الأثنين8صَفر 1428هـ - 26فبراير 2007م - العدد 14126

تركي بن عبدالعزيز يدفع بأحلام اليزيدي الى أقصاها

    عودتي الى أرض الوطن من ألمانيا منحتني نوعاً من التماسك النفسي المهم وعزَّرت في داخلي مشاعر جديدة من التواصل والتآلف مع عاداتي المحببة ومن بينها الاطلاع على الصحف اليومية التي كانت تأتينا على فترات متباعدة هناك .وحالما وجدت باقة منها انكببت عليها بشغف شديد والتقطتُ من بين مجموعة الصحف التي راكمتُها عدد صحيفة الرياض بتاريخ 1427/12/9ه الموافق ل 29/ديسمبر/2006م.. وبدأت بالتهام الاخبار سريعا بدءا من الصفحة الأخيرة ،تمر عيناي على الصور المصاحبة،يلفت انتباهي من بين الصور التي توزعت على صدر الصفحة وجه ودود لطالما عرفته وتآلفت مع قسماته وبشاشته ..إنه الكريم ،ذو المآثر الانسانية السامية صاحب السمو الملكي الأمير تركي بن عبدالعزيز..صورته المنشورة استنفرت لديَّ فضولاً تلقائياً لاكتشاف مضمون الخبر .. وقلت في نفسي لابد أنه عن عمل خيِّر أسداه سموه..نعم ..إنه يسرد قصة رجل طاعن في السن يدعى سلوم اليزيدي من "الليث" تمنَّى أن يفتح الله عليه بحجَّة تطفئ ظمأ شوقه الى الأماكن المقدسة التي ظل يحلم بتحقيق زيارة إليها..ولم يستطع لضيق ذات اليد،إنها رغبة تحاور أعماقه منذأمد فكان نصيبها التأجيل أمام استحقاقات الحياة المتزاحمة..هذا العام كان استثنائياً بكل تفاصيله ..ان يتحول حلمه الى خبر منشور..وأن يصافح الخبر كعادته الأمير تركي بن عبدالعزيز..،فلم يكن بين الانتهاء من قراءة سموه للخبر وبين رفع سماعة الهاتف لتحقيق تطلع الرجل إلا دقائق معدودات فكانت فرحة الرجل بتحقق حُلمه تزاحم دعواته المنهمرة لهذا النُبل الإنساني الذي أخذ يباهي به الرجل مَنء جاؤوه مهنئين بتحقق أمنيته..لقد تم ترتيب وإعداد كل شيء بما يجعل الرجل يؤدي شعيرته في يُسر وطمأنينة ..يتماهى الخبر في بشائره لتمنح الرجل محفزات جديدة للتواصل مع الحياة وتجديد الإحساس بجماليات التآلف معها،حيث ستُكمل صاحبة السمو الملكي الأميرة سماهر بنت تركي دائرة الفرحة لذلك الذي تمنَّى أن يؤدي شعيرة الحج فقط..نعم ستقوم سموها بتحمل نفقات بناء بيت حديث يضمن جميع وسائل الراحة والرفاهية بعد عودته سالماً من حجِّه..

في الواقع لم يدهشني موقف الأمير تركي لأن مُدارسته اليومية لرغبات ذوي الحاجات عبر الصحف اليومية مشهد مألوف في مجلس سموه العامر بكل خير،ملبياً بأريحيته المعهودة تحقيق كثير من أمنيات الناس من المرضى والمعوزين،وهذه صورة جانبية يسيرة مما أعرفه شخصياً لأسلوب خاص في التعامل يتقنه سموه الكريم مع الحالات التي تصله مباشرة أو تلك التي يسمع بها سواء من جلسائه أو عبر مطالعته المعمقة لصحف الوطن ،وما أعرفه شخصياً أن سموه بسرِّيته المعروفة يتعهد سنوياً حوالي 500شخص من الخارج والداخل متكفلاً بمتطلبات قضاء نُسكهم .وهكذا يتصاعد المشهد الإنساني في تنوعه واتساعه سواء مع طلاب علم يكفلهم برعاية شخصية وذلك لاهتمامه المعروف بالعلم والمعارف الانسانية،أو لسد الحاجات اليومية لكثير من الناس الذين يسمع عنهم ،أو ممن يصلونه في محل إقامته من جميع فئات المجتمع .وفي الواقع أن استيعاب التنوع الانساني بكافة أطيافه خاصية مميزة لدى سموه عبَّر عنها من قبل الكاتب والأديب عبدالله الجفري عن أن كيف سموه كان ( يشرع بوابة بيته في جدة للناس بلا تفريق ولا هرمية).

وبذات الكيفية أيضاً لم استغرب موقف سمو الأميرة الكريمة سماهر بنت تركي "بذرة خير والديها" والمتأسية بهما دوماً في مواقفها الداعمة للكثيرين ممن طرقوا باب عطائها،فسموها مما أعرفه عنها شخصياً آثرث أن تُخفي الكثير مما تبذله في وجوه الخير،ولطالما تجاوزت في بذلها توقعات مَنء يقصدون إنسانيتها الرحبة،حيث إن ثقافة العطاء لدى سموها محاولة متواصلة لتعزيز قيم التعاطي الايجابي مع الحياة وتهيئة الفرد لممارسة دوره الطبيعي في ظل حياة كريمة،وسعيها لتكريس المزيد من الجهود لبناء وعي متكامل لتحويل الإسهامات الفردية التي يغدقها الكثيرون من ابناء الوطن الحبيب في وجوه البذل الى إطار من العمل المؤسسي الإنتاجي الذي يفي بمتطلبات المحتاجين ويحولهم بالتالي الى منتجين حقيقيين يستطيعون تلبية احتياجاتهم الحياتية.وتستدل سموها على ذلك ومن واقع معرفتها الجيدة بمجموعة من المؤسسات في كثير من أنحاء المعمورة بدأت كنواة بسيطة لتقديم العمل الخيري المؤقت الذي يغطي الضرورات اليومية للمعوزين وكيف أنها تحولت إلى منظومة من العمل الخيري المحترف الذي يسهم في تغطية جوانب متعددة من ضروب الانتاج والإعداد والتأهيل المهني والاستيعاب الدقيق لهامش كبير من المجتمع الانساني وتفعيله.

إنها نموذج مميز لابنة الوطن المثقفة والمتطلعة إلى تكريس تصورات واسعة من الأفكار والأنشطة التي يمكن أن تسهم بها بنات الوطن في بناء تحوُّلات ملهمة في واقعهن بكل اقتدار ومهارة.حيث اتاح لها حوارها المستمر مع والدها الامير الكريم تركي بن عبد العزيز ووالدتها "شمس الإنسانية" الأميرة هند الفاسي امتلاك رؤية وافية لرسم أفكار جديرة بالاعتبار حول تطوير الكثير من التصورات الى مشاريع عمل.

التداعيات التي خطرت لي بعد قراءتي للخبر المنشور بجريدة الرياض كانت جزءاً من حزمة الأفكار والمشاهدات والمعايشات التي اتيحت لي في حضرة الأمير تركي وعائلته الكريمة، إنها جزء من سيرة إنسان يتجاوز في حضوره وتأثيراته الباهرة مجرد الوجود المظهري على صفحات الحياة الى شخص يفلسف معنى ان يكون انساناً مؤثراً وفاعلاً.. متطهراً من ادنى سلوك يسلبه فضيلة الانتماء الى عالم الانسانية معيدا تعريف هذا المعنى حين يقول سموه( إن كلمة إنسان تعني الكائن الذي لا ينحصر في محيطه .. بل تمتد اتصالاته وعلاقاته وانفعالاته إلى كل جزء من العالم، وإلا فما معنى حياة إنسان يعيش في برجه العاجي ويكون بعيداً عن مجتمعه) وهو ما رأته فيه مرلان فرجيني كبيرة المحررين في مجلة باري ماتش الفرنسية الذائعة الصيت حين قالت عن سموه (تجذبك منه شخصية نفاذة ،ودقة في القول المسؤول تحرص على ان تؤدي الكلمة معناها بلا لبس أو تأويل..يعرف كيف يستوعب مطالب الناس ويوافيهم إلى منعطفات طموحهم وهو ما جعله محبباً إلي قلوب مواطنيه الطيبين العاديين الذين يرون فيه أميراً وإنساناً ..بل إلى قلوب إخوانه العرب وإلى قلوب الذين عرفوه تحت كل سماء)..وهذه الناحية في تفسيري هو ما جيَّر له هذه الخاصية المميزة من الجاذبية الشخصية البعيدة عن الصنعة والممتنعة عن التكلف.

دروس من الادب الرفيع في البذل الذي يترفع عن الدعاية الفجة بالتماس طابع السرية في أكثر أوقاته تكلله دائما مبادرة شخصية سباقة الى الخيرات عُرف بها تركي بن عبدالعزيز وفي ذلك يقول سموه ( إن أكثر ما يؤلمني أن لا تبلغني حاجة من يستحق المساعدة لكي أقدمها له في الوقت المناسب) وذاك الملمح ما تؤكده الكاتبة فرجيني إذ تقول: (الإنسانية في خلقه طبع لا تطبع وأصالة لا تزييف ولا رياء)..

إن الاستعدادات العميقة لإحياء فضيلة التقرب من ذوي الحاجات التي تميز الامير تركي بن عبدالعزيز في توفير صدقية التداخل مع الآخرين أتاحت للناس ذلك الاحساس المألوف للانجذاب نحو رجل جعل التواضع الفكرة الأنقى بين أفراد أسرته، وجعل التواصل مع الآخرين مرتكز انتمائه للبيئة الانسانية ..

عبدالله بن صالح بن هران آل سالم

الرياض