
في كتاب «الإرهابي 20» يستعين الشاعر عبدالله ثابت بشخصية زاهي الجبالي ليكتب سيرة كائن تعرض للاختطاف من قبل الجماعات المتطرفة، وتعلّم كيف يستيعد ذاته لينطلق إلى جماليات الحياة. زاهي الجبالي سجل تلك التحولات بلغة رشيقة وبرؤية تشتمل على مفارقات المرحلة، الكتاب خارج التصنيف كما يريد له ذلك المؤلف. وفي هذا الحوار ل«ثقافة اليوم» نتعرف على رؤية الشاعر عبدالله ثابت تجاه «الإرهابي 20».
٭ اجتهادك في عدم تصنيف كتابك «الإرهابي 20» هل هو سبب الخوف من المحاكمة الفنية للنص؟
- أبداً، ليس الأمر على هذا النحو، وما سميته بالمحاكمات الفنية لا حساب له لدي، وقد وضحت المسألة في أول صفحة من بدء العمل، وذكرت أني احترت في الطريقة التي أقدم بها هذا النص، وأخيراً رأيت أن يخرج عفو الخاطر، هكذا اندلاقاً تلقائياً يتحدث فيه (زاهي الجبالي) الذي تدور كل الأحداث حوله ومنه وإليه، فيما يشبه البوح، وتسجيل ما يجول بالنفس، متذكراً تفاصيل سنيه المهمة والحساسة، دون التورط في قوانين وإطارات فنية مسبقة، بل الكتابة على طريقة الرسم بالإشارات هكذا في الفضاء، وهكذا ظهر النص في شكله النهائي، وربما كان الاختلاف المربك بين وجود التصنيف (رواية) على الغلاف، وبين رفضي هذا التصنيف في ص5، يرجع إلى رؤية دار النشر فيما يتعلّق بترويجها للعمل وتسويقه كرواية، أما أنا شخصياً فإنني لا أهتم أبداً لأي من هذا، ولا أراه شيئاً يستحق الجدل والنقاش حتى، فهذه كتابتي، وهذا وصفها الوحيد عندي، وللأصدقاء النقاد أن يتناولوا هم هذه المسألة بطريقتهم لأنها تعنيهم دون أن تعنيني، ولهم أن يروها كما يشاؤون، سواء اعتبرها بعضهم أفقاً جديداً في الكتابة السردية، أو رآها آخرون بأنها مقحمة على عالم الرواية، أو حتى رأوها مجرد مذكرات أو سيرة أو.. إلخ، وببالغ الاحترام والتقدير إلا أني غير منشغل بهذه النقطة ولا بالقوانين والإطارات الموضوعة سلفاً للفنون، وأرى دوماً أن إحدى مهماتي الكتابية هي الانفلات على هذه الأنساق، والخروج عن هذه الحدود، وخرق الاصطفاف دوماً!
٭ وأنا اقرأ سيرة زاهي الجبالي تذكرت رواية الحزام وكيف استطاع أحمد أبودهمان استثمار القرية الجنوبية في عمل سردي لافت.. وكذلك تذكرت أطياف الأزقة المهجورة لتركي الحمد وكيف استطاع الحمد استثمار شيء من سيرته في عمل روائي دوَّن فيه تاريخ حالات سياسية واجتماعية. زاهي لم يفعل ما فعله أبو دهمان، ولم يتقاطع مع الحمد. لماذا فرطت في كتابة زاهي بملامح سردية؟
- بمعنى أنك تحكم الآن أنك ترى أن الامتناع عن المشي في طريق مسلوك من ذي قبل تفريطاً، وأنا أرى أن حكمك هذا إفراط في ضرورة التقاليد، بل وأرى أن كل من يرفض السير على أثر سابق يستحق أضعافاً من الاهتمام والمتابعة، لأنه يفتح النوافذ على أفق جديد، قد يكون مدعاة للسخرية والهجوم والرفض بادئ الأمر، لكنه يوماً ما يصبح شيئاً حتمياً وليس بوسع أحد أن يتجاهله.. ومن هنا فإنني نعم لم أكتب عملي لا على طريقة الصديقين تركي الحمد ولا أحمد أبودهمان، وإنما كتبت على طريقتي التي ليس بالضرورة أن تكون أجمل أو أعلى فنية، لكنني سأكون محبطاً جداً لو لم تكن كتابتي هذه فعلاً جديداً في عالم الفن والجمال... مع عظيم إجلالي بالطبع لتجارب إبداعية كانت هي أيضاً فعلاً جديداً بشكل ما لا يمكن لأحد أن يجهل أثرها الجمالي كتجربتي الحمد وأبو دهمان وغيرهما، وأجزم أنهما قبل أي أحد يرفضان أن تستنسخ أعمالهما في نصوص جديدة ومن قبل تابعين لا يستطيعون الإتيان بجديد!
٭ كل شيء في الكتاب يحمل رائحة الواقعية. أسماء الأماكن، أسماء الشخوص، وكذلك الوقائع التي حدثت ماعدا اسم زاهي الجبالي. الذي يبدو نشازاً في هذه السيرة الذاتية. ما مبرر حضور هذا الاسم؟
- أنت تحكم هنا مجدداً بأن كل العمل واقعي، بل وتصنفه أيضاً بأنه سيرة ذاتية، ومجدداً لا أوافق على أحكامك، فليس كل ما في العمل واقعياً بالشكل المباشر الذي تعنيه، كما أن المكتوب لم يكن ولن يكون سيرةً ذاتية أيضاً على الطريقة التي تشير إليها، أما مبرر حضور هذا الاسم في العمل فهو مبرر واحد فقط أني هكذا رأيت وهكذا كتبت، وبالمناسبة: أعتقد أنك معني بمثل هذه النقطة لأنك من هنا، من السعودية، أي من جوف الواقع، فتنظر للعمل بعين خاصة جداً، لكني لا أظن أن قارئاً من الأرجنتين أو اليابان أو حتى من الصومال وجيبوتي سيهتم لهذه الجزئية، لأن إحساسه وذهنه سيتجهان للنص ذاته، وليس لما وراءه مما تعرفه أنت لكونك شريكا واقعيا في الكتاب بحيثية ما!
٭ بينما زاهي يرفض دخول المدرسة القرآنية في المرحلة الابتدائية كان الأب يصر على تلك المدرسة. في المرحلة الثانوية ذهب زاهي إلى تلك الجماعات المتطرفة برغبته. رغم أن تجربته في المرحلة الابتدائية لم تكن جيدة وخلفت ندوبا في نفسيته. كيف تفسر موقف زاهي بتواصله مع تلك الجماعات مرة أخرى، رغم موقفه السابق؟
- زاهي لم يرفض دخول المدرسة القرآنية في الابتدائية، وإنما رفض الاستمرار فيها لمرحلة أخرى، وهو بالفعل لم يعد إليها، والتحاقه بالجماعة المتطرفة التي كانت تمد أياديها بداخل الثانوية جاء إثر مجموعة من الأحداث والأجواء المحيطة به، تدافعته حتى انخرط فيها، ووجد نفسه ذات يوم أحد أعضائها، بل وفي يوم آخر يصبح أحد أهم شخصياتها.. ويمكن إيجاز الأحداث في اتجاهين أحدهما ما يواجهه خارج هذه الجماعة من قبل مجتمعه وضيقه ذرعاً بهذا الهرب الدائم منهم، والاخر ما تعرض له من طرق الاستدراج التي مورست عليه حتى أصبح أحد أفراد تلك الجماعة، ويمكن أيضاً إيجاز الأجواء في اتجاهين، أحدهما يتمثل في الضنك الاجتماعي الذي كان يعانيه لأسباب موجودة في الكتاب، والآخر يتمثل في البديل الممتع الذي كانت تقدمه له هذه الجماعة، لتكون النتيجة الطبيعية انجرافه التام إلى تلك النوعية من الحياة، بل والدفاع عنها، والقتل لأجلها إن استدعى الأمر..
٭ برغم عدد الاخوة الذي يصل العدد 11 إلا أنه تم تغييبهم تماماً من السيرة. ما عدا الأخ الأكبر الذي كان حضوره نادراً. هذا العدد من الاخوة لا يمكن أن يكونوا دون تأثير على زاهي. كيف تفسر غيابهم؟
- أيضاً تصر على التصنيف بالسيرة! تم تغييب بقية الاخوة لأن موقف الأيدولوجيا التي كان يعتنقها زاهي نفسه تقضي هي ذاتها بمقاطعتهم، ومقاطعتهم تعني أنه يرفض عقدياً أن تكون هناك أي مساحة يمكن أن يلتقي بهم أو معهم فيها، حتى في شؤون صغيرة كتناول الوجبات أو المناسبات الاجتماعية.. إلخ، وبالتالي فإن أي حضور لهم يعني وقوعه في خلل يناقض يقينه ومنهجه، وأيضاً فقد كان أكثر من هذا أن الرؤية التي كان يتلقاها بيقين تام من رؤسائه تفيد بكفر المجتمع كاملاً، بما فيهم أسرته، وفي ضوء ذلك كان يؤمر بمفاصلتهم بدليل {قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون} .. وكان يمتثل لذلك!
٭ مواقف الأب مرتبكة تجاه زاهي. أيضاً كل التحولات التي عاشها زاهي في تصوري هي بسبب الحالة الأسرية. لهذا كان زاهي معرضاً للاختطاف من قبل أي جماعة وليست الجماعة الدينية فقط، أليس كذلك؟
- مواقف الأب مرتبكة تجاه زاهي كانعكاس للصراع النفسي الذي يعيشه الأب ذاته تجاه ابنه، بين عاطفته الشديدة نحو هذا الابن بالذات من جهة، وبين عدم رضاه في تفاصيل كثيرة عن الحياة التي يعيشها زاهي ويصرّ عليها، رافضاً الانصياع لشكل الحياة التي يعيشها بقية إخوانه، والأسرة كلها.. وايضاً فلا أرى أن كل التحولات حدثت في ضوء الحالة الأسرية، بل كانت متعلقة أكثر من هذا بذات وتركيبة شخصية زاهي التي كانت في كل مرحلة، وفي ذروتها تحديداً تأخذ شكلاً حاداً في التعبير عن وجوده وأناه، سواءٌ في وجه الأسرة أم المجتمع أم الواقع بجميع أشكاله، ولهذا السبب كان ينصرف زاهي إلى من يجد لديهم مهدئات لقلقه وبحثه عن نفسه وذاته المضطربة، وربما كان حظه الحسن أو السيئ أن تلقفته هذه الجماعة في وقت مبكر وهرب إلى بحثه عن نفسه من خلالها، فسرقته منه، لكن هاجسه بذاته لم يتبخر وأخيراً دفعه للتمرد والخروج والبحث عن نفسه مجدداً في جهة أخرى!
٭ «لكنني سأكون محبطاً جداً لو لم تكن كتابتي هذه فعلاًجديداً في عالم الفن والجمال» هل حقاً أنك تشعر بأنك قمت بفعل كتابي جديد ومغاير على مستوى السرد؟
- ربما يكون هناك جديد سردي، لكني لم أقصده، فالجديد الذي عنيته أكثر كان على مستوى تقنية السرد وليس السرد ذاته، ينعكس هذا جلياً على الحيرة التي تناول بها الأصدقاء والنقاد وغيرهم العمل من حيث ماهيته، وإلى أي الأشكال الأدبية يمكن تجييره، فهو كما جاء في تقديمه عملٌ لا تصنيف له، أي أنه عملٌ خارج عن قوانين الإطار الواحد.. وهكذا كان فعلاً جديداً، فالبعض يراه بتردد سيرة، وآخرون يرونه فتحاً في الرواية، وآخرون يرونه مجرد مذكرات، وبعضهم يراه وثائق.. إلخ، ولا أحد يمكنه أن يتعامل مع الكتاب من زاوية واحدة فقط!
٭ هل صحيح عبدالله ثابت وآخرون استغلوا التحولات الفكرية التي مروا بها إعلامياً. وتم استثمار هذه التحولات لتكون هي مجرد محور حضورهم الإعلامي؟
- ولماذا أنت هنا في الإعلام أيضاً؟ هل أتيت من حياة شخص آخر لتسجل حضورك الإعلامي؟ وهل ستراهن على التحولات الفكرية التي تمر بشخص آخر لتتقدم أنت، ولتمشي خطواتك الخاصة!! أقصد أن كل شخص يحضر بأي مكان سواء كان الإعلام أو غيره، فإنه يجب أن يأتي من تجربته وخصوصيتها اللصيقة جداً، وأن يستثمرها لتكون له بصمته الحقيقية والصادقة والشفافة، وكل من يتوارى خلف الإكسسوارات، أو تحت ظلال آخرين فإنه يبقى إكسسوارياً أو ظلاً لآخر، فأنا - ولا أتحدث عن الآخرين الذين تعنيهم - انطلق مني ومن أدق الأجزاء في تجربتي إلى العالم، سواء كان عبر الإعلام أو غيره، هذا صدق مباشر، وبرأيي أن كل الذين فعلوا شيئاً حقيقياً في الحياة كانوا ببساطة صادقين.. صادقين جداً. إنها حياتي يا صديقي، ولا أشعر حيالها بالخجل ولا بالندم، وسأعبر من خلالها إلى كل شيء فيما سيواجهني في قادم العمر، ولن أتنصل منها لأي مكاسب!
٭ في الكتاب وبعد أن تم الانفصال عن الجماعة المتطرفة لم نجد أحداثا تستحق السرد. كأن الحكاية انتهت بالانفصال. فنجد الكتابة فقدت الكثير من رتم عفويتها وأصبح الترهل هو ملامح الكتابة بعد ذلك؟
- ما تقوله ليس رأياً، وإنما هو حكم.. وليس من شأني أن أترافع عن العمل في مواجهة الأحكام التي تطلق عليه، وخصوصاً أنك لم تشر إلى أن هذا حكمك الشخصي، بل تحدثت عن آخرين، وهنا فإن كل ما أقوله أني كتبت بانسياب وصفاء دون أن ألتفت لوجود من سيقرأ ذات يوم، لقد كتبت وكل ما كان من حضور للآخرين، كان مشطوباً في ذهني.. إنني أكتب دوماً على طريقة تنفسي، بكل عفوية!
٭ زاهي الجبالي طغت عليه الأنا. ونرجسيته أيضاً، هو كائن متطرف فعندما غادر الجماعة المتطرفة تطرف في الاتجاه الآخر. ألا تجد أن زاهي الجبالي قلق ومرتبك إلى حد هذه اللحظة؟
- الأنا الطاغية لدى زاهي، هي ذاتها التي كانت لدى 19 آخرين في 11 سبتمبر، وتلك الأنا بكل ثقتها وقوتها وطغيانها فعلت ذلك الفعل العالمي، فهو حقاً عالمي جداً، حتى وإن كان جريمة.. إذن فتلك الأنا بدل أن تخطف الطائرات وتسقط الأبراج وتفجر نفسها بكل تلك الإرادة، بدل كل ذلك كتبت وعبَّرت عن أناها في اتجاه آخر، في اتجاه الجمال والحياة الحلوة. لقد كانت تلك نفوسٌ نرجسيةٌ ضد الحياة، ونفس زاهي النرجسية لصالح الحياة ومع كل جمالياتها، وكان هذا البوح طريقته في الانفجار، آملاً أن يصبح انفجاراً عالمياً أيضاً، فزاهي يعيش الآن، ليس للقتل والدمار، بل احتجاجاً عليهما .. أيضاً بخصوص وصفك لزاهي بأنه خرج من تطرف إلى تطرف آخر، أريد أن اعترف بأني لا استوعب أن يكون هناك فنّ دون تطرّف، التطرف الجمالي، وليس التطرف بمعناه القبيح.. وزاهي خرج من التطرف القبيح الإجرامي إلى التطرف الجمالي الإنساني، وبرأيي أن الجمال والفن والحياة الحقيقية لا يمكن لأي منها أن يكون محايداً، بل لا بدّ لتمام جوهريته أن يكون متطرّفاً، فلنتطرّف جداً جداً بهذا المعنى، فحين يهرول الفن نحو الشاسع من الفن، والجمال إلى جمال أوسع، والحياة إلى المزيد من الحياة، فإن الإنسان حينها سيكون إنساناً خالصاً في حالته الأسمى، مرتفعاً عن الزيف والأكاذيب والقتل وكل ما هو لا إنساني في أصله.. أختم باختصار: أنه لا حياة ولا فنّ دون تطرف فيهما ولصالحهما، ودون قلق وارتباك لأجل المزيد منهما!
1
لقد تألمت كثيراً عند قراءتي لهذه التجربةوتأثرت بها كثيراً,وعندما أنهيتها كنت أتمنى لو أنني أستطيع أن اصافح هذا الرجل طويلاً بصمت
وأن أخبره هكذا -بصمت- أنه كتب أشياءاً كثيرة لم أستطع أن أتحدث عنها ,ناهيك عن أن أكتبها!
يا عبدالله اعتن بألمك,اعتن به جيداً
نعيم علي - زائر
09:32 مساءً 2006/02/16