الرئيسية > مقالات اليوم

شموس الأزمنة

في ذكرى دولة الشهيد..!؟


راشد فهد الراشد

تسعة أيام هي المسافة الزمنية التي تفصلنا عن تاريخ الزلزال الكبير والرهيب الذي حدث في العاصمة اللبنانية باغتيال الرئيس رفيق الحريري، والنائب العقل باسل فليحان ورفاقهما.

حدث ذلك في 14 فبراير (شباط) من العام الماضي. وكان الحدث الأكبر، والمفصل الحقيقي في تاريخ لبنان، على اثر هذا الحادث الكبير والمخيف صارت تحولات كبيرة طالت المنطقة، وحشدت العالم العربي والدولي، واستقطبت الاهتمامات، فتغير واقع سياسي، واجتماعي، وتبدلت قناعات، وانفرطت أحلاف، ونشأت اصطفافات لقوى جديدة في العالم حول الحدث، ونتائج الحدث، وأبعاد الحدث.

كان لبنان السياسي، والاجتماعي، والاقتصادي، والإداري يعيش حالة، وبعد الحدث كانت التحولات على جميع الصعد فانتقل لبنان إلى حالة أخرى متشابكة وملتبسة، واضحة أحياناً، ومتواطئة أحياناً أخرى، خجولة وغير صريحة حيناً، ومكشوفة الى حدود العري في أحيان كثيرة.

الكل أخذ دربه..

حدد اتجاهاته، وخياراته، وأهدافه.

وضع صيغاً لمواجهاته، وأنشأ خطوطاً لعلاقاته، وارتباطاته التي - بالتأكيد - تنطلق من مصالحه الطائفية، والحزبية، والمذهبية، والسياسية.

شيء واحد لم يكن في وارد الفهم والوعي، هو مصالح لبنان، ولبنان فقط، الوطن، والإنسان، والتاريخ الثقافي والمعرفي والحضاري.

كل يخطب ود ليلاه.

وكل يعمل من أجل مشروعه.

الغائب الوحيد في هذا التحول المفصلي هو لبنان الجغرافيا، والتاريخ، والإنسان.

كان الحريري - رحمه الله - جامعاً، ورابطاً، ورجل كل لبنان، يعمل بروح متسامحة، وشاملة، ويوظف كل صلاته، وعلائقه من أجل كل مساحة الف واربعمائة كيلومتر مربع من شمال لبنان الى جنوبه، ومن سهله الى بقاعه، ليكون وطناً يستوعب الجميع، ويعيش فيه أبناؤه بفرص متساوية لكل طوائفه، ومذاهبه، ويعود لبنان كما كان متعافياً يؤدي رسالته في منظومته العربية عبر ثوابت الحق، والعدالة، والمحافظة على الإرث التوعوي، والمعرفي، والحضاري.

من هذا كان استشهاده فاجعة للجميع، مصيبة لدى كل مؤمن بقيمة الرجال، وإدانة لكل أساليب القتل، والتصفيات، ومصادرة أرواح الناس لمجرد الاختلاف معهم في الرأي..

وكان من نتائج استشهاد الحريري أن عاد ميشال عون بعد غربة قسرية في فرنسا امتدت حوالي الخمسة عشر عاماً.

وكان أن خرج سمير جعجع من سجنه في اليرزة بعد أن أمضى فيه أحد عشر عاماً قابعاً في زنزانة انفرادية.

وكان المؤمل أن تكون هذه التحولات والمستجدات بداية مرحلة مصالحة وطنية حقيقية وقوية تؤسس لقيام لبنان الجديد بحكومة وطنية متصالحة ومتفاهمة من أجل ترميم انهيارات لبنان الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.

لكن: ولكن قاسية كثيراً..

يبدو أن الأطراف السياسية اللبنانية، وأمراء الطوائف، والأحزاب، لا يستحقون كثيراً لبنان، الوطن، والإنسان، والتاريخ، والإبداع.

إنهم يتعاملون معه كمزرعة للمصالح.

وينظرون إلى مستقبلاته، وآفاق طموحاته من خلال ارتباطاتهم الإقليمية، والدولية.

ويبقى لبنان أسيراً حتى إشعار آخر..

رحم الله الحريري، فقد كان أكبر من لبنان..

عرض جميع الصور

الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة