الرئيسية > مقالات اليوم

عصر التلفزيون


عبدالله الجعيثن

قبل أن يمتلئ الفضاء بالأقمار الصناعية وتملأ الفضائيات الغرف والبيوت، كان لدى الأمريكان محطات كثيرة مختلفة، وكانوا مسمرين أمامها في أوقات فراغهم، وإن كانوا أفضل منا يجعلون للقراءة وقتاً، وللرياضة وقتاً، إلا أن معظم أوقاتهم تمضي في مشاهدة قنوات التلفزيون، منها يستمدون ثقافتهم، ويصنعون رأيهم، ويحكمون على العالم..

وقد قرأت منذ ربع قرن تقريباً، مقالاً لكاتب أمريكي بعنوان (أمة من الغنم) يصف فيها شعبه بأنهم أصبحوا كالغنم والتلفزيون هو الراعي يهش عليهم بعصاه، ويوجههم حيث يريد، ورفعتُ المقال إعجاباً به ولأرجع إليه، ثم ضاع مع الزمن الضائع، ثم ضاع مني حتى اسم كاتبه وتفاصيله ولم يبق في ذاكرتي إلا عنوانه وخلاصته المبتورة جداً..

ولكننا الآن لسنا في حاجة إلى ذلك المقال، فالواقع ماثل أمامنا، ولسانُ الحال أبلغ من المقال..

لقد انتشرت الفضائيات في السماء العربي انتشار النجوم، وسقطت في البيوت، ونحن أغرب من الأمريكان والأوروبيين وكل شعوب الأرض تقريباً، في أعداد أجهزة التلفزيون في البيوت، كل بيت تقريباً فيه تلفزيونات بعدد الساكنين، وأحياناً أكثر في كل غرفة نوم تلفزيون، وفي المجالس والصالات والملاحق، وأحياناً في السيارات.. صار يلازمنا كظلنا.. وينادمنا نهارنا وليلنا.. ويتربى عليه كبارنا وصغارنا.. حلّ لدينا محل الكتاب والصحيفة والقراءة والرياضة.. بل حل محل الصديق والقريب..

طرد الجميع من حياتنا وانفرد بنا يصوغنا كما يشاء..

حتى غرف النوم المعدة أصلاً للهدوء والخلوة بالنفس والقراءة قبل النوم احتلها وجعل نظامها يختل فلم تَعُدْ مخدعاً للهدوء والقراءة قبل النوم والخلوة بالنفس.. احتلها وملأها بالضجيج وبالجعجعة التي ما وراءها طحن..

٭ ٭ ٭

ولاشك أن للتلفزيون محاسن كثيرة.. ولكن سلوك الكثيرين منا معه قضى على ما فيه من محاسن.. أو كاد..

فلا رياضة..

و لاقراءة..

ولا خلوةً بالنفس..

ولا يوجد فرصة للتأمل والتفكيرالذاتي الهادئ.. والحكيم.. بل حتى صلة الرحم، وحلاوة الصداقة، قلّصها إلى أبعد الحدود، صار هو الرياضة والكتاب والقريب والصديق..

والمشكلة أنه - أي التلفزيون بفضائياته المختلفة - مثل (جراب الحاوي) فيه كل شيء الغث والسمين.. الضار والمفيد.. الصحيح والغلط.. المعفّ والمبتذل.. الورود والثعابين..

٭ ٭ ٭

وهناك عدة أمور تجعل هذا العصر الذي هيمن فيه التلفزيون على عقول الناس والتهم أوقاتهم، جدير بالتفكير ومراجعة النفس وتعديل السلوك..

ومن هذه الأمور:

٭ أن التلفزيون يقضي على خيال الأطفال، والخيال هو الوقود للمواهب والابتكارات، وهو ماء الفنون وهواؤها، بل والعلوم والاختراعات، فلولا حلم الإنسان بالطيران وتخيله لذلك ما صنع الطائرة، وقس على هذا، إن التلفزيون يجبه المشاهد بالواقع كالصخر الصلد، فيقص أجنحة الخيال، ويقطع دابره، بل يذبحه من الوريد إلى الوريد، بعكس قراءة القصص والشعر فإنها تُلهب الخيال وتنبت له أجنحة، وتغذي المواهب وتخرج كوامنها للوجود، وتجعل الاحساس بمشاعر الآخرين حيّاً يتوقَّد، أما التلفزيون فيجعل المواهب تخمد وتنطمر، والمشاعر تتبلد، فالمشاهد فيه كثيرة العنف والقتل، والأخبار تبعث على الاكتئاب، وأكثر ما يقدّم فيه من مسلسلات وأفلام غثاء غث لا أدب فيه ولا فن، لأنه (محرقة) فهو يبث 24 ساعة ولابد أن يملأ الوقت بما هب.. ودب.. ولأن الفضائيات كثيرة جداً وتدفع للمنتجين فصار هم هؤلاء السرعة والكم على حساب الكيف وتبعهم في هذا أكثر مؤلفي الدراما والممثلين..

ومع وجود فضائيات كثيرة قلّ مَن يشاهد عملاً فنياً متكاملاً.. أصبح أكثر المشاهدين (كالمسبوهين) يد الواحد على الريمونت يتنقل به من محطة لمحطة في مشاهد مقطوعة لا رابط فيها ولا روح لها ولا فائدة، حين لم يكن هناك غير قناة واحدة - على سوء ذلك - كان الناس يشاهدون أعمالاً فنية متكاملة ويتابعون حلقات المسلسل بلهفة واهتمام، كمسلسل (الهارب) في التلفزيون السعودي من زمن طويل، الآن الناس في عصر السرعة مسرعون، مسرعون بلا هدف ولا معنى: ينتقل الواحد من محطة لأخرى قتلاً للضجر فلا يزيده ذلك إلا ضجراً.. وقَلَّ حديث أفراد الأسرة مع بعض عما كان عليه في السابق.. بل ربما تمزقت أوصال الأسرة وهم في بيت واحد، لأن كل واحد في غرفته عند (تلفزيونه) ليتابع ما يعجبه ولا يتخاصم الأولاد.. وفوق أن هذا يطفي رقابة الوالدين والتوجيه الحنون.. فإنه أيضاً يقلل اجتماعات الأسرة وحديثهم مع بعض واستفادة الصغير من حديث الكبير، واستمتاع الكبير بطفولة الصغير..

أما صلة الرحم وحلاوة اللقاء بين الأصدقاء فقد خفَّت الكثير منها.. أطفأ نورَها بريقُ التلفزيونات الذي يخطف الأبصار ويقتل الأوقات ويبلِّد المشاعر ويعزل الناس عن الناس ويلغي الواجبات والموجبات.. أما الخلوة بالنفس في هدوء (وهي ضرورية للصفاء النفسي) فقد بددها التلفزيون بضجيجه في الليل والنهار..

٭ والتلفزيون من أسباب السمنة المنتشرة في مجتمعنا، وفي معظم الدنيا، مقارنة بأجدادنا، لأنه يلغي الحركة، وقضى على الرياضة أو كاد، حتى هواة الرياضة اقتصر كثير منهم على مشاهدتها في التلفزيون وهم مسترخون حيث لا فائدة منها..

والرياضة أساس الصحة بإذن الله، والحركة ضرورية جداً للأطفال وهي جزء أساسي من صحتهم البدنية والنفسية ومن نموهم السليم، وقد قلصها التلفزيون إلى أبعد الحدود، وقضى على كثير من ألعاب الأطفال التي تمور بالحركة وتموج بالضحكات والحبور وتعلم السلوك في جماعة وتحرك العقل والذكاء.. الألعاب إيجابية والحركة إيجابية.. أما مشاهدة التلفزيون فهي عمل سالب يسمر فيه الطفل - والكبير - عينيه على شاشة تعلمه الكسل والخمول وبذل أقل الجهد والسلبية والاعتياد على التلقي بدون مشاركة..

وللتلفزيون أثر كبير في انتشار السمنة.. فإنه فوق تعطيله للرياضة وتعويده لقلة الحركة.. قد صار تناول الطعام أمامه عادةً عند أكثر الصغار والكبار.. والدراسات أثبتت أن الأكل أمام التلفزيون يجعلنا نلتهم المزيد من الطعام، ونشبع ونواصل الأكل بدون شعور، لأن شعورنا - إن بقي شعور - مع ما نراه في التلفزيون..

ولذة اجتماع العائلة على المائدة قلَّتْ تماماً.. فلكل فرد من أفراد العائلة برامجه ومسلسلاته ويريد أن يأكل وهو يراها.. والصغار صاروا يفضلون الأكلات الجاهزة السريعة من مطاعم الوجبات السريعة على طبخ البيت ويطلبونها بالهاتف وتحضر لهم في غرفهم أمام التلفزيون، وجبات سريعة للجسم والعقل..

٭ والتلفزيون الآن يصنع الرأي العام عند الناس.. وكل يختار ما يوافقه.. والطيور على أشكالها تقع.. وكل محطة لها هدف إعلامي وسياسي.. ظاهر أو خفي.. لهذا تتشعب الآراء لدى الناس.. وتتضارب حتى عند الفرد الواحد لكثرة ما يسمع ويرى من رأي وضده، ومن خبر ونقضه، ومع أن لهذا فوائد فإن له مضار مختلفة منها تشويش الأذهان وعدم وضوح الرؤية وزعزعة الانسجام الاجتماعي بل زعزعة السلام الاجتماعي نفسه..

٭ ٭ ٭

إننا في عصر التلفزيون ولا يستطيع أحد أن يعيش في غير عصره.. ولكننا جميعاً نود ألا يطغى التلفزيون على الأنشطة الإنسانية الأخرى كصلة الرحم ولقاء الأصدقاء واجتماع العائلة، وألا يلغي القراءة والرياضة، فإنه لا خير في ذلك ولا سعادة.. الخير في الاعتدال.. والسعادة في ممارسة الأنشطة المختلفة النافعة والممتعة بشكل إيجابي، بما في ذلك مشاهدة التلفزيون بحيث ينتقي الإنسان برامج محددة تسعده وتنفعه ولا تشغل الكثير من وقته..

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 4

  • 1
    سبحان الله...!
    الان عرفنا مضار التلفاز !!!. فقد بحت أصوات الغيورين في التحذير منه فوصموا بالرجعيين والمتخلفين... ولم يكلف أحد نفسه لنقد قولهم موضوعياً ومن خلال أستقراء الواقع. بل رد جملة وتفصيلاً... فقط لانه طرح باسم الدين !
    أنا و أفخر بذلك وأحمد الله عليه...ليس لدي في بيتي أي جهاز تلفاز... وأظنني أسعد رجل في العالم... بل ومن أكثر الناس اطلاعاً على أخبار الكون. وليغتاض من يغتاض.. وليغضب من يغضب... ومن جرب تجربتي عرف معرفتي !!!

    عايض الأحمري - زائر

    12:13 مساءً 2006/02/04


  • 2
    انها مقالة أصابت كبد الحقيقة وان أضعت المقال الذي ذكرته ففي خبرتك وثقافتك مايغنيك عنها - بعد الله - و تعجبني المصداقية والواقعية في كتاباتك وملامسة للجراح ونكأها لتعالج وهذا ما حداني أن أحتفظ بمقالاتك من أكثر من خمس سنوات وأكثر فلا زالت لدي قصاصات منها أما الآن فأصبحت أعود لجريدة الرياض على موقعها الاليكتروني وأرجع لمقالك وهذه هي الحقيقة.
    المهم أن من يشترون القنوات الفضائية (الدش) لايثبتون على قناة ولايستفيدون أدنى فائدة ولقد أصبح التلفزيون سيد الجلسات حتى في ظل اجتماع العائلة أو الأزواج (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) فهم مجتمعين شكليا ولكن كل فاغر فاه فيه وضارب عرض الحائط بالشخص الذي أمامه وللأسف فنجدهم يحدقون ويتأثر الكبار فيه قبل الصغار بالدعايات والاعلانات فما كان غير مرغوب قبل الاعلان عنه يصبح عليه اقبال منقطع النظير بعد طرح دعاية مغرية له وحبذا لو قامت بها شخصية فنية أو رياضية معروفة ومحبوبة ليكون الاقبال أكثر وبشكل خيالي.
    لقد عرفت أمريكا وغيرها من الدول خطر التلفزيون باكرا وأدركوا أنه يدعو للتبلد والجمود وعدم التفاعل ورأوا أن الكمبيوتر أفضل وأحسن فهؤلاء الأمريكان لايتركون أولادهم يمضون جل أوقاتهم عند التلفزيون بل ويحددون ساعات جلوسهم بساعتين أو حتى أقل ويدققون فيما يتابعونه ويشاهدونه لأن آثاره ستنعكس سلبا عليهم وهاهم مثلا: يصنعون الكعب العالي ويرتدون شباشب أشبه ماتكون بالأرض ومتساوية معها فهم يصدرون لنا الضرر ويعرفون هم النفع من الضرر.
    تمنياتي بالتوفيق للجميع

    الجوهره الهيكل - زائر

    01:17 مساءً 2006/02/05


  • 3
    ليس العيب في التلفاز بل في طريقة تعاملنا معه.
    هذا هو عيب العرب.

    اسامة المغربي الصغير - زائر

    01:06 صباحاً 2006/11/09


  • 4
    انها مقالة أصابت كبد الحقيقة وان أضعت المقال الذي ذكرته ففي خبرتك وثقافتك مايغنيك عنها - بعد الله - و تعجبني المصداقية والواقعية في كتاباتك وملامسة للجراح ونكأها لتعالج وهذا ما حداني أن أحتفظ بمقالاتك من أكثر من خمس سنوات وأكثر فلا زالت لدي قصاصات منها أما الآن فأصبحت أعود لجريدة الرياض على موقعها الاليكتروني وأرجع لمقالك وهذه هي الحقيقة.
    المهم أن من يشترون القنوات الفضائية (الدش) لايثبتون على قناة ولايستفيدون أدنى فائدة ولقد أصبح التلفزيون سيد الجلسات حتى في ظل اجتماع العائلة أو الأزواج (تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى) فهم مجتمعين شكليا ولكن كل فاغر فاه فيه وضارب عرض الحائط بالشخص الذي أمامه وللأسف فنجدهم يحدقون ويتأثر الكبار فيه قبل الصغار بالدعايات والاعلانات فما كان غير مرغوب قبل الاعلان عنه يصبح عليه اقبال منقطع النظير بعد طرح دعاية مغرية له وحبذا لو قامت بها شخصية فنية أو رياضية معروفة ومحبوبة ليكون الاقبال أكثر وبشكل خيالي.
    لقد عرفت أمريكا وغيرها من الدول خطر التلفزيون باكرا وأدركوا أنه يدعو للتبلد والجمود وعدم التفاعل ورأوا أن الكمبيوتر أفضل وأحسن فهؤلاء الأمريكان لايتركون أولادهم يمضون جل أوقاتهم عند التلفزيون بل ويحددون ساعات جلوسهم بساعتين أو حتى أقل ويدققون فيما يتابعونه ويشاهدونه لأن آثاره ستنعكس سلبا عليهم وهاهم مثلا: يصنعون الكعب العالي ويرتدون شباشب أشبه ماتكون بالأرض ومتساوية معها فهم يصدرون لنا الضرر ويعرفون هم النفع من الضرر.
    تمنياتي بالتوفيق للجميع

    اسامة المغربي الصغي - زائر

    07:21 مساءً 2007/04/06



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة