
«عبدالله عبدالجبار» المربي والمفكر والأديب الناقد، احد رواد الحركة الأدبية بالمملكة، ومن اوائل من اهتم بفن السرد في المملكة، فيكفي انه نشر قصة «أمي» عام 1953م «و» العم سحتوت: تمثيلية إذاعية عصرية» والتي صدرت عام 1954 عن دار مصر للطباعة، والشياطين الخرس مسرحية صدرت عام 1954 عن رابطة الأدب الحديث، اضافة إلى دراساته النقدية المهمة مثل قصة الأدب في الحجاز في العصر الجاهلي، والتيارات الحديثة في قلب الجزيرة العربية والغزو الفكري في العالم العربي، وابداعه السردي المتمثل بالأعمال القصصية والمسرحية والإذاعية نشرت قبل اكثر من نصف قرن، وهذا يؤكد ريادته علماً بأن ما كتبه من أعمال سردية يدخل تحت باب الطرح الاصلاحي والتعليمي وفق دراسة الاستاذ حسين فقيه والتي نشرت في العدد الصادر في 23 محرم 1421 من جريدة «الرياض» والتي قدم فيها دراسة عن أعماله السردية، وكما هو معروف ان الاستاذ عبدالله عبدالجبار من رواد التربية والتعليم في المملكة العربية السعودية، حيث كان من اوائل حملة الشهادات الجامعية في المملكة، ومن ابرز التربويين الذين شاركوا في التعليم المدرسي الثانوي الحديث منذ نشأته في المملكة، فنهض بتدريس اللغة العربية وآدابها، والتربية وعلم النفس، كما درس مادة التفسير في المعهدين: «المعهد العلمي السعودي» ومدرسة تحضير البعثات، كما تولى ادارة مدرسة المعلمين الليلية بمكة المكرمة، وكان ذلك في العام 1368ه وكذلك عمل بمعهد الدراسات العربية العليا بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية، ثم عمل مستشاراً في مؤسسة تهامة وجامعة الملك عبدالعزيز..
ومن يطلع على أعماله الأدبية يجد انه صاحب رؤية ثقافية واضحة فحين ينشر كتابه العم سحتوت يجعل له مقدمة تتحدث عن التمثيلية الإذاعية واهم دعائمها وكيفية كتابتها وهذه المقدمة والتي مضى على كتابتها اكثر من نصف قرن يقدم الاستاذ عبدالله عبدالجبار رؤية مهمة ومفيدة لكتابة العمل الدرامي سواء كان تمثيلية إذاعية او عملاً مسرحياً مشاهداً يقول في مقدمته «تعتمد التمثيلية الإذاعية على دعامتين كبيرتين وهما: (أولاً) تأثير الصوت و(ثانياً) قوة الكلمة.
اما الدعامة الاولى فتتجلى في صوت الكلمات، وصوت الموسيقى، وصوت الرياح، وقعقعة السلاح، وهدير الامواج، وضجيج العربات، وعجيج القطارات والسيارات وخرير المياه، وزقزقة العصافير، وحفيف الاشجار. وو... الخ.
هذه الاصوات التي هي وليدة الطبيعة أو الصناعة.
ويضيف قائلاً: ولأن الصوت هو الوسيلة الوحيدة التي يتخذها المذياع، كان مجال الإذاعة محدوداً.. ولكنه ليس من الضيق كما يتصور بعض الناس، فإذا كان من البديهي ان كل ما يذاع يعتمد اعتماداً جوهرياً على الصوت، فليس معنى هذا ان الأمر كله يتوقف على مجرد الصوت، ذلك ان كل جملة او فقرة تقريباً يمكن ان تؤدى بخمس نبرت او ست او اكثر او اقل، وكل نبرة من هذه النبرات تكون ظلاً خاصاً لمعنى خاص.. وأيسر ملاحظة على نبرة مختلفة قد تشعر ان المتكلم يقصد نكتة بارعة، او يعني امراً ذا بال او انه يعتقد ما يقول او ان ما يقوله لا يعدو عن انه فكاهة!.. بل ان الامر ابعد من ذلك فنبرة الصوت وطريقة الالقاء إذا ما اضيفت اليها لهجة حازمة او حتى وقفة هامة قد تهيئ الجو عند اي مستمع بحيث تجتمع في مخيلته عدة صور تضفي على ذلك الجزء من التمثيلية الإذاعية لوناً خاصاً.
ويتطرق إلى المقارنة بين العمل الإذاعي والمسرحي حيث يقول: ومن أجل هذا كانت مهمة الممثل الإذاعي والمخرج عسيرة شاقة تطلب مهارة ودقة، فليس امامها ذلك المجال الفسيح الذي يتاح للتمثيلية المسرحية، فالمشاهد والملابس والاجواء والاضواء والحركات كل ذلك وغيره يساعد المخرج والممثل على التأثير في المشاهدين، واثارة العواطف فيهم.. واستدرار الدمع من مآقيهم اكثر مما تفعله التمثيلية الإذاعية.. وتلك الحركات التعبيرية ذات الدلالات الخاصة المألوفة لمن يشهد المسرحية العادية كالابتسام واللمح وهز الكتفين والنظر شزراً ونحوها لا مجال لها في المسرحية الإذاعية، ويمكن للكاتب ان يستعيض عنها برفع الصوت او الضحك او الصراخ ونحو ذلك من الوسائل الصوتية.
وينتقل الاستاذ عبدالله عبدالجبار بعد ذلك إلى الدعامة الثانية وهي قوة الكلمة حيث يرى: انها اوثق صلة بالمؤلف واعني بهذه القوة حيوية الكلمات ودقة اختيارها والميل إلى سلامة الالفاظ، والبساطة في التعبير تلك البساطة التي يمكن فيها سر التأثير في الجماهير.
ويتطرق إلى الحوار حيث يقول: ومن ثم على مؤلف التمثيلية الإذاعية ان يدقق في اختيار الحوار، وان يمعن النظر فيه، ويعني عناية فائقة اكثر مما يفعل كاتب التمثيلية المسرحية، اذ ليس امامه مسرح تختفي في اجوائه وملابساته نقاط الضعف، فرب حركة او اشارة من ممثل قوي الشخصية بارع التمثيل تجتذبنا فتصرفنا عما بكلامه من تفاهة او سماجة او ركاكة، والأمر ليس كذلك في الإذاعة. فلا بد اذن ان يتسم الحوار بسمة البساطة فنجتنب تعقيد العبارات وحشد التشبيهات والاستعارات، وتؤثر الجمل القصيرة على الجمل الطويلة، فطول الجمل اكثر بعثاً للملل في المذياع منها في المسرح.
بعد ذلك يتحدث الاستاذ عبدالله عبدالجبار عن النسق الكتابي او بالتحديد طريقة الكتابة حيث يقول: وعلى من يتصدى لكتابة «إذاعية» جديدة غير مقتبسة ان يعني اول ما يعني بالمفاتح والمطالع، فهي كطرقات الباب التي تسمح للكاتب بدخول آذان السامعين وقلوبهم حتى يجذب انتباههم اليه... وما اجدره ان يرسل نفسه على سجيتها فيكون طبيعياً غير متكلف! وان يتذكر وهو يقص قصته او يكتب إذاعيته انه يتحدث إلى فرد كما يحدث الانسان انسانا آخر.... فإن هذه الطبيعة تعقد آصرة شخصية بين المؤلف والسامع، وتخلق بينهما جواً من الالفة هو سر التجاوب بين روحيهما والتجاذب بين قلبيهما. وعليه ان يضع نصب عينيه هذه الصلة، ويكون شاعراً بها طوال الوقت، او يتم الارتياح البادي على وجهه على اهتمامه بهذه الصلة اهتماماً لا شعورياً على الاقل. هذه هي السبيل، ولا سبيل غيرها، فزيد من الناس وكثيراً ما يكون غبياً فدماً، عليك ان تصنع منه في لحظات انساناً آخر يستقبل بحيوية ونشاط واهتمام تلك الكلمات التي لا جسد لقائلها وتجعله يتحرك امام ناظريه، وتجعله يحس احساساً عميقاً بالثقة بك وبكلماتك وبما تذيعه عليه. وليس هذا بالشيء اليسير! ومثل زيد هذا آلاف بل ملايين من البشر.
وعندئذ يكون الكاتب قد ظفر بالنجاح الإذاعي المنشود. وليس معنى هذا ان يهمل الكاتب تلك العناصر الرئيسية التي لا بد من توفرها في كتابة كل مسرحية كرسم الشخصيات، وتحديدها، وسرعة الحركة، والمفاجأة، وعقد العقدة وحلها، وتسلسل الحوادث وربطها ووالخ.... فإن التمثيلية الإذاعية في جوهرها لا تختلف عن اية مسرحية اخرى الا في شيء واحد وهو ان جميع المقومات المسرحية تتجه كلها إلى الصوت بدل الحركة..
ومن خلال هذه المقدمة عن التمثيلية الإذاعية نرى ثقافة الاستاذ عبدالله عبدالجبار في العمل الدرامي فهو يطرح الفروقات بين العمل المسرحي الذي يقدم على خشبة المسرح وأمام الجمهور والتمثيلية الإذاعية التي تصل فقط عبر سماع المذياع، واتمنى اعاده قراءة أعماله وتنفيذها وبالذات العم سحتوت ومسرحية الشياطين الخرس والتي نشرها عام 1954م عن رابطة الأدب الحديث وان يضاف اسمه إلى رواد المسرح في المملكة اضافة إلى بقية الرواد الذين وضعوا اللبنات الاولى في المسرح من خلال ما نشروه من أعمال مسرحية غالبيتها للأسف لم تنفذ.