الرئيسية > مقالات اليوم

التعددية المذهبية والوحدة الإسلامية


محمد محفوظ

لعل من المنجزات الهامة للمؤتمر الإسلامي الاستثنائي الذي انعقد في مكة المكرمة، هو بيانه وتصريحه الواضح، حول الوحدة الإسلامية. وإن المذاهب الإسلامية الموجودة في كل البلدان والدول الإسلامية، هي محل احترام القادة، ولا يجوز بأي حال من الأحوال تكفير أهل هذه المذاهب أو التعدي على حقوقهم المختلفة.

وأهمية هذا البيان وهذه الحقيقة، هي أن الأمة الإسلامية وعبر فترات تاريخية عديدة، تعرضت للكثير من الفتن والنزاعات المذهبية، التي أضعفت المسلمين ودمرت مكاسبهم وشوهت سمعتهم وصورتهم في العالم كله.

فالتعدد المذهبي بدل ان يكون ثروة علمية وفقهية وثقافية واجتماعية، تحوّل على يد المتعصبين والحاقدين إلى وسيلة لتفريق المسلمين وتمزيق شملهم وإدخالهم في أتون الحروب والنزاعات التي لم تجن منها الأمة إلا المزيد من الضعف والتشظي والاندثار.

ولعلنا لا نأتي بجديد حين القول: انه حين التأمل في الحقائق العقدية والفقهية والثقافية للمذاهب الإسلامية، نجد أنها جميعاً تشترك في خصائصها الأساسية ومفاهيمها الرئيسية. وإن الاختلافات لا تتعدى في جذورها وأساسياتها الاختلافات الفرعية والاجتهادية.. ولكن وبفعل التعصب الأعمى ومرحلة الانحطاط والتخلف التي أصابت الأمة في مختلف ميادين الحياة، تحول هذا الاختلاف في بعض المواقع والمجتمعات من اختلاف تنوع إلى اختلاف تضاد..

والذي زاد الطين بلة انبراء نفر من المسلمين ولاعتبارات مختلفة إلى المساهمة في إذكاء نار الفتنة والتوتر بين أهل المذاهب الإسلامية.. ولقد دفع المسلمون جميعاً بفعل ذلك، الكثير من الدماء والتضحيات، التي أضعفت الجميع، وتحول الانتماء المذهبي إلى سبب وموضوع للنبذ والإقصاء والتهميش.

لهذا فإن بيان المؤتمر الذي أكد على ضرورة احترام المذاهب الإسلامية كلها، هو الخطوة الأولى في مشروع إعادة صياغة العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية مع بعضهم البعض على أسس جديدة تضمن للجميع الاحترام والفهم المتبادل.

ونود في هذا المقال، ان نؤكد على جملة من الحقائق، التي تؤسس لتعامل ايجابي وحضاري مع ظاهرة التعدد المذهبي في الاجتماع الإسلامي المعاصر.

وهذه الحقائق هي كالتالي:

1- يحتضن وطننا ومجتمعنا العديد من المدارس الفقهية والمذهبية الإسلامية، وإن العمل على بناء الوحدة الوطنية وتعزيز هذا الخيار، يتطلب بشكل مباشر إعادة صوغ العلاقة بين مختلف المدارس الفقهية - المذهبية في الوطن.

بحيث لا تكون العلاقة بين أتباع المذاهب الإسلامية في الدائرة الوطنية، قائمة على التهميش والمماحكات الطائفية، وذلك لأن الواقع الوطني الذي نعيشه اليوم، يشهد العديد من الظواهر المرضية في طبيعة العلاقة بين واقع التعدد المذهبي. حيث تبرز في فضائنا ثقافة لا تعترف بالتعدد المذهبي، وتتعامل معه بعقلية الإقصاء والإبعاد وتصفه بأقذع وأبشع الصفات.

كما أن المؤسسات التعليمية والتربوية والدينية، لا تتعامل بعدالة مع هذا التعدد والتنوع المذهبي ومقتضياته الثقافية والمنهجية. إذ تحتوي العديد من المناهج الدراسية على نصوص ومفردات تطعن في بعض المذاهب الإسلامية، وتدعو بشكل مباشر وغير مباشر أبناء الوطن إلى مقاطعتهم أو التعامل معهم بوصفهم من الضالين أو المبتدعين، وتصفهم هذه المناهج بأوصاف أقل ما يقال عنها انها تشوه مواقف وعقائد هذه المذاهب وتشحن نفوس الطلبة ضد أهل وأتباع هذه المذاهب.

لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة ماسة وملحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال بث الكراهية بين أبناء المجتمع والوطن الواحد. لذلك فإننا جميعاً ومن مختلف مواقعنا، ينبغي أن نقف ضد كل مظاهر الشحن الطائفي والمذهبي، وذلك لأن هذه الممارسات لا تضر فقط الطرف الموجهة ضده، بل تضر وحدة الوطن والمواطنين. لهذا فإننا ندعو وعلى الصعيد الوطني للعمل على صياغة العلاقة بين أتباع المذاهب الإسلامية على أسس العدالة والاحترام المتبادل وتنمية الجوامع والقواسم المشتركة.

2- ان تعزيز العلاقة الايجابية بين أهل المذاهب الإسلامية، يتطلب العمل على بناء ثقافة وطنية، قوامها الوحدة واحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته وصيانة حقوق الإنسان. إذ انه لا يمكن بناء وتعزيز العلاقة الايجابية بين المذاهب الإسلامية في فضائنا ومحيطنا، دون إرساء ثقافة اجتماعية ووطنية جديدة، تعيد المكانة إلى الوحدة على أساس احترام التنوع، وتتعامل مع تعدد الاجتهادات الفقهية والفكرية على أساس انها من الحقائق التي تثري المجتمع والوطن.

فنقد الطائفية بكل مستوياتها، يقتضي العمل على تطوير ثقافة الوحدة والحوار والتعدد في الفضاء الاجتماعي. فلا يمكننا أن ننهي الجفاء أو سوء الفهم والتفاهم بالشعارات المجردة والمقولات الجاهزة، بل بالبناء الثقافي الجديد، الذي يرفض العقلية الأحادية والثقافة الإقصائية والمناهج الإلغائية. وذلك لأن حالة الجفاء والتباعد، تستمد فعاليتها، من تلك العقلية الإقصائية والمناهج التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها. لذلك فإن احترام هذا التعدد المذهبي يعني فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد المذهبي في الدائرة الاجتماعية والوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي انتجت ثراءً فقهياً وفكرياً وعلمياً في التجربة التاريخية الإسلامية.

فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجوداً ورأياً، ووجود المناخ الاجتماعي والتربوي المؤاتي للاجتهاد بعيداً عن الضغوطات والمسبقات. وإن دعوتنا الراهنة إلى حماية هذا المنجز التاريخي، يستدعي إحياء هذه القيم والمبادئ وإطلاقها على مستوى حياتنا كلها، حتى نتمكن من إنجاز فرادتنا التاريخية والحضارية. وهذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية.

والتعدد المذهبي في الدائرة الوطنية، ليس حالة مضادة للمواطنة، بل هو الجذر الثقافي والاجتماعي لبناء مواطنة حقيقية بعيداً عن الشعارات الشوفينية واليافطات الشعبوية والعدمية. فاحترام التعدد المذهبي وحمايته القانونية والسياسية، هو الذي يوجد الشروط المجتمعية الحقيقية لبناء مواطنة متساوية في مجتمع متعدد مذهبياً وفكرياً واجتماعياً.

3- لاشك ان ظاهرة التنوع الاجتماعي والتعدد المذهبي والفكري والسياسي، تثير العديد من الأسئلة والتحديات، ولابد من بلورة اجابات حقيقية وواقعية لهذه الأسئلة والتحديات. فليس صحيحاً أن نهرب من أسئلة التنوع وتحديات التعدد برفضها والركون إلى الفكر الآحادي.

وإقامة الجدار العازل بيننا وبين حقيقة التعدد المذهبي والفكري والسياسي، يمنعنا من الاستفادة من بركات هذه الحقيقة الإنسانية، ويحول دون بلورة إجابات دقيقة وعميقة لجملة التحديات التي تطلقها هذه الحقيقة. كما أن ادعاءنا بأننا نمتلك كل الاجابات على كل التحديات التي تطلقها حقيقة التعدد في فضائنا الاجتماعي والوطني، مجانب للصواب ولا ينسجم وحقيقة الصيرورة التاريخية.

لذلك كله فإننا بحاجة إلى مبادرات فكرية وخطوات سياسية وجهد ثقافي متواصل، لتأصيل هذه الحقيقة في فكرنا وواقعنا الاجتماعي أولاً، ومن ثم العمل على بلورة حلول عملية وممكنة لكل التحديات التي تبرز في واقعنا من جراء التزامنا بخيار الاعتراف والاحترام لظاهرة التعدد المذهبي في فضائنا ومجتمعنا.

فردم الفجوات بين مكونات المجتمع، يقتضي العمل على خلق مبادرات وطنية جادة، تتجه صوب اضاءة وتطوير مستوى العلاقة والتفاهم والتلاقي والتداخل والتواصل بين تعبيرات الوطن والمجتمع. فالتعدد المذهبي ليس نقيضاً للوحدة الإسلامية، بل ان احترام هذا التعدد، والتعرف بعمق عن حقيقته وجوهره، هو الذي يقود إلى بناء مفهوم ومشروع الوحدة الإسلامية.

عرض جميع الصور
عدد التعليقات : 8

  • 1
    خلقنا الله سبحانه مختلفين اختلاف تنوع لااختلاف تضاد ولو كان التنوع حالة سلبية ومدمرة كما يفهمها بعض المتزمتين من ذوي النظرة الاحادية الضيقة والقراءة المشوهة للدين، فتراثنا الاسلامي كان تراثا متنوعا ثريا في عطائه على مختلف الصعد المعرفية، في الفقه والتفسير وعلم الكلام وكافة المعارف الاسلامية، ومن اجل وحدة اسلامية تقبل التنوع والتعدد المذهبي الذي يثرينا ولايفقرنا، لابد من تصفية الارهاب وتجفيف منابعه، لانه العقبة الكاداء بوجه وحدة امتنا الاسلامية.
    زعيم الخيرالله
    كاتب عراقي مقيم في كندا
    zaeem46@hotmail.com

    زعيم الخيرالله - زائر

    05:04 صباحاً 2005/12/20


  • 2
    لااجد تعارضا بين التعددية في الافكار والرؤى وبين الوحدة الاسلامية

    زعيم الخيرالله - زائر

    09:08 صباحاً 2005/12/20


  • 3
    يجب على إخواننا الكتاب أن لا ينسوا أو يتناسوا هوية هذه المملكة
    يجب عليهم أن لا ينسوا أو يتناسوا أن هذه المملكة هي دولة (( سنية ))
    بل هي قلعة أهل السنة
    كذلك أود أنبه إلى خطأ وقع فيه الكاتب
    الكاتب لا يفرق بين المذاهب والفرق
    فكلمة المذاهب إنما تطلق على المذاهب الفقهية كالحنبلية والشافعية الخ..
    أما الفرق فهم الفرق ذات الإختلاف الأصولي , كالشيعة والإباضية والمعتزلة الخ..
    وشكراً لجريدة الرياض لإتاحتها الفرصة للتعليق

    قلم المنتدى - زائر

    03:38 مساءً 2005/12/20


  • 4
    ونحن نعيش في عصر الانفتاح وعالم بلا حدود فانه لم يعد هناك شيئ مخفي و لا توجد قلاع وحتى لو تصورنا ان هنالك قلاع فسوف لن تصمد امام التيارات اذا لم نطور افكارنا بحيث تنسجم وتتواكب مع روح العصر والسعوديه في خريطتها تقع وسط العالم ولا منأى لها عن التغيير بحيث ان الجيل الجديد يجب علبه ان يكون قابل لامتصاص الصدمات التي تاتي من الخارج بروح من التعايش والتسامح مع الابيض والاسود ومع كافة النحل بكسر النون.

    منصور حمد - زائر

    07:26 مساءً 2005/12/20


  • 5
    لا نختلف أننا لا نكفر المذاهب الفقهية ولا نتعصب أيضا لمذهب بل الحكم يدور مع الدليل تحليلا وتحريما لكن الفرق التي خرجت من الدين كالباطنية والمعتزلة لايشك صغار المثقفين فضلا عن كبارهم في كفرهم ويفرق بين هذا وهذا.

    عبد الله بن عمر - زائر

    11:09 مساءً 2005/12/20


  • 6
    تقول لن تصمد القلعه امام التيارات ونطور افكارنا.ماذا تقصد نغير ديننا ام يتحول الاغلبيه للا قليه سبحان الله !!! هل تريدون من شعب اغلبه سنه ان يجاري غيره وان يتحول الىشيعي لينسجم مع روح العصر. الم يقل الله سبحانه لكم دينكم ولي دين. ثم ان المناهج تدرس للا غلبيه ودائما الاقليه لااعتبار لها ولكن لاتعدي عليها. دعوا عنكم الهوس

    ابن الاسلام - زائر

    12:09 صباحاً 2005/12/21


  • 7
    المملكة العربية السعودية ليست جزيرة منعزلة عمايجري من احداث وتغييرات في هذا العالم الذي غدا قرية كونية مصغرة،والمملكة لايمكن ان تلعب دورها التاريخي المنوط بها باعتبارها قلب العالم الاسلامي ومركز الثقل فيه، مالم تاخذ بعين الاعتبار كافة مكونات الشعب السعودي، والتعامل على اساس الواطنة فالجميع ولاؤهم لهذا الوطن الكريم ولخادم الحرمين الشريفين.
    زعيم الخيرالله
    zaeem46@hotmail.com

    زعيم الخيرالله - زائر

    03:08 صباحاً 2005/12/21


  • 8
    ايرلندا وبريطانيا فتكت بهما الفروقات المذهبيه بين الكاثوليك والبروتستانت الى ان هدأت العواصف لما احتكموا الى صوت العقل فيما بينهما وسمحوا بتعدد الفرص بينهم وغلب صوت التسامح والتعايش.

    منصور حمد - زائر

    06:36 مساءً 2005/12/21



الارشيف | اتصل بنا | خدمةRSS | النسخة الكاملة | الإعلانات المبوبة