الرئيسية > ثقافة الخميس

أوروبا ذات الوجوه/ الرسالة الدنماركية


عبدالله محمد الغذامي

لاشك أن في اوروبا وجهاً جميلاً وانسانياً، وبازاء هذا الجميل هناك وجوه كثيرة قبيحة، وكل الذين عاشوا (في) اوروبا في دراسة او عمل واختلطوا بالناس وعاشوا ظروف الحياة مباشرة وباندماج عميق كلهم يعرفون انواعاً من هذه الوجوه وخبروا صيغاً من التعامل بعضها شديد القسوة والجفاء في عنصريته وكراهيته للآخر ذي اللون المختلف والثقافة المختلفة واللكنة اللغوية المختلفة حتى ليصبح نشازاً بشرياً يسمع ويرى ويحس أنواعاً من التعليقات وردود الفعل والتعامل الاقصائي وبجانب ذلك تجد مواقف فيها انسانية وتحضر وسعة أفق.

كل هذا وذاك موجود وللعرب والمسلمين منه نصيب كبير، ونصيبنا منهم يزداد وينقص حسب الظروف السياسية والاقتصادية وهناك علاقة وثيقة بين هذه وظهور المواقف سلباً او ايجاباً.

غير أن اكثر ما يعنيني هنا هو الاشارة الى الوجه الاوروبي الحسن ذي الابعاد الانسانية والكونية، وهو وجه موجود لكنه لا يتحرك إلا بحوافز، وهي حوافز ليست ذاتية داخلية تنبع من الغرب الاوروبي نفسه، ولكن التحفيز يأتي وبالضرورة من أصحاب القضية وممثلي الثقافة المضطهدة، ولنا مثال على ما يجري اليوم في الحالة الدنماركية والاساءة الى رسولنا الكريم ورمزنا الأول، ونحن نرى ونسمع (بعض) اصوات اوروبية سياسية وصحافية تقف ضد الرسوم وتندد بها، وما كان هذا ليكون لولا ردة الفعل الكبيرة في العالم الاسلامي كله، ولقد مر على ظهور الرسوم اربعة اشهر لم نسمع أحداً من الاوروبيين يستنكر هذه الرسوم، وهذا ما يشير الى ان الناس ذوي المواقف الانسانية لا يتحركون من انفسهم ولكنهم يستجيبون لدواعي التحفيز، وهنا نلمس اهمية ان تتولى الثقافة الدفاع عن نفسها وعن مقدساتها، وأن هذا هو الاصل التاريخي لتحقيق مكان ايجابي في الحياة.

لقد مر دهر علينا ونحن نتلقى الاهانات لثقافتنا من كل صوب وحدب، خاصة في اوروبا وأمريكا، وكنا نسلم بهذا الأمر ناسبين ذلك الى كراهية متأصلة في الغرب ضدنا، والكراهية المتأصلة موجودة فعلاً وهي خلاصة ثقافية عريقة منذ قرون تكشف عنها الكتب والحكايات والاحالات الاجتماعية في الامثال والنكت كما هي جزء من التاريخ المدون عندهم (وعندنا) فيما هو ثقافة الضد وثقافة الآخر المكروه، ولا شك أن في ذهن كل انسان غربي رصيداً كثيفاً ضد ثقافات الشرق وافريقيا ولنا من ذلك نصيب كبير، ولقد مر زمن طويل لم نقدم ما هو كاف لتصحيح الصورة، وفي حالات كثيرة كنا نفعل أفعالاً تساعد خصومنا على تأكيد تلك الصور النمطية عنا، ويجد اصدقاء ثقافتنا القليلون هناك صعوبات كبيرة في شرح حضارتنا بسبب تصرفات بعضنا التي تهيج الكارهين لنا بأخذ هذه النماذج كشواهد تأكيد على ما تقوله الثقافة عنا أصلاً.

أما ما يجري اليوم من ردة فعل عظيمة ضد الصور الدنماركية فهو أول تحرك ثقافي شعبي في تاريخنا نعبر فيه بصورة جماعية عن رفضنا لهذا التنميط الكاره والمشوه لنا ولرموزنا، وبسبب هذا الموقف منا بدأت أصوات كانت صامتة وساهية بدأت تعلن موقفها الرافض لهذا المسلك المشين، ولولا تحركنا الشعبي لما جاء أي صوت يناصر قضيتنا، وهذا يجلب بالضرورة النموذج اليهودي الذي ظل ينافح عن نفسه وعن تحيزات الغرب ضده واستمر على ذلك عقوداً طويلة حتى وصل الى استصدار قوانين تمنع التعرض لليهود وثقافتهم وتحرم معاداة السامية، ولكننا نحن كنا خارج دائرة هذه القوانين لأننا لم نبذل جهداً في مكافحة الاضطهاد والتحيز ضدنا. ولذا ظل لحمنا حلالاً لأي وحش ناهش. ولقد تبين أن الأمم التي تقبل الاهانة على نفسها هي الأمم التي تهان فعلاً.

لقد اكتشفنا أخيراً أن لنا قوة عظمى هي قوة الشعب وهي قوة الكلمة وهي قوة الرأي وحرية التعبير، ومارسناها، ولذا يجب أن نستمر في مثل هذه الحملة حتى نكسر الغرور والغطرسة الاوروبية التي يمثلها رئيس وزراء الدنمارك أبرز تمثيل.

إن الحق الذي لا يدافع عن نفسه لن يدافع عنه خصمه، وبين يدي مثال ما زلت أشعر بالألم معه، وهو اننا في عام 1971 كنا في معهد للغة الانجليزية في كيمرج/ بريطانيا، وكان مقرراً علينا درس عن المسرح الانجليزي واختاروا لنا مسرحية جون اوزبورن (look back in anger) وهي واحدة من أهم مسرحيات القرن العشرين في بريطانيا وكانت شاهداً على تحول ثقافي نوعي في المجتمع البريطاني ولذا فقد كنا فرحين بدراسة المسرحية على يد أستاذ متخصص، ولكن فرحتنا لم تدم حيث فاجأتنا الصفحة 24 وفيها تشبيه اهاننا حيث راح البطل يتكلم باستهتار بالغ عن إحدى نساء المسرحية طالباً من سامعيه تصور منظر لعجوز عربي يغرس اصابعه القذرة في شحم خروف ممدد بين يديه بالدهون واللحم المترهل، هذه عنده هي صورة للمرأة المستهزأ بها في المسرحية في تقابل بين العربي القذر وأصابعه المغروسة في الشحم.

لقد كانت الفقرة مهينة لنا وصارت مجال تندر من الطلاب والطالبات من زملائنا الاجانب، وهنا أحسسنا بوجوب التحرك، وذهبنا الى مدير المعهد معترضين على تقرير مسرحية فيها اهانة لشريحة من طلاب المعهد وكانت المفاجأة لنا هي ان المدير - مع تفهمه الظاهر لموقفنا - رد علينا بقوله ان الموقف ليس مهيناً بدليل ان الطلاب العرب الذين مروا على المعهد طوال السنين التي مضت وكذلك من هم معنا وقتها لم يعترضوا على ذلك، وقال انه لم يسمع اعتراضاً إلا منا وفي هذه المرة تحديداً، ثم ختم قوله وهو يودعنا بأنه لو رأى احتجاجاً واسعاً ومتكرراً على هذا لما وسعه إلا ان يحترم رأي طلابه وهم بالتالي زبائن للمعهد يحرص عليهم.

لقد خرجنا من عنده محبطين فعلاً لأن الإشكال لم يكن محصوراً بوجهة النظر الصائبة ومصداقية الصواب، ولكن الأمور تحتاج الى صوت جماهيري، ولم نكن نملك ذلك الصوت، وكنا ثلاثة فحسب وقد خذلنا باقي الطلاب العرب حينها، ولم نتمكن من جمع توقيعات كافية لتقديم احتجاج.

ولقد ترسخت هذه الحادثة في ذهني في كل مرة أرى فيها موقفاً مهيناً لثقافتنا او لشخصيتنا الرمزية، وأشعر بالغيظ من تخاذلنا وتسليمنا بما يجري وكأنما هو قدر لا مفر منه، حتى صرنا نحيل كل شيء الى علة واحدة هي كراهية الغرب لنا، ولا شك أن الكراهية هذه موجودة، مثلما أن كراهية اليهود لدى الاوروبيين موجودة وعريقة، وكراهية السود في أمريكا موجودة وعريقة، ولكن هؤلاء وجدوا صيغاً لمواجهة الكراهية بالثورة السلمية والاحتجاج المدني على مدى طويل حتى وصلوا الى تحصين حقوقهم بالقوانين، ولن يعجزنا ذلك اذا اتقنا شروط المعركة، واتقنا لغة الاحتجاج السلمي وأولها الرفض الشخصي للبضائع الدنماركية وقد فعل الافارقة ذلك في أمريكا اثناء تمردهم المدني في الستينات حيث قاطعوا البضائع والمطاعم والحافلات التي تميز ضدهم، ونحن لن يسعدنا أن نمتلك بضاعة دانماركية بعد أن أهين أكبر وأجل رمز لنا في تلك البلاد التي تغطرس رئيسها وابدى نقصاً مخيفاً في الكياسة واللباقة الثقافية في تعامله مع الحدث.

إن لرسولنا الكريم دوره القيادي الخالد في حياتنا وتاريخنا، وها نحن نرى هذا الدور القيادي في تحريك شعورنا الشعبي وفي كشف قوتنا الذاتية عبر سلاحنا العظيم وهو سلاح الكلمة الصادقة والموقف الحضاري والانساني في قول كلمة الحق والانتصار للحقيقة ورفض العنصرية والتكبر والعنجهية، وهذه بداية لدرس حضاري كبير في عدم تفريط الامة بحقوقها ومكانتها التاريخية ورفضها للهوان، ولكن بأساليب تعطي مفعولاً ايجابياً وليس عبر التهور والاضرار بالقضية وتزويد الخصوم بوقود لنار الكراهية المتبادلة.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 3

  • 1
    يادكتور عبدالله وإن إختلفنا معك كثيراً في إطروحاتك وشدينا ومدينا
    وكل ذلك بحسن وصفاء نية بيننا إن شاء الله...
    فلا يمنع ذلك أن نكون كما قلت يدا واحدة ونقوي بعضنا البعض في هذه المواجهة التي كشفت والله الوجه القبيح للغرب وزعمائه وتصرفاتهم العنصرية المقززة...
    أنا أقول أنت اليوم خير مثال لما قلت وكنت كما قلت...
    وإن دل ذلك فإنما يدل على أنك إنسان مفكر وواع وإن إختلفنا معك كثيراً ولكن أن نختلف مع إنسان يبني مواقفه على تفكير ومنطق وعلم وحسن نية وإخلاص خيرٌ من إنسان يبني مواقفه على مجرد الإختلاف والإعتراض من دون معرفة لماذا؟؟ فقط لمجرد الإعتراض طلباً لشهرة والشوشرة...
    مقال رائع مبني على عقلية ذكية.

    911 - زائر

    11:38 صباحاً 2006/02/16


  • 2
    د/ عبدالله أسعدني طرحك ذات البعد الشمولي الذي يعتمد على الحقائق فمثلما ذكرت أن الصوت الجماهيري مطلوب ليعطي بعداً للقضية مثلما حدث ليتفرغ الساسة من معالجة تلك الإفرازات مع الأطراف الرسمية الأخرى برصيد شعبي يقوي من مواقف الدول ,أما إشارتك للمقاطعة الشخصية وأهميتها لتكون رسالة للإتحاد الأوربي الذي أبدى تعاطفه مع الدنمارك ثم تراجع 180درجة ورغم أهمية المقاطعة كتسجيل موقف للدول المسيئة إلا أن تلك المقاطعة جُوبِهت بحملة من بعض مثقفينا بحجة أننا غير قادرين عن الأستغناء عن الغرب وتبريرهم كيف سيكون حالنا لو اجتمعت أورباء على شتم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ولسان حالهم يقول هل سنقاطع العالم ونحن بحاجتة غير مدركين بأن ردود الأفعال ليس من أجل الأستمرار بها بقدر ماهي لتسجيل المواقف فالسؤال المطروح (ماذا يريد بعض الكتاب الذين لايفكرون إلا في بطونهم وماذا سيكون موقفهم لو أرادت دول كبرى غزو بلادنا هل سنقول على الرحب والسعه لأننا بحاجة تلك الدول وبكل أسف لدينا بعضا من المثقفين لايتعدى عمقهم الفكري بطونهم ولم يدركوا بعد أن لدينا تبادل تجاري يقوم على الندية وأي إخلال بتلك التبادل سيلحق الضرر بالدول المسيئة لنا لكن وفيما يبدو لي أن البعض لايريد مواقف سياسيه وشعبية غير مدركين أنها صمام أمان لوقف مثل تلك المحاولات الشريرة التي يقوم بها الغرب.
    saas444@hotmail.com

    طارق بن محمد - زائر

    03:42 مساءً 2006/02/16


  • 3
    أختلف مع الدكتور عبدالله في كثير من مقالته لسبب موضوعي ويمكن إيجاز مكمن الاختلاف في هذه العبارة المقتبسة من مقالته (ولقد مر على ظهور الرسوم اربعة اشهر لم نسمع أحداً من الاوروبيين يستنكر هذه الرسوم) فالواضح ان الدكتور عبدالله يريدهم أن يكونوا مسلمين أكثر من المسلمين وهذا خطأ إذ أن استجابتهم أو ردة فعلهم تختلف عن استجابة المسلم العادي فإذا كانت الرسوم والسخرية تثير الغضب فإن مصدر ذلك راجع الى ذاتية المسلم التي تكونت بهذا الدين وصار الدين جزء من ذات المسلم وكرامته والقيم الاسلامية التي نشأ في أحضانها على عكس الغربي (المتعاطف) الذي ينظر الى هذه الرسومات من منظور وزاوية مختلفة ومعايير مختلفة أيضاً
    ويمكن القول أن التعاطف مع غضب المسلمين يأتي لاحقاً لأنه رد فعل واقعي على عكس اتخاذ موقف سابق...وفقك الله !

    سعد أبو سلمان - زائر

    05:38 مساءً 2006/02/16



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة