
كان الأمريكي هانك كروف أحد العاملين في قوات المشاة الأمريكية الذين شاركوا في حرب الخليج في بداية التسعينات، حيث بقي ما يقارب ستة أشهر في المملكة واعجب بالشعب السعودي والدين الإسلامي وأعلن إسلامه قبل فترة واتيحت له الفرصة لزيارة المملكة مؤخراً وأداء العمرة.. وهو هنا يروي انطباعاته الشخصية أثناء أدائه العمرة.
تحولت فرصة نادرة لزيارة المملكة العربية السعودية لمدة عشرة أيام برعاية الغرفة التجارية والصناعية السعودية وبتنظيم من مجلس العلاقات العربية الأميركية إلى مناسبة غير متوقعة للاشباع الروحي.
ففي الساعات الباكرة من صبيحة الثاني من ديسمبر 2005 وبمساعدة نفر من الأصدقاء السعوديين توجه رجل مسلم - ولد وترعرع في نيويورك - إلى مكة المكرمة وأدى العمرة ومن ثم شهد بعدها تحولاً عميقاً في حياته.
ولعل من دواعي الأسف أن الوصف الكتابي في ما يبدو لا يوفر شرحاً ملائماً للتجربة الفريدة حول أداء العمرة لأول مرة. والرد التالي محاولة لاشراك غير المسلمين وكذلك المسلمين في هذه التجربة المدهشة لا سيما وأنهم قد يكونون مهتمين بالاطلاع على انطباعات أميركي مسلم في مكة.
وعلى الرغم من معرفتي بلغتي الأم (الإنجليزية) ولبعض الكلمات التركية واللغة العربية الموجهة التي تفضل بها أشخاص كانوا لي خير معين ولا يمكن أن أنسى زمالتهم - رغم كل ذلك إلا أن اللغة تقف عاجزة عن التعبير عن طبيعة تجربتي وأنا في الحرم المكي.
إن ارتداء ملابس الإحرام البيضاء والنعل يضع المرء في وضع غاية في البساطة وتخلع عنه كل ما يعبر عن هويته الشخصية بينما أوحت عبارة «لبيك اللهم عمرة» لي بالكثير وأنا اقترب من رحاب مكة. ولدى اقترابك من مكة فإن وعورة المنطقة تذكرك بكيف كان الحج في غابر الأزمان عملية صعبة وحافلة بالتحديات. كما أن البيئة القاسية حول مكة تقف شاهداً على معجزة عظيمة تتمثل في انطلاق هذه العقيدة العالمية الشاملة في مثل هذه البقعة النائية والطاردة من بقاع العالم.
إن أول نظرة للمسجد الحرام تأسر الألباب وتبين لي أن الصور التي تنقلها وسائل الإعلام لا تقارن بالواقع. لقد لمست حول الحرم وداخله هدوءاً وسكينة وجواً وادعاً وآمناً بصرف النظر عن ازدحامه بجموع المصلين. ويبعث المشهد في نفسك مشاعر آسرة من الالفة مع جميع الآمين للمسجد من المسلمين وتجسد أمام ناظريك العالمية الكلية للعقيدة الإسلامية التي جذبتنا وشدتنا شداً إلى هذا المكان، كما تجسد ضعف أجسادنا وقلة حيلتنا وتذكرك بالطريق إلى دار الخلود. وتجد كل المتعبدين والمصلين هنا في حالة انهماك تام في عباداتهم تحفهم السكينة وهم مستغرقون في تواصلهم الروحي بالله. وهناك تشعر بأن هناك حالة فريدة لا تضاهى من شرف المنزلة وعلو المكانة تميز كل المسلمين بصرف النظر عن مستواهم الحياتي.
إن أداء العمرة في مهد النبوة يطهر البدن ويخلصه من الدنس ويؤكد صدقية فريدة لعقيدة تزيل من النفس كل شيء ولبس ويعزز الإيمان وينور القلب بوضوح المعتقد والحقائق الخالدات.
إن التواجد في الحرم لوقت قصير بحساب الزمن في أطهر بقعة في العالم يمدك بثروة من القوة والسعادة الروحية طوال حياتك.
ومشهد الحرم من الخارج أكثر عظمة وروعة من أي صورة ضوئية أو منقولة على الهواء. وأنت تتقدم صوب الكعبة بملابس الإحلام المتواضعة يقفز إلى مخيلتك السؤال التالي: ماذا أطلب في دعائي؟ ويطوف بك عقلك حول منظومة من الأمنيات. ولعل أفضل دعاء هو أن يعم الخير والسلام الجميع ثم يأتي بعد ذلك الدعاء من أجل أمور ذات صلة بالحياة والصحة وأفراد عائلتك وأسرتك الممتدة وكل معارفنا في هذه الحياة.
إن النظرة الأولى مدهشة وآسرة إلى حد لا يصدق. ووجودك في الحرم وأمام الكعبة يغمرك بشعور طاغ من التواضع. فكيف للمرء أن يشعر هنا شعوراً ذاتياً بالفخر والزهو والغنى وعزة النفس والطمع والقوة وأنه أسمى من الآخرين؟ بل بالعكس ينتابك شعور غامر بالضعف والنقص والذنب.
ويتمثل تأثير العمرة إلى مكة في أن إيمانك لابد وأن يتعزز وأن روحك لابد وأن تتغير.
وما سيأتي بعد العمرة أمر غاية في الأهمية، إنه جهاد النفس بعد الإقرار بالذنب والأخطاء والهنات.
كما أن أداء العمرة يساعدك على تيسير أمورك الحياته بأفضل وجه، فضميرك المتحول نحو الأفضل قد يسفر عن تغيير في أفكارك وتعبيراتك. وبعد أداء العمرة فإن المهام أمامك تبدو واضحة ومواردك الذاتية تقوى وتتعزز. ومرورك بمثل هذه التجربة أكثر من مجرد معايشة تجربة مثيرة ذلك أن حياتك القصيرة السريعة الزوال تصبح ذات معنى أكبر من تركيزك على الروحانيات التي يعززها الإيمان.
وعندما تكون اللغة الأم غير العربية - وهذا أمر يؤسف له - فإن ترديد الأذكار والأدعية يوحي لك بالكثير ومع ذلك فإن وضوحها في العقل يبدو غير مكتمل وأنت تتحدث بكلمات تعلمتها للتو.
وقد يكون في الترجمة إلى اللغة الأم الكثير من العون ولكنها لا تكفي. غير أن صفاء الفكر والدعاء من الأعماق والنية الصادقة يعوض عن كل ذلك.
٭ لمست أثناء أداء العمرة تزاوجاً تاماً بين التقنية البشرية المعبر عنها بالجمال المعماري وبين سهولة الحركة والراحة التامة أثناء التنقل بين الأماكن المقدسة.
٭ التخلص من الملابس والأغراض الشخصية يلغي شعورك بالتفرد ويجعلك واحداً من العامة بلا تميز.
٭ الصفاء والهدوء والجمال الخلاب والإنجاز التقني والحصول المريح على كل الاحتياجات، كل هذا يضيف الكثير والكثير لتجربة العمرة المثيرة.
٭ إن مسؤولية حماية وصون هذا المكان المقدس في ضوء الواقع الحالي المتقلقل والظروف البيئية غير المواتية مسؤولية جسيمة ومتعاظمة.
٭ إن عظمة كل شيء في مكة تتيح باستمرار كل معتمر الاستمتاع بتجربة الصلة الجماعية التي تربط جميع المسلمين برباط الإسلام على امتداد الإنسانية بجانب الاستمتاع بالصلة الروحية الفردية والجماعية بالخالق.
٭ لقد توجهت للمملكة العربية السعودية بغرض تعزيز التفاهم المتبادل بين الأمريكيين والسعوديين. لقد زودتني هذه الزيارة الرائعة للعديد من الأماكن والشخصيات في المملكة بانطباعات لا تقدر بثمن وهي معارف وانطباعات سأنقلها بكل دقة وأمانة وإخلاص إلى كل من التقيهم كلما وضعت عصا التسيار في أي بقعة من بقاع العالم. ولعل التغيير الحقيقي بعد أداء العمرة هو أن ابن آدم الضعيف هذا سيغادر مكة ليواصل حياته كزوج وأب ليصبح مسلماً يتحلى بالمسؤولية بين خلق الله في عالم بالغ التعقيد حافل بالملهيات. لقد زودني أداء العمرة بتجربة روحية لا ثمن لها ولا حدود.. سرمدية.. لا يحدها زمن. ولعل هذه الفرصة الثمينة غير المتوقعة لأداء العمرة أكثر قيمة وفائدة من الغرض الأساسي الذي قدمت من أجله إلى المملكة.
آمل بإذن الله أن تصحبني زوجتي وأولادي إلى مكة في المستقبل لمعايشة هذه التجربة الإعجازية معاً.
1
ما نقول الا اللهم زد الالفة والموده بين المسلمين
ولعلها تكون بداية خير نحو جيل متفهم للعقيدة الاسلامية
احمد سعد - زائر
11:04 صباحاً 2005/12/30
2
انك لاتهدي من احببت ولكن الله سهدي من يشاء
هلال الزهراني - زائر
08:09 مساءً 2005/12/30
الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة