الأرصفة أمامك وتخفف جذوع الأشجار من زهرها الجهنمي الأحمر، تمطر جهنمية. قبل أن أعرف فاطمة لأول مرة كنت استلقي في سترة من الطحلب الحي، ينقعونه في الماء ويتركون لجسدك تشربه من لفائف القطن كمومياء فرعونية، كلما همد أحياه عرقك، بينما من خلف ستار ما جاءتني ضحكات عجوز وتلك المعالجة التي ينادونها بفاطمة، من وراء ستار ويوماً وراء يوم منصتة للأصوات تكونت برأسي صورة فاطمة: بقلب فاطمة عشة صغيرة تسكن أبسط المرضى وأكثرهم بؤساً! تضحك العجوز التشادية التي رفضوا تجديد أوراق إقامتها، وتعلم أن زيارتها تلك هي الأخيرة، بعدها عليها التخفي على الأرصفة بعظمة فخذها المثبتة بمسامير عشرة كيلا يقبض عليها جند الترحيل، مراوغة الجند خير علاج طبيعي لكسر العجوز! تسمع ضحكات مدام (نيرمين) منهمكة تحكي لفاطمة كيف تبعت لقمة العيش مخلفة أطفالها الثلاثة في السويس لتعبر لما وراء البحر الأحمر الغاص بقروشه للعمل:

»الأكبر نُن عيني، دخل الجامعة هذا العام...» وتترك إنسان عينها لتضرب مثل خفاش تتكسر أطرافه بهجر الأحبة، بوسع فاطمة الجلوس هناك تغافل الألم بأكوام من كلمات القلب، تستولد الحكايا لتطيب بترابها الكسور والعضلات الملتوية، بعفوية تتماهى بالمرضى الأكثر شظفاً، تفرغ شحنات الألم من أجسادهم المعطوبة، هي أيضاً جاءت يوماً من مخيم فلسطيني، حيث الموت ساكن مقيم يتمشى بين الأزقة الضيقة والبيوت العشوائية يقطف ويترك لفاطمة أن تطبب، خبيرة صارت بتنويعات العطب، متمرسة بربط اليد ضمادة لإصابات تتكاثر بينما يشح الضماد. لأيام كنت أنصت لفاطمة.. أول ما لفتني لها هو الضحكات القلبية، بينما فاطمة تقود المريضة الحبشية بتعليماتها.

«روحي للوجع.. كمان كمان.. خليك عنده...» عبارة أذهلتني، صورت لي حافلة أو قطاراً تحمل لحد الوجع تهبط لتقف قليلاً برفقة الألم على آخر حدوده تحاوره، ثم ترجع، وقفتك تلك وجهاً لوجه مع الألم ترعبه وتدفعه للتأخر خطوة، كل مرة يتأخر خطوة حتى يجلو عن جسدك..

«يا ناس هاتوا لي كيس الأرز الذي تأكلين منه، أحضريه لي.. «طلب استوقفني، ما ستفعل خبيرة العلاج الطبيعي بكيس أرز المريضة، وجاءت العبارة، «هاتوا الكيس أنظر فيه فأحسده، فتنسد نفسك لا تأكلين وينقص بعض وزنك...» عبارة قد تبدو سخيفة بمعزل عن سياق الضحك الحي الذي أثارته، ضحك يغالب الوجع ويُنهض تلك المرأة الضخمة من كسورها المضاعفة على عظمة الحوض والفخذ، أشد العظام ألماً في كسره. بوسع فاطمة الدخول ليس فقط لتلافيف عضلات وعظام المرضى المهشمة وإنما أيضاً لأسرارهم الصغيرة، لهمومهم، لطرافتهم المتوارية وراء الوجع.

(السماء بنيناها بأيد)

صارت يد فاطمة تخترق الستائر حولي، تتمدد لتملأ صالة التدريب الشاسعة، وتستحضر تلك الآية القرآنية برأسي، يصير لليد المُطلْقَة حضورٌ لا يُمكن تجاهله، تتلاشى معه ملامح فاطمة التي علقت ضبابية برأسي، باستطالة الوجه وسمرته، وجه من مزرعة زيتون بحيفا ربما أو من أرض الله.

أخرج للطريق ويراودني استيقاف المارة واحداً واحداً، أسأل: متى كانت آخر مرة استوقفتك فيها يدك، وتريثت متأملاً في هذا الوجود الصغير الذي هو راحتك بأصابعها القابضة، بعمق وجودها وفعلها؟

عندما كنت أعمل وشادية على تطبيق برنامج وضعته اليونسكو لتحفيز إبداع الطفل من خلال اللعب، كانت من أهم الوحدات التعليمية التي يختبرها الطفل (وحدة الأيدي)، وهي دعوة لرحلة طويلة يكتشف من خلالها الطفل عالماً يدرك فيه أن لكل موجود يداً، ابتداءً من الله، حتى الجماد، وأن الطفل باكتشافه ليده يكون قد اكتشف وجوده الفاعل والحقيقي، لأن لأيدي الموجودات وظيفة لا تتبدل هي (الوصل)، وحتى الطاقة تحتاج أن تتلبس باليد لكي تعبِّر للآخر ناقلة رسالتها أو مُرسية وضعاً أو وجوداً ما. بالتأمل في حضور اليد بالآيات القرآنية مثلاً، نجد أن لليد وجوداً مغيراً في مصائر الأقوام وصياغة آخرتهم في نعيم وعذاب، حيث تتحول اليد لتتلبس بكيان ماض في خلقنا وإعادة خلقنا {والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون} لله أيد ماضية في البناء وتكوير السماء وتدويرها حولنا (بل يداه مبسوطتان) في إشارة لأن البسط هو التجلي الإلهي لليد، بل إن كل ما حولنا أيد وإن لم تدركها أبصارنا:

{وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته} يُباغتنا هنا أن للرحمة يدا تَهبُّ على الكون، وللعذاب يدا {إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد}. تقبض وتبدد هباء، وللنجوى يد {فقدموا بين يدي نجواكم صدقات}، كما تتحول اليد لراية {وأضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء} يتم ضمها للجناح وغمرها في نهر القلب قبل مَدّها للآخر علامة هدنة وسلام. أو تتحول لسلاح بادئاً سلسلة الفتك على وجه الأرض في حضور قابيل {لئن بسطت إليَّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} إذ بدون تدخل اليد تظل نية التعدي على الجسد هباءً في الرأس. {يظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس} فاليد بوابة تفتحنا على فردوس أو جحيم، وكل وجودنا الحياتي يتلخص في فعل اليد بتقدماتها وقرابينها من الميلاد وحتى لحظة النزع الأخير {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم} تتجلَّى اليد كجسر أو منفذ أخير يتجسَّد للروح في صراعها الأخير مع الموت، يفتح أمامها بدائل للجسد تلجأ إليها لتترقى في الوجود ما بعد الجسد. حيث نواجه حقيقة أن كل الكتب السماوية نزلت مصدقة لما بين يديه، لكأنما الأديان والوجود الإلهي متلخص في راحة المطلق، والكتب ما هي إلا تصديق لذاك الوجود، {في صحف مكرمة، مرفوعة مطهرة، بأيدي سفرة}، حيث اليد لوح محفوظ يمضي في التجسد بكتابات قادرة على صياغة وإعادة صياغة الأقدار وتدويرها. بل وحتى الرسل يتلخص وجودهم في أيد {أذكر عبادنا إبراهيم واسحق ويعقوب أولي الأيدي}. أيد موصَّلة واصلة قاطعة بين الوجود البشري والإلهي ونحن عليه عبور، لنستقر في وجود تغادر اليد فيه أقنعتها لتصير ناطقة {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم} في تجسيد لوجود يهمش فيه الفم لتصير لليد أو للجسد الكلمة الفصل التي لا تضليل فيها ولا مراوغة.

جالسة أكتب على كرسي الفرعوني اندفع آدم ابن الثالث نحوي، أمسك بيدي، باسطاً راحتيهما إحداهما للأخرى كما لو كانت مُطبقتين على دعاء، جامعاً يدي لشفتيه قبلهما بقوة قائلاً: «هذه يدِّك، هذه يَدِّك» عبارة واحدة باغتتني فقالت كل شيء: الحب، التبجيل، الاحتواء، الدهشة! منبهرة أطبقتُ براحتيِّ على راحتيه قبلتهما مُرَجِّعة كلماته:

«هذه يَدَّكَ، هذه يَدَّك ... أحبها..» كان عليَّ إضافة ذلك التأكيد بالحب.

«تحبيها؟ ليه؟» واحترتُ في طراوة تلك اليد الصغيرة،

«لأن يدكَ صغيرة وجميلة، طازجة، طالعة للتو من يد الله...»

«ويدك؟» متأملاً بعمق الطفل في راحتي، بخجل قلَّبتُ يديِّ لا أعرف كيف أصفهما، بلمحة راجعني مشوارهما منذ خروجهما طازجتين من فرن الخلق، لم أحرر جواباً، وجدتُني أقول:

«يدي كبيرة...» ورنَّت الكلمة في سمعي من خواء،

«وما تحبيها؟» سؤال يُحاكم، حقاً (أنحبُ أيدينا)؟ ربما

بانتظار أن نصحو في عصر تخرج فيه أيدينا طازجة، ما بطشت بعد ولا لمزت، مُرسلة طرية جاهزة للمس.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 2

  • 1
    يقول أهل البلاغة ان الاسلوب هو الرجل, فالاسلوب هنا ملتو كالتواء الثعابين والمكرونة ومعكسر كتكسر المد بعد الأعاصير فهي كالهشيم الذي تذروه الرياح, فلا الفكر مترابط ولا الهدف سامي, المنطلقات لا هي نزيهة ولا هي حقيقية, ظلمات بعضها فوق بعض, فبعدا للقوم الظالمين كما بعدت عاد وثمود

    حارث الماجد - زائر

    07:40 صباحاً 2006/02/16


  • 2
    رجاء عالم حين تكتب فهي تدخلك في عوالم سحرية أسطورية تشبه شهرزاد وحتى رواياتها تُشعرك بالغيبوبة منذ أن تقرأ عناوينها !

    سعد أبو سلمان - زائر

    05:50 مساءً 2006/02/16



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة