وأما المحور الثاني: الفكرة الجاهزة (أو المسبقة)، سنلقى تحققه فيما قالته بالفصل الرابع: لقاء القصبجي مع أم كلثوم (ص: 69-88) حيث تحدثت في الفصل نفسه عن العلاقة الفنية بينهما معتمدة على ما ييسره من معلومات كتاب محمود كامل: محمد القصبجي حياته وأعماله، حول هذا الموضوع، ولكن عند الحديث عن انقطاع التعاون الفني بينهما حيث أخذت هذه المسألة ثلثي هذا الفصل (ص: 77- 88)، وبعد أن استعرضت كلاماً عن المحاولات الفاشلة في عودة العمل بينهما، ويرجع الفشل دائماً إلى القصبجي لا أم كلثوم، فإن في مقولات محمود كامل ما يناقض السبب التفسيري لسبب الانقطاع، أولاً بأن القصبجي لم يصب ب: "نضوب الإلهام" (ص: 78)، ولاحظوا المصطلح الرومانسي في جذوة شاعريته!، بدليل عدم توقفه عن العمل مع سواها، وثانياً أن تبديل الألحان للنصوص التي كانت بحوزته: للصبر حدود، وسهران لوحدي، تكشف أن المشكلة هي اختيار أم كلثوم، والدليل القوي أنه ابتكر مقاماً موسيقياً (أي: سلم درجات نغمية) جديداً أسماه: ماوراء النهرين، وهذا ما يؤكد استمرار بحثه عن غير المألوف والمهجور من المقامات الموسيقية العربية والمشرقية، وإعادة تأهيلها عصرياً، وهذا ما حدث مع أغنية: يا ما ناديت، بمقام الماهور، والشك يحيي الغرام، بمقام الأثر كرد، وثالثاً: غياب مسألة تحليلية مقارنة بين نجاح أعماله مع أسمهان وليلى مراد في الأغنية السينمائية، ولعلنا نتذكر -على سبيل المثال - تانغو: امتى ح تعرف امتى؟- 1944لأسمهان، وفالس: قلبي دليلي - 1947لليلى مراد، ولكن لماذا لم يتساءل عن (فشل أو سقوط) أم كلثوم في تمثيلها السينمائي، وفي غنائها لأوبرا عايدة، غير جريمة حرقها الفصل الأول لأنه من ألحان القصبجي (5)، وغيرتها من تفوق فتحية أحمد حيث شاركتها وإبراهيم حمودة العمل نفسه، وكذلك فشل تعاونها مع فريد غصن، وإهمالها ملحنين مهمين: فريد الأطرش ومحمود الشريف؟، ولماذا لم يفكر في تزييفها لصورة المرأة العربية التي أعادتها لذهنية الحريم بطريقة مستحدثة؟.
أم كلثوم والسحر الأسود
على أي حال، وبعد أن تورد تعليل محمود كامل تورد أيضاً تعليلاً آخر لفيكتور سحَّاب (ص: 80) الذي اعتمد على دفاع نشر في الصحف من محمد القصبجي حول أهمية ألحانه التي تفوق أعمال السنباطي، وقال بأنه أثار غضب أم كلثوم مما دفعه لإنكاره، ولم يورد سحاب أي دليل لا على هذا ولا ذاك، وتأخذه الحفني تعليلاً، وساء دليلاً!، وهناك رأي شفوي أخذته من الملحن كمال الطويل، وهو من الملحنين الذين يعدون القصبجي أستاذاً لهم مثل: بليغ حمدي ومحمد الموجي، فقد نقلت عنه مقولة تدعم الفكر الخرافي عند الطويل والحفني بقول القصبجي -كما ينسب الطويل إليه-: "مش عارف يا كمال كل ما أنوي أعمل لحن، ألقى عفاريت بتطلع" (ص: 81)، أليس لنا ضمن ذهنية الفكر الخرافي أن نكتشف أمراً عزَّ على الحفني نفسها، بأن أم كلثوم وضعت سحراً أسود لمحمد القصبجي ما إن ينوي التلحين لها، وربما كلما مسك العود كما سيدغدغ الكثير ممن يلهجون بهذا التفسير الأحمق، أوليس عبارة مثل هذه تكشف سراً خطيرا عن دهاءٍ خارقٍ عند القصبجي الذي لم ينقطع عن التلحين لأم كلثوم لرفضها ألحانه، بل لامتناعه التلحين لها، وكفه عن اعتبارها مشروعاً أساسياً له، ومثل هذه المقولة تفتح باب التكهنات الإيهامية،وهي مثار سخرية القصبجي نفسه، وإنما تغذي ذهنية التأليه والتبخير العربية-المصرية للرموز الطوطمية التي منها طوطمية أم كلثوم، واعتبارها طوطم استقطاب لكل ما يغذي اليتم الوطني و الحَيءرة الجنوسية (6)!
وعموماً، كيلا نبعد عن التمثيل بالمحور نفسه عن: الفكرة الجاهزة (أو المسبقة)، فهي ستضيف لتلك التكهنات عن انقطاع التعاون الفني بينهما (أو امتناع القصبجي نفسه، وهذا ما لا يراد الاعتراف به)، فتقول: "بأنه نتيجة لرواسب قديمة تتعلَّق باهتمام القصبجي بصوت المطربة أسمهان، التي تعتبر منافسة لأم كلثوم في فترة ما، والتي خصها بالكثير من ألحانه" (ص: 82)، وهذا الرأي مأخوذ من مقالة إلياس سحاب التي أشرنا إليها سابقاً .
وأما المحور الثالث والأخير الذي وسمته بهذه الجملة: إغفال التحليل الاجتماعي للدور الثقافي الذي تركه القصبجي، وهو الدور الذي كان من المفترض أن يكون على كتاب مثل هذا، بدل رص المعلومات رصاً دون تحليل مدخلاتها ومخرجاتها، وتفكيك المقولات الثقافية اليابسة، واجتراح نتائج غير مسبوقة، ولو كان الأمر بإثارة تساؤلات ثقافية عميقة، العمر التاريخي لمدنية مجتمع القاهرة نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ولا يكفي ما قالته حول غناء فترة العشرينيات الموصومة بالعار الثقافي، وعن تنوع الإثنيات بأعراقها والطوائف الدينية ومذاهبها، وافتراض علاقة الآخر المثمرة التي تجمع المصري من أصول مختلفة بالآخر عربياً أو آسيوياً أو أوروبياً، ولاحظوا أن محمد القصبجي يعود إلى أصول شامية، وشمولية عملية التطور الثقافي بابتكار فن المناجاة يوازيه القصة القصيرة، ومساءلة إعادة تكوين التخت الموسيقي الشرقي إلى الفرقة الموسيقية ذات التعدد، وتطور تقنية صناعة العود و أساليب العزف والارتجال عليه، وتطور تقنيات الأداء الصوتي للحناجر العربية رجالية ونسائية، وأمور أخرى كثيرة.
وإذا كانت هذه المحاور التي تناولناها وفندناها بناء على كونها لا تطال كتاب الحفني عن القصبجي فقط بل معظم الكتابات النقدية السابقة ما بين حقوق مسلوبة، وبعض المغالطات المكرورة، والمأمول الذي خاب مع هذا الكتاب إلا أن في كتاب الحفني بعض ما يمكن اعتباره مزايا جديدة في معلومات قدمتها، وبعض الإشارة المنقوصة إلى قضايا نقدية حول نتاج ودور القصبجي ثقافياً في الحياة الاجتماعية، ومن ذلك: الأغنية السياسية، إعجاب داوود حسني بأعماله، ثقافته الموسيقية.
اسمع أغاني القصبجي
فقد درج عند الكثير غفلاً للجانب السياسي في أغنيات قدَّمها محمد القصبجي وسواه، تحت اعتبار سيد درويش صوت ثورة 1919، وهذا غير صحيح تماماً (7)، ونعرف أن القصبجي وضع ألحاناً كثيرة ذات بعد قومي وثوري ضمن إطار الأغنية السياسية (ص: 53)، وربما مورست عملية قتل بشعة لأعمال تلك المرحلة لأسباب مختلفة: تسجيلها بصوت منيرة المهدية الذي يعده الكثير تعبيراً عن صوت السرايا، وهذا غير صحيح، ووصم أسلوب غنائها بالأعجمي، وهذا غير صحيح أيضاً، وإقلاع القصبجي عن عمل أغنيات سياسية فيما بعد، ولكن السبب العائد لمنيرة المهدية هو سوء نقل التسجيلات من أسطوانات الحجر إلى تقنيات التسجيل المتاحة سواء كاسيت أو سيدي، ولكنها تسجيلات واضحة فلو استمعنا إلى أغنية: شال الحمام، من كلمات: محمد يونس القاضي، فهي وضعت لإغاظة جيش الاحتلال الإنجليزي بمصر رفعاً من شأن زعيم الثورة سعد زغلول 1919م:
"شال الحمام حط الحمام / من مصر للسودان
زغلول وقلبي مال إليه / أنده له لما أحتاج إليه"
وأدى ترديد هذه الأغنية، كما لو كانت نشيداً وطنياً، إلى استصدار قائد جيوش الاحتلال أمراً عسكرياً بسجن كل من يذكر اسم زعيم الثورة سعد زغلول، الذي تعنيه في كلمة: زغلول، ستة أشهر مع الشغل وجلده عشرين جلدة (ص:54).
ومن أغنيات القصبجي ذات الحس القومي التي غنتها منيرة المهدية أيضاً، أغنية بعنوان:أبونا توت عنخ آمون، وهناك أغنية خطيرة وضعها نفس الشاعر القاضي ولحنها القصبجي لمنيرة المهدية بعنوان: اسمع أغاني المهدية، التي يدين فيها حكومة الحرامية في مصر آنذاك!، وهذه الأغنية السياسية تخرج، في بعدها القومي والثوري، خارج الأغنية الوطنية المؤدلجة، التي سحبتها أم كلثوم إلى أرشيف التباكي (الغناء الرثائي) كمثل الذي قدمته عن جمال عبد الناصر.
وكذلك ورد في الكتاب ما يكشف موقف وعلاقة محمد القصبجي مع جيل سابق من الموسيقيين، على أنه لحن لبعض الحناجر الأكبر منه (زكي مراد وأمين حسنين) ما يستدعي اعترافاً ضمنياً بموهبته، وهو إعجاب داوود حسني، الذي يعد خليفة محمد عثمان أحد موسيقي عصر النهضة في منتصف القرن التاسع عشر، الذي كشف في رد علو شأن القصبجي في اجتراحه قالباً غير مسبوق في تراث الموسيقى العربية، وهو فن المناجاة (المونولوج، كما يدرج) حيث رفض أن يلحن عليه والسبب بقوله: "إنه لا يجوز أن يلحن مونولوجاً ومحمد القصبجي موجود" (ص: 54).
وأما كامل الخلعي ملحن الموشحات الذي وضع كتاباً مهماً عنها: الموسيقى الشرقية 1904، فقد كتب مقالاً في طريقة عزفه العود وتعليمه وأثره على تلامذته أي: القصبجي نفسه:
القصبجي هو العود الساحر، والمتفنن الماهر، صاحب الطرق الرشيدة، والقواعد العديدة في تعليم المبتدئين، ووصولهم إلى طبقة الأستاذية، وهو ممن أعجب لحذقهم وأطرب لعزفهم.
درس القصبجي هذه الصناعة على من امتازوا فيها البراعة، فظهرت مواهبه الطبيعية مقرونة بمحاسنه الفنية. ولولا أن يظن بنا غلو، لزدنا في الحديث من استزاد (ص: 63).
ولكونه يغفل دور محمد القصبجي الذي وضع حداً بين موسيقى القرن التاسع عشر والقرن العشرين في المنهج العلمي الذي استدعاه في أعماله الموسيقية والغنائية أيضاً، فإن كشف معلومات عنه لتفي بإعادة النظر في مسيرة تطور الموسيقى العربية ومن وراء ذلك، فقد تعلم وأجاد علم التدوين الموسيقي وعلم النظريات الموسيقية، ويعرف أن والده علي القصبجي هو من علَّمه نظير أن يجتهد في دروسه، وبما أنه يحمل شهادة مدرسة المعلمين، إلا أنه واصل تعليمه وثقافته الموسيقيتين عبر اقتناء الكتب والمراجع في علم النظرية وسواها، ودراستها وشرحها مع متخصصين، وهذا ما كشف عن مفكر موسيقي عالج طول أوتار آلة العود وعدلها، ووضع طريقة لتوزيع طباقي وتوافقي لألحانه على مقامات أحادية الطابع، ونتج عن هذا معالجته مقامات مهجورة ومنسية، ووصل به إلى ابتكار مقام موسيقي.
ومما تذكره الحفني حول سعي لتطوير ثقافته الموسيقية: بأنه داوم حضور حفلات دار الأوبرا الملكية، يستمع إلى الفرق الأجنبية من أوركسترا سيمفوني، وفرق أوبرا، ومشاهدة عروض الباليه، كما كان ينتهز الفرص للتعرف على كبار الموسيقيين وقادة الأوركسترات الغربية، وتبادل المعلومات معهم (ص:59).
وبما أنها تكمل عملية إعادة تدوير أو سرقة أو نقل كتاب محمود كامل في الفصول الثلاثة الأخيرة التاسع والعاشر، ففي الحادي شعر تنقل قوائم أعماله الغنائية والموسيقية، فلم تبذل فيها جهداً يذكر، فقد نقلتها كما هي من كتاب محمود كامل عن القصبجي، وهي قوائم أعماله بأسماء شعرائها وحناجرها: القصائد، الموشح الوحيد، والأدوار، والمناجيات، والطقاطيق دون أن تضع تعريفاً ببعض المغنين والمغنيات الواردة أسماؤهم وأسماؤهن كذلك تواريخ الأغنيات!، وتنقل في نهاية القوائم مسردا بأغنياته في الأفلام السينمائية كما هي أيضاً.
ولفتني أنه لم يرد أي توثيق لحوار صحفي مكتوب مع محمد القصبجي على أنه سبق نشر بعض تعليقاته المهمة حول الموسيقى العربية أثناء مؤتمر الموسيقى العربية الذي أقيم بالقاهرة 1932، برعاية الملك فؤاد آنذاك، والكثير مما أثاره من قضايا تخص تاريخ الموسيقى واستخدام آلات موسيقية غير معتادة، وما إلى ذلك (8).
-----
5-عادة ما يرجع السبب إلى حريق شب في استوديو مصر لتبرئة أم كلثوم.
6- اشتغل على ذلك، وربما في محاور أخرى، الكاتب حازم صاغية من خلال مؤلف مهم:
الهوى دون أهله، دار الجديد -
7.1991- مثلما يروَّج اعتبار محمد عبد الوهاب الموسيقي المجدد وحده، وهذا غير صحيح.
8- قد نشرت ندوات وأعمال المؤتمر وبعض التصاريح الصحفية في كتاب أنجزه فيكتور سحاب، عام 1997، والذي أهداه إلى رتيبة الحفني اعترافاً بفضلها!
1
الموسيقي والاغاني حرام وانت كاتب نصف صفحة عن هذا الشي (تحمل اوزار من قراء هذا الوضوع واراد التطبيق)
11:48 صباحاً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
2
شكرا أستاذ أحمد الواصل..إنه مقال جميل ليتني كنت مثلك ولو مستمعاً ولكن ربما أكتفي بالاستماع ثم الاستماع.إن الموسيقى لغة روحية أشكر الله على الموسيقى..\
//عادل النعمان//
10:10 مساءً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
3
يا هوه يا أبو حميد والله زمان ! تدري أنا بنيوزلندا، وتقول : وش وداك أنت ووجهك ؟، والله كل ما أشوف مقالاتك أفتخر، وأقول هذا الولد وراه سنع برافو يا بطل قريت مرة إن لك كتاب.. مبروك مقدماً
إلى الأمام يا شاطر
أخوك فهد الشويعر ونيابة عن فصل ثالث أول للذكرى!!!
10:22 مساءً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
4
إلى الأستاذ احمد الواصل
أتابعك دائما وأسعد بمقالات متنورة وجميلة، وتكشف عن الكثير من المعرفة والعلم والحس الذوقي الجميل معرض الكتاب على الأبواب يهمني أن أقرأ لك كتاباً جديداً، فقد اطلعت على الصوت والمعنى، وسحارة الخليج، وسعدت بتوفرها في مكتبات جرير والعبيكان والكتاب..
إلى الأمام..
عبد الله الحساني -أبو ثامر
10:28 مساءً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
5
جميل.. لكن الم يكن من الافضل الكتابه عن الصحابة او اهل الخير الذين افادوا الناس بعلمهم وعملهم.. ؟
10:28 مساءً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
6
إلى الأخ الأخير
مع الاحترام أرجو أن تفرقوا بين الحياة الدنيا والحياة الموت !\
ولا تعليق بعد ذلك !
عبد الله الحساني
10:34 مساءً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
7
ليش تهينون الدين وتدوسون عليه في كل مكان، الدين لخدمة البشر، وليس البشر يخدمون الدين !
الله أعلم بمخلوقاته وأعرف بما ينفع ويضر
ولا نصيحة من جاهلين !
وشكرا للإخوة القائمين على هذا الموقع لما يتحملون من بعض الأشخاص وكلامهم غير المفيد والآتي في غير محله !
أخوكم أبو إبراهيم أمين بن عبد الله العويضة
10:43 مساءً 2007/02/26
ابلغ عن هذه المشاركة
8
اللهم وفقنا لسماع ومشاهدة
ما يسرنا يوم لقاء ملك الملوك :
( فمن كان يرجوا
لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ).
Am2006@yahoo.com
12:00 صباحاً 2007/02/27
ابلغ عن هذه المشاركة
التعليق مقفل لانتهاء الفترة المحددة له