رحت أسلي نفسي بأن المعرض ليس مهموما بهذا الطرح السياسي والدعائي في غالبه والذي افتقد الحس النقدي في تقديم صورته، وحرص تمام الحرص على تلميعها وتنقيتها من كل الشوائب، ووصفها بالتمام والكمال، دون تقديم تفسير لحالة التأخر الفكري والسياسي التي يعيشها العرب، مما أضفى على تلك الصورة الدفاعية تهمة أخرى، وهي الجهل بحالهم المتأخر قياسا بالأمم الاخرى. ولأن المحاضرات التي اجتمع فيها العرب وحاضروا فيها للعرب، حيث أغلب الحضور عرب وأغلب المراجعين والمناقشين عرب، فقد كانت الطامة أخف وطأ، إلا أن المداخلات كشفت أن بعض العرب يجهل كثيرا بعضه الآخر، لكنه لا يمتلك الفضول المعرفي لرفع حاجز الجهل هذا، فالسعودية مثلا ظلت عند المثقفين العرب ضمن الصورة النمطية القديمة ذاتها، (بلاد لا تضخ غير النفط)، لهذا فقد بدا حضور مبدعين سعوديين كثر، شبابا، ومخضرمين، محل تساؤل وفضول - أصحيح أن في السعودية من يكتب أدبا غير مدفوع الثمن؟؟؟!!. قررت أن اكتفي بجدول الابداع لأنه في ظني قادر على حمل الصورة التي لا تزيف نفسها، وأن الإبداع وحده هو القادر على تقديم الشعوب لبعضها. فوجئت بالزحام الشديد في أمسيات نجوم الشعر العربية أمثال محمود درويش وأدونيس ونجوم السرد أمثال ابراهيم الكوني، فأمسية محمود درويش وأمسية أدونيس كان جمهورها الواقف أكثر من الجالس ومعظمهم عرب جاءوا يزاحمون الألمان، فالجالسون على المقاعد كان عربا والواقفون على الرؤوس كانوا ألمانا وقلة، ولم يفكر أحد منا بأن الألماني الذي كان يقدم - بلطف شائع - مقعده لنا في القطار الأرضي (الأندرجراوند) كان يستحق منا أن نقدم له مقعدنا في أمسية أدبية جاءت من أجله، حتى في عروض الفرق الشعبية على سبيل المثال كان الجمهور العربي هو الذي يزاحم، ويسرق مقاعد كان يمكن أن نكسب بها رأيا ألمانيا بدلا من أن نتزاحم نحن العرب عليها، ونسينا أن حضورنا العربي لم يكن كتابا وقصة وقصيدة بل أن أيضا سلوكا حضاريا نسينا قواعده من فرط الاستهتار.! والقصة ذاتها تتكرر في كل مكان، والألمان الذين ظهروا بأعداد أكثر في يومي السبت والأحد أثبتوا، أن الألمان أنفسهم كانوا مشغولين عنا بالعمل، وتركوا لنا الخطابة والشعر، والتنظير، لهذا بزغت فرانكفورت في وعينا بدهشة مفرطة، بهدوئها، وتطورها، ورقي شعبها، وقوة تصميم وتنظيم قطاراتها الأرضية، ونظافتها المفرطة، بحيث لا ترى تحت قدمك قطعة ورقية واحدة، ولا تضبط أحدا منهم متورطا برمي مغلف حلوى عن طريق الخطأ، والناس كلها تقطع التذكرة دون أن يكون هناك محصلا لها.!! والخلاصة أن العرب سافرت بعيدا لتلتقي بنفسها ولتناقش نفسها ولتدافع عن نفسها أمام نفسها، فيما بقي في الذاكرة الألمانية العابرة عن طريق الصدفة لا عن طريق الاجتهاد، بقايا من عرض عربي أو سرد جميل كان يصلح ليكون الوسيط الذي يمكن الاعتماد عليه للوصول إلى الفهم الصحيح، فحضارة ترعى مبدعيها وتكاثرهم، هي حضارة تستحق الاحترام، فصورة المبدع، قادرة على مسح صور إرهابي، ومقابل كل صورة مشوهة يستطيع الإبداع العربي أن يرسم قصيدة ومعنى ابيض للسلام والتحضر، فقط لو فهم العرب أن لا حاجة لهم في معرض فرانكفورت الدولي أن تجمع حشود المنظرين والنقاد والمفكرين ليتناظروا ويناضلوا بالكلام الإنشائي والخطابة التي لا تقنع أحدا حتى العرب أنفسهم وترك المهمة للإبداع!!!!!